ما بعد الاستعمارية الثقافية وهجمة الفن البصري
ضحى عبدالرؤوف المل
يرفع الفنان "باسكال مارتين تايو" (Pascale Marthine Tayou) من مستوى الفن المرتبط بقضايا العولمة لما بعد الاستعمار وهجمة الفن البصري التي أحاطت بصريًا بالكثير من القضايا الاجتماعية والثقافات البصرية بمجملها، بارتجالية ذات بناء تخيلي يلملم أفكاره بأسلوب عصامي يميل إلى البساطة، خصوصًا باستعماله الوسائل الحياتية، ليعكس بذلك هوية العولمة والتاريخ والتذبذب اليقيني بين حالات مختلفة، منها عدم اليقين بالاستقرار والسلام وازدياد حالات الفوضى في البلدان النامية. فهل استطاع باسكال إسقاط أفكاره على أعماله المفاهيمية وغيرها؟
لم يفصل "باسكال مارتين تايو" الفن عن الحياة وترابطها الحيوي حتى عبر وسائلها الطبيعية البسيطة، فاتحًا مساحة العرض باتساع يميل إلى صناعة المشهد، وما يحتويه من بصريات ونُظُم إيقاعية بين التقارب والتباعد، حتى بين الأفكار الأخرى التي تميل إلى الحالة الاجتماعية وتشابكاتها، كشجيرات الحياة بعصورها السابقة واللاحقة، بوعي مفاهيمي عصامي في إبداعاته التكوينية المحاكية بفطرتها يد الإنسان، وتذوقاته لما يجذب بصره ويثير الذهن، لتولد الفكرة من فكرة الحياة نفسها، وتظليلها للكثير من جماليات نلاحقها بصريًا ونتساءل عنها فكريًا، ويبقى الجواب وليد اللحظة المعاصرة التي تنتقد باستبطان علاقة الشكل بالمضمون، وبحيوية رياضية بين ما هو علوي وسفلي أو متعامد بمجموعات تؤلف موضوعًا باستنتاجات مختلفة، لكنها محصورة بين ثلاثية المساحة والحركة والضوء، وبحس يرتبط بالفهم الفني السهل الممتنع، وبشكل ميكانيكي يسعى إلى التفكيك البصري والتجميع، كعناصر فنية هي مجموع الكثافة بتساوٍ، وكأنه يريد الإيحاء بالتساوي بين البشر وبين القوى المختلفة.
رمزية السلبي والإيجابي، الخير والشر، الممتلئ والفارغ، الصراع الداخلي والخارجي، والبعثرة العشوائية بتنظيم مفهومي يعيد للرؤية أساسياتها، مستكملاً عناصر المشهد المركب بتناغم وانسيابية لخلق مزيج من الاختلاطات أو الأمشاج، إن شاء التعبير. ليحدث نوعًا من التقارب بين الأفكار التي تحدث صراعات صامتة وإيحاءات صاخبة متمردة في تطلعاتها نحو الأشياء، وبجمع بين الفنون، كالرسم والنحت والتصوير والتركيب الفني، فهو يجمع بين العديد من النقاط الحسية والمادية لإظهار الفروقات بتساوٍ بصري، لنكون بتوافق مع فطرة الإنسان الأولى دون عولمة أساءت للكثير من المفاهيم المغلوطة التي نتبناها في الكثير من المراحل الحياتية والفنية. فهل انتفض باسكال مارتين على العولمة بفنه؟
إذا شرعت العولمة أبوابها، فمن الطبيعي أن تتأثر الخصوبة الفنية باتساع الأفكار وتطورها، ولمسها حسية الجمال وتطوراته حتى ضمن البيئة الإنسانية وتغيراتها، وكأنها تميل نحو كل ما هو صناعي أو مادي لاتصال ذلك بالإنسان وتحديات خصوصياته. مما جعل "باسكال مارتين تايو" يحسم جدليات المادة بقدرتها على خلق متناقضات بين الطبيعة الحية والميتة، وإعادة إنتاج الأشياء التي تُرمى دون اللجوء إلى التفكير بها وإمكانية إعادة استخدامها كوسائل فنية لا تنتمي إلى صراعات الحضارات التي يرمز إليها في أكثر من تصميم فني أبدع في إخراجه مفهوميًا أو تصويريًا، وبانكفاء ديناميكي للحفاظ على هوية كل عمل واستقلاله بالفكرة التي يعالجها، وبهيمنة فنية هي رديف لعصامية أنتجت أجمل الأعمال الفنية بكل رموزها الفكرية والفنية والثقافية، بل! وبهويتها الإنسانية التي ترفض العولمة بكل نتاجها، وتدعو إلى الروح وقيمتها الإيجابية والسلبية، وبالتآلف بين المفاهيم والقيم الجمالية.
تقتحم المعاني الفكرية والجمالية مخيلة الرائي بتأملات تضعه في داخل المعنى، وبزخم تكتيكي عبر آليات التطور والعودة إلى الفطرة، بازدواجية تقنية، واكتساحها بنسبة كبيرة تدفق الأشكال الهندسية المنفصلة والمتصلة، والمتوحدة في آن.. مع مجموع الانتماءات البصرية المتفرقة باندماج وذوبان يثير التضاد أو يمنح المتناقضات معادلات رياضية خاصة، وبالتوظيف الإيحائي يجمع بين التخيلي والواقعي، برموز تتبوأها جمالية العمل الفني الذي يقدمه "باسكال مارتين تايو" دون احتكار لوسائل الفن التشكيلي أو لوسائل النحت، وإنما بتمرد لا يحكمه سوى معايير الجمال والأفكار المعالجة للعنصرية والعولمة والجمع بين الحضارات والأزمنة والعودة إلى الفطرة الذاتية في خلق الجمال.
برؤية أخرى بعد سنوات من كتابة هذا المقال تأملت مجددا عمل "باسكال مارتين تايو" الذي يتسم بتأثير بصري قوي، حيث يثير في النفس شعورًا بالتداخل بين الفوضى والنظام. من خلال استخدامه للألوان والأشكال الممزوجة بتقنيات متعددة، يخلق تايو حالة من الإثارة والتساؤل. أعماله تتميز بطابع بصري يجذب النظر ويثير التفكير، مما يضع المشاهد في حالة من الانفتاح على تأويلات متعددة.
يركز تايو على قضايا العولمة وما بعد الاستعمار عبر فن بصري يعكس التداخل بين الثقافات المختلفة. يبرز في أعماله التناقضات بين الحداثة والقديمة، بين الطبيعة والصناعة، ما يعكس تساؤلات حول الهوية والتاريخ في ظل تأثيرات العولمة. يستخدم تايو الوسائل الطبيعية والبسيطة لخلق فن يتحدث عن الصراعات الاجتماعية والاقتصادية.
يثير عمل تايو مشاعر من التناقضات الداخلية. يجسد الصراع بين الأنا والآخر، بين الاستقرار والفوضى، مما يعكس حالة من عدم اليقين التي يعاني منها الأفراد في عالم متغير. يعكس استخدامه للألوان والأشكال المتداخلة مشاعر الحيرة والارتباك، مما يعزز من تجربة المشاهد الشخصية والعاطفية.
يتميز عمل تايو بالإبداع في استخدام تقنيات متعددة وأدوات غير تقليدية. يعكس الجمع بين الأساليب الفنية المختلفة – مثل الرسم والنحت والتصوير والتركيب الفني – قدرة على خلق تأثير بصري متنوع ومعقد. تميز أعماله باستخدام الألوان والأشكال التي تنسجم في تناغم بصري، مما يجعل المشاهد يتفاعل مع العمل الفني بطرق متعددة.
يعبر عمل تايو عن تجارب جمالية مدهشة عبر توازن بين الأشكال والألوان، وإيقاع بصري متنوع. يعكس التباين بين العناصر المختلفة حالة من التناغم والتعارض، ما يمنح العمل الفني جاذبية بصرية وقوة تعبيرية. الجمال في أعماله لا يأتي فقط من تناغم الألوان والأشكال، بل من القدرة على تحفيز الفكر والتفاعل العاطفي.
يحقق تايو توازنًا بين الحركة والثبات عبر استخدامه للأشكال والألوان. الإيقاع البصري في أعماله يوازن في التنقل بين المناطق الملونة والمفرغة، بين الأشكال المترابطة والمتباعدة، مما يخلق حركة بصرية تشبه الإيقاع الموسيقي. هذا الإيقاع يعزز من تأثير العمل الفني ويجعله ديناميكيًّا، مما يسمح للمشاهد بالانغماس في تجربة بصرية تأملية وحسية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol