الخصائص اللانهائية للضوء
ضحى عبدالرؤوف المل
تجمع الفنانة "روكينا زوزانا" (Zuzanna Rokita) الضوء وتسلطه بقوة على حواجز جامدة لتظهر قوة الضوء عبر خصائصه اللانهائية، وبتفرد يعكس قدراتها التصويرية على أصل الأشياء لاكتشاف عمق المادة من خلال الضوء، لاستخراج الأشكال التي ترسمها العتمة وفق اصطدامات وليس انكسارات عشوائية فيه. وبتكوين ضوئي ذي روحية عتمة، تعيد بناء أصل الشكل في الصورة داخل الضوء، وهي من أسس الرسم والتصوير الفوتوغرافي، والصورة بشكل عام، مع التركيز على محورية الضوء في كل مكان في الكون، والقدرة على التقاط بعض من خصائصه اللانهائية لفك الغموض في قدرة الضوء والعتمة على رسم الأشكال المبنية على تضاد كل منهما، والتناغم في قوة الفصل والتلاشي بينهما. فهل تحاول "روكينا زوزانا" إبهار البصر والحواس برسم هو وليد الخصائص اللانهائية للضوء؟
عروج لضوء مصقول لا انحسار فيه، إنما تحديد الأشكال التي يرسمها انحراف الضوء بكل تفاصيله دون فقدان طاقته الإبداعية القادرة على اختراق المادة التي تضعها الفنانة "روكينا زوزانا" ضمن فوتونات بصرية تترجم مفاهيمها، لتحصل على خصائص مختلفة ضمن معادلات ذات ركائز محورية بين نقطة ضوئية وأخرى، وسرعة الاتصال والانفصال لكل منهما، مما يسبب فروقات في المقاييس التي ترتسم بحسية جمالية، لتموجات هي وليدة التلاعب بالقوة المركزية في تسليط الضوء على الأشياء التي تمنحها الفنانة "روكينا زوزانا" روحية فنية عالية. وبازدواجية طبيعته الفيزيائية والتكوينية، وضمن عدة مستويات تبرز من خلالها الأفكار المولدة للإيقاعات أو التكرارات بكافة مقاييسها، وبتنظيم للنسب الضوئية المحافظة على التدرج والاتساع، وبقوة تحكم تتخطى بها صعوبة إظهار الأشكال من خلال لانهائية الضوء وقوته الفائقة في الانتقال وتحديد المسار البصري له. إلا أنها لم تكسر النسب الذهبية في ذلك رغم صعوبة الحفاظ على تناسبها وتناغمها وتآلفها.
زوايا مجسمة ودهشة ترسمها اللوحة عبر الضوء الذي يتحدى الانكسارات بالضغط والتمدد، لتتكون المثلثات أو الخطوط أو الأصول التكوينية عبر موجات الضوء المثيرة للبصر والقادرة على خلق إيقاعات تتميز بالعلو والانخفاض في فراغات يصعب الثبات فيها. فهي تكرر التباين الضوئي في ظل أشياء تمنحها تراتبية الأحجام وأهمية موسيقاها البصرية المحسوسة في كل أعمالها المترجمة للمصطلحات التشكيلية والفوتوغرافية المحيطة بنا، خصوصاً في فروقات الليل والنهار، والفصول، ولحظات الظل في فترات محسوبة كونياً بدقة. فهل تتحدى "روكينا زوزانا" لانهائية الضوء في الرسم البصري ذي السكون الصاخب؟
خطوط مستقيمة وتحديد لحزم ضوئية ترسم الفكرة بأجزاء تصغر وتكبر، كإشعاعات تساعد في رسم الأشكال التي تريد "روكينا زوزانا" إظهارها بصرياً، معتمدة على الداخل والخارج، ومستويات السطوح عبر تدرج العتمة، وبانتقال تدريجي بين السلبي والإيجابي، لتجمع بين التضاد في الفيض الضوئي الواحد أو انبعاث العتمة والظل، وتحديد كل منهما، وبتجانس محسوس بين الضوء والعتمة في لوحاتها. مما يترك الكتل في حالة من الجمود الحركي الذي نشعر أنه يكبر ويصغر تبعاً للبعد والاقتراب منها. إذ تبدو كتلة الضوء بشدتها وترددها خفيفة بصرياً مقارنةً بعتمة برزت بين الثغرات المدروسة فنياً، كأنها الفواصل المغناطيسية المحبوكة رياضياً، لتظهر إيقاعات الضوء بلانهائية في تكرارات تخترق الفراغات بجمالية ترتكز على البعد البؤري وأهميته، وبوعي ضوئي يمثل قوة الضوء وحيويته في الانتشار والاتساع، وتحديد نقاطه الانعكاسية من خلال المادة وأهميتها في التباعد والتقارب البصري بين العتمة والضوء، أو حتى قوة الضوء في اختراق العتمة وإبراز خطوطه في لوحات تمثل الخصائص اللانهائية للضوء.
برؤية أخرى يظهر أن الفنانة "روكينا زوزانا" تستخدم الضوء كأداة رئيسية في تشكيل وتعزيز الأبعاد الجمالية والتعبيرية لعملها. الانطباع العام الذي يتركه النص هو أن الفنانة تتناول الضوء ليس كعنصر ثابت بل كقوة متحركة وديناميكية تساهم في خلق إيقاعات بصرية مميزة. هناك إحساس قوي بتلاعب الفنانة بالضوء، مما يؤدي إلى خلق أشكال ومشاهد تتسم بالتنوع والعمق. هذا التلاعب في الضوء والعتمة يثير في النفس شعورًا بالدهشة والتأمل.
تحليل موضوعي:
تركز على استخدام الضوء كوسيلة رئيسية في التشكيل الفني، حيث تسلط الفنانة الضوء على حواجز جامدة لاكتشاف عمق المادة. يبرز عملها الفني التقدير العميق لكيفية تأثر الأشكال والألوان بواسطة الضوء، وكيف يساهم هذا التأثير في تقديم رؤية جديدة للمادة والتكوينات المختلفة. الضوء والعتمة يتناغمان بشكل متقن لخلق مشاهد بصرية تثير اهتمامًا موضوعيًا في كيفية تناول الضوء كعنصر لا نهائي ومعقد. إذ يبدو أن الفنانة تعبر عن تجربة داخلية ومعقدة من خلال استخدام الضوء. الضوء هنا يمثل أداة للتحليل الذاتي واكتشاف أبعاد جديدة للواقع. من خلال التلاعب بالضوء والعتمة، قد تعكس الفنانة حالة من الانشغال الداخلي بالصراع بين التواجد والغياب، بين الوضوح والغموض. يمكن أن تثير هذه الديناميات النفسية في المتلقي مشاعر من التأمل والتفكير العميق حول طبيعة الضوء وتأثيراته على إدراكه للواقع.
تُظهر لوحاتها أن "روكينا زوزانا" تعتمد على تقنيات متقدمة في إظهار قيمة الضوء، مما يعكس براعتها في فن الرسم وتكوين الصورة. تستخدم الفنانة الضوء لخلق تباين بين الأشكال والظلال، مما يضيف عمقًا وتفاصيل غنية للأعمال الفنية. هذا التلاعب الدقيق في الضوء يساهم في تعزيز الجمالية الفنية والتعبيرية للأعمال، ويوفر تجربة بصرية متطورة للمشاهد.
تحليل جمالي:
جماليًّا، يمكن القول إن عمل الفنانة يعكس توازنًا بين التأثيرات البصرية واللمسات الجمالية. الضوء والعتمة في أعمالها ليسا مجرد عناصر مرئية، بل هما جزء من تجربة جمالية تشمل التباين والتدرج والتفاعل بين الألوان والأشكال. هذا التفاعل يخلق تجارب بصرية مميزة تثير الإعجاب وتدعو المشاهد للتأمل في جماليات الضوء وتفاصيله. إذ تسعى "روكينا زوزانا" لإيصال رسائل عميقة من خلال التلاعب بالضوء والعتمة. الضوء هنا ليس مجرد وسيلة للإضاءة بل أداة للتعبير عن الصراع والتناقضات الداخلية والخارجية. الأعمال تعكس قدرة الفنانة على ترجمة الأحاسيس والرموز من خلال الإيقاع الضوئي، مما يتيح للمشاهدين فهم أعمق للتعبير الفني والموضوعات التي تتناولها. إذ يُعَد الضوء عنصرًا حيويًّا في إيقاع الأعمال الفنية. يتجلى الإيقاع في كيفية تلاعب الفنانة بالضوء لخلق حركة ديناميكية داخل الأشكال، مما يعزز من التجربة البصرية. الضوء هنا يتفاعل مع الأشكال بشكل يشبه الإيقاع الموسيقي، حيث تتباين الإضاءة والظلال لخلق إيقاع بصري مستمر. هذه الحركة والتفاعل بين الضوء والعتمة يضيفان بُعدًا ديناميكيًّا للأعمال، مما يجعلها أكثر حيوية وتعبيرية. تعمل "روكينا زوزانا" على تقديم تجربة بصرية مميزة من خلال التلاعب بالضوء والعتمة، مما يعكس توازنًا بين الجانب الفني والجمالي عامة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol