نفض الغبار عن المعاني

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في كتاب "اليسار: الماهية والدور..." للدكتورة "عايدة الجوهري"

تعيد الدكتورة "عايدة الجوهري" للمعاني اليسارية موضوعيتها بعيدًا عن التعرية والتشويش في كتابها "اليسار: الماهية والدور" الصادر عن "دار الفارابي"، مانحة الفكرة وضوحًا مفاهيميًا لا شطط فيه. لتصحح المفهوم بفكرة جوهرية من شأنها وضع القارئ أمام مغالطات تصححها ذهنيًا وبسلاسة نقاشية داخلية، وتحت عناوين متعددة بدينامية لا تيه فيها، عبر مصطلحات كالبوصلة تحدد الاتجاه للقارئ. ليتخذ درب التغيير مع الحفاظ على الوقائع والاستنتاجات الخاصة. فهل تحاول "عايدة الجوهري" مخاصمة اليمين؟ أم أنه لولا وجود اليمين لما وُجد اليسار؟ وهل تناقض المعتقدات السياسية في المجتمعات دليل عافية على وجود الحريات؟

في المشروعية الفلسفية للمصطلحين، تفتح نوافذ البصيرة على تساؤلات تتركها لمحاورة القارئ من خلال تبسيط الأصل الابستمولوجي لمصطلحي "اليمين" و"اليسار"، وما بين أصحاب الامتيازات كالكليروس والنبلاء وممثلي الشعب، نطل على حق النقض والتحجيم مضامين طبقية، وتحديد حجم النفوذ لمن عُرف بمعاداته للسلطة، ولمن عُرف بالمحافظة والخوف من التغيير. إلا أن كل ذلك يتعذر على الدول النامية لأسباب وضعتها ضمن تكوينات سياسية وأنماط الحكم، "قدر ما تتعرض الحريات السياسية والفردية فيها لكوابح وانتهاكات". فما هي أسباب ندرة استعمال مصطلح اليمين في الخطاب السياسي والإعلامي العربي؟

لا يمكن أن يتوقف القارئ عن طرح التساؤلات وهو يقرأ بتمعن ثنائية "اليمين" و"اليسار". فهي لم تطرد أيًّا منهما خارج معادلة التناقض التي فرضت تطور ظاهرة "الوسط" في الحياة السياسية. لكنها رفضت جمود الوسط بين نقطتين متحركتين، نافية الغوص في جوهريتها لأن "الوسط نفسه كمقولة لا معنى لها، إلا بالإحالة إلى "يمين" و"يسار". نقطة وضعتها دون فواصل أو حتى عناوين، لتكون بمثابة الضوء الذي يحتاجه القارئ كي يكمل دون غموض عن وسط ذي ضمور مفهومي في كتاب غني بالوضوح عن قطبين أو طرفي خيط لكل منهما كليشيهات ترافقهما. إلا أن أبرزها وأهمها عمق طروحات اليساري الذي "ينظر إلى الإنسان كشيء متميز" أو "كذات حرة تعلو فوق الأشياء". واختصار تعريف الاتجاهين بالحركة لليسار والسكون لليمين ليس اختصارًا صائبًا. وهي هنا أمسكت بالقارئ بقوة قبل أن تدخله إلى إشكاليات التعريف والفرضيات، لكن عبر أسس بحثية وضعت قواعدها، ليستنتج القارئ الغاية من "اليسار: الماهية والدور". فمن هو اليساري المعاصر برأي الدكتورة عايدة الجوهري؟

مرحلة قراءة تفكيرية في افتراض يشكل كنه الفكر اليميني ومتنه، وما يستبطنه من "فلسفة القوة" قبل وحدة الإنسان الأساسية في الفصل الأول، وأقانيم الفكر اليساري بكل وحداته الديكارتية والفرانتزية والكانطية وغيرها، والتي تؤول إلى "مبدأ وحدة الطبيعة البشرية، الفيزيقية والذهنية"، والتي تعطي الأولوية لهوية الإنسان الكلية لصفاته الجوهرية الثابتة، ومستتبعاتها الأخلاقية، إلى التأمل في صميم مشكلة الهوية. وهنا كان لا بد من التوسيع الذي قامت به من خلال سياسات التسامح والوعي بالذات ومركزية العقل، لتقوية الإحساس بالحرية والكرامة بالعقلانية والعلم، ومعايير العدالة المختلفة في كل الفلسفات والنظريات والآراء التي بوبتها، لينبثق الفكر اليساري الحديث من ثورات بدأتها بثورة القرامطة، ليجد القارئ نفسه في لب العدالة الماركسية وعواملها الذهنية سلبًا وإيجابًا، وبحيادية في الخلاصات التي استنتجها فكريًا قبل أن تطرحها "عايدة الجوهري" بقناعة رؤيوية وجدلية ثنائية نبحث من خلالها عن الانصهار الكامل. فهل نجحت في تدعيم ماهية اليسار ودوره بإبراز نقاط التناقض بعدالة فكرية؟

انطلاقة في البداية تتمثل في الإضاءة على الأفكار للإبحار في ردم التفاوت الاعتباطي لإدراك قيمة التحولات الاجتماعية والسياسية وغيرها، لتصل إلى القدرة على إقناع القارئ ببحثها. وهذه حقيقة جعلتني أتفحص كلامها الأخير بل وفك شيفرة كتابها، وحنكة باحثة قيادية قارئة جعلت من ماهية اليسار ودوره وثائقيًا يمكنه أن يخلق العديد من التساؤلات التي من شأنها تسليط الضوء على اليمين واليسار، وحتى الوسط الذي نشأ ولم تتوسع به. مما جعلني أتساءل: ما بين متحرك وساكن، أين نحن من كل هذه التجاذبات والإشكاليات؟ وهل يمكن الوصول إلى هذه النقاط في بلاد عربية ثوراتها لم تهدأ بعد؟

برؤية أخرى في عالم يسوده التباين والتناقض بين اليمين واليسار، ينقلنا كتاب "اليسار: الماهية والدور" للدكتورة عايدة الجوهري إلى عمق مفهومين سياسيين قديمين، يعيدان تحديد معالمهما وتفاصيلهما. الكتاب، الصادر عن "دار الفارابي"، يعرض دراسة موضوعية ومتميزة تقارب المسائل اليسارية من زاوية جديدة، وتفتح أبوابًا للتفكير حول طبيعة اليسار وعلاقته باليمين وكيفية تطور هذا الصراع السياسي عبر الزمن.

الدكتورة عايدة الجوهري تسعى في كتابها إلى تصحيح المفاهيم المتعلقة باليسار، وإعادة تعريفه بعيدًا عن الضبابية والتشويش الذي قد يكتنفه. من خلال نهجها البحثي المتعمق، تحاول الجوهري الكشف عن الجوانب الجوهرية للفكر اليساري وتفكيك المفاهيم المعقدة المرتبطة به، مسلطة الضوء على البنية الفكرية والتاريخية التي شكلت معالمه.

تحلل الجوهري العلاقة بين اليمين واليسار بشكل يبرز التناقضات والتقاطعات بينهما، متسائلةً عن الدور الذي يلعبه كل منهما في تشكيل معالم الفكر السياسي والاجتماعي. في هذا السياق، يبدو أن الجوهري تتبع نهجًا نقديًا يتجاوز الطروحات التقليدية، موجهة انتقاداتها لمفهوم "الوسط" الذي غالبًا ما يُنظر إليه كحل وسط بلا طابع محدد، لكنها في ذات الوقت لا تنكر دوره كعامل توازن في السياسة. الجوهري تتطرق أيضًا إلى مسألة "الحق النقض" و"التحجيم الطبقي"، حيث تفحص كيف يؤثر ذلك على فئة معينة من المجتمع، مثل الكليروس والنبلاء، مقارنة بممثلي الشعب. تحليلها يعكس إلمامًا عميقًا بجوهر الصراع الطبقي وتأثيره على تصورات اليسار واليمين.

من خلال تناولها لعملية تطور الفكر اليساري، تبرز الجوهري دور الثورات التاريخية مثل ثورة القرامطة كعناصر حاسمة في تشكيل الفكر اليساري الحديث. يعكس هذا التناول سياقًا تاريخيًا غنيًا يعزز من فهم القارئ لتطور الأفكار اليسارية وتغيراتها، بدءًا من التصورات الفلسفية الديكارتية والكانطية، وصولاً إلى التحليل الماركسي المعاصر.

تجعلنا الجوهري نفكر بعمق في علاقة اليمين باليسار، وتدفعنا للتساؤل عما إذا كانت كل فلسفة سياسية تدفع بتناقضاتها إلى تعزيز الفكر الآخر، أو إذا كانت هذه التناقضات هي ببساطة نتيجة التفاعلات الاجتماعية والسياسية التي تتسم بالتطور المستمر. الكتاب يثير تساؤلات حول الحريات السياسية وكيفية تعبيرها في ظل الأوضاع المختلفة، خاصة في الدول النامية التي تعاني من انتهاكات متكررة.

ختامًا، يعد كتاب "اليسار: الماهية والدور" للدكتورة عايدة الجوهري محاولة جادة لتقديم رؤية جديدة ومتماسكة حول مفاهيم اليسار واليمين. من خلال تحليلها العميق والمبني على أسس بحثية صلبة، تقدم الجوهري للقارئ نافذة لفهم التغيرات السياسية والاجتماعية من منظور متوازن، مشجعةً على التفكير النقدي والتأمل في دور هذه الأفكار في تشكيل مستقبل السياسة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol