حالة إنكار

قراءة في كتاب "بكامل رصيدنا" تأليف بولا بردويل وفيرنون لوب

ضحى عبدالرؤوف المل

يبدو أن سيرة الجنرال ديفيد بتريوس، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية، تجسد بشخصياتها ما يشبه الرواية في كتاب "بكامل رصيدنا" عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر". فشخصيات الكتاب، بواقعيتها وتواريخها، والأحداث المهمة التي يمنحها الكتاب لبتريوس من الواقع الميداني، وصولاً إلى الفصل الأخير مع الملاحق، هي عبارة عن بحث على ما يبدو تم توثيقه برسائل وكلمة من المؤلفة التي تستكشف تطور فلسفته في الحرب والتطور الفكري خلال المراحل الفاصلة لقيادته في أفغانستان. فهل حبكة السرد لهذه الأطروحة هي وليدة بحث لنيل الدكتوراه أم لإظهار فن وفلسفة وتطوير شخصيات القادة في الحروب الأميركية؟

شدة التفاصيل في الكتاب تبرز في الفصول كلها دون استثناء، مع الانتباه إلى التنوع الكتابي لإبعاد الضجر عن القارئ مع الحفاظ على وتيرة الإثارة الذهنية للإمساك بشغف القارئ، وكأنه يتابع فيلماً عن حروب لعاشقة مغامرة تبحث عن الحقائق في العالم الثالث والأخطار الجمة فيه، وباستكشاف الخفايا كما تقول لتزيد من نسبة الإقناع والتأثير، ويصبح كتابها قطعة من حياة شخصية قيادية تطورت فلسفتها عبر مواجهة العديد من الأخطار التي واجهها بتريوس بعد طلب أوباما منه بوضوح: "أن يتجنب تطهير مناطق لا طاقة لقواته على احتمالها" متجنباً انتقادات الصحافة للمحافظة على التركيز كفريق على السير قدماً نحو الأهداف، باستراتيجية ناجحة ذات زخم في القيادة لإحراز النجاح. فهل مواجهة الكثير من المنتقدين بالثبات على المبادئ في المواجهة والإيمان هو إفراط في الطموح؟

تساؤلات عديدة يطرحها القارئ مع الكاتب، لتأتي الإجابة واضحة في تسلسل حافظت عليه الباحثة بدءاً من قيادته الأولى لأولى معركة وصولاً إلى النهاية. فالسنوات التي أمضاها قبيل عودته إلى العراق كانت بمثابة تسجيل إضافات لشخصه من منتقديه. فقد اعتبر الوزير غيتس أن "التاريخ سوف يضع بتريوس في مصاف أعظم قادة معارك الدولة"، مستقطباً مخيلة من هم في السلطة. فمراقبة الإرهاب العالمي من أولى مهامه، خصوصاً أن الاستسلام لا جدوى منه في مواجهة التطرف الذي برز في بحثها من الفصل الأول. لتوحي بعبء قيادة الحرب التي قادها بتريوس، يتطور كما وصفتها، لتمنحه وسام التاريخ الذي سيحتفظ فيه ببحث مشدود الخيوط كدراما لا تحتاج لسيناريو، لشدة التفاصيل التي كتبتها بجغرافية لم تخلو من رسم بعض الحدود للمناطق، كأفغانستان بسائر قراها "وأوديتها الأكثر أماكن وعورة وجدباً على الأرض، لخوض حرب ضخمة". تشطر سلسلة جبال هندوكوش المرتفعة البلد الذي تعد مساحته كمساحة تكساس. فهل تحاول بذلك منح القارئ عالمية تخاطب بها كيان كل قارئ بكل تنوعاته الفكرية أو السياسية؟

ثورة عكسية في مواجهة التكنولوجيا ابتكرها المتمردون لتصبح كل الوسائل الدفاعية دون جدوى، كما وصفها لوجان، وهو من الشخصيات المهمة التي جمعتها الباحثة بعد أن تقمص لوجان دور السكان المحليين "وتصور لو أنه لاقى حتفه في أفغانستان، فسيكون ذلك من أجل قضية جديرة بالاهتمام". فهل التخطيط في بناء الأطروحة يحتاج إلى كل هذه التفاصيل الدقيقة حتى لتقمص الشخصيات في الحروب وإظهار دهاء القادة في مواجهة المتمردين؟ أم أن الكتاب هو سيرة شخصية تستحق أن تكون كوسام للتاريخ؟

توازن منطقي في مسارات الكتاب مع شهادات لمعاوني بتريوس وتحديد الآراء لتكون منظومة الكتاب لا تقل عن شأن القائد الذي كتبت عنه بحثها الطويل، والمدعوم بشهادات وأقوال وتواريخ وآراء لكبار قادة الحرب مع الملاحق والرسائل وغيرها من وسائل الكتابة التي من شأنها وضع القارئ أمام القائد (المثل الأعلى) دون أن تجعله نموذجاً أفلاطونياً، فقد يخطئ ويصيب لأنه كائن بشري يتطور مع الممارسة والإتقان. ولكن بتريوس في فصول الكتاب عبارة عن تاريخ القائد الذي تابع قضايا عديدة في العراق وأفغانستان وغيرها، إلا أنها استطاعت منحه الرصيد المنطقي لتاريخ سجله عبر ممارسة تركت طابعاً إيجابياً في نفوس معجبيه ممن ترأس قيادتهم وصولاً إلى القراء.

برؤية أخرى تحديثية يُعدّ كتاب "بكامل رصيدنا" محاولة شاملة لتوثيق سيرة الجنرال ديفيد بتريوس من خلال تحليل عميق لتجربته العسكرية والفكرية. المؤلفان، بولا بردويل وفيرنون لوب، يقدمان دراسة مستندة إلى مصادر متعددة، بما في ذلك رسائل ومقابلات مع أشخاص قريبين من بتريوس. الكتاب يبدو وكأنه دراسة أكاديمية متكاملة، حيث يتناول تفاصيل دقيقة وموثقة حول أحداث معركة أفغانستان والعراق، وتحليل كيفية تأثير قرارات بتريوس على مجريات الأحداث.

يتميز الكتاب بأسلوب سردي يجمع بين الدقة العلمية وحيوية السرد الروائي. الكاتب يستخدم تقنيات سردية لتعزيز الإيقاع وجذب القارئ، مع الحفاظ على توازن بين التفاصيل الدقيقة والتشويق. اللغة المستخدمة غنية وتساهم في خلق صورة حية للأحداث، مما يعزز من تجربة القراءة. الكتاب يراعي تنوع الأساليب الكتابية ويبتعد عن الملل من خلال استخدام عناصر سردية مثيرة.

يقدم الكتاب تحليلًا فلسفيًّا حول مفهوم القيادة والتفكير الاستراتيجي في سياقات النزاعات العسكرية. يستعرض تطور فكر بتريوس وكيفية تأثيره على استراتيجيات الحرب، مما يوفر للقارئ فهماً أعمق للأبعاد الفكرية وراء القرارات العسكرية الكبرى. الكتاب يشجع على التفكير النقدي حول القضايا الاستراتيجية والأخلاقية في الحرب، ويعكس صراع القيم والاختيارات الصعبة التي يواجهها القادة العسكريون.

يتسم الكتاب بتنظيم محكم يجعل التنقل بين فصوله سلسًا وميسرًا. تقسيم الكتاب إلى فصول وملاحق يعزز من قدرته على تقديم المعلومات بوضوح وفعالية. يتميز الكتاب أيضًا بإدماج الملاحق والرسائل التي توفر للقارئ خلفية إضافية وتعزز من مصداقية المعلومات. التنسيق بين النصوص والصور والخرائط، إذا وُجدت، يعزز من التجربة الإخراجية ويضيف بعدًا بصريًّا يساهم في فهم النصوص التاريخية والعملية.

يعكس الكتاب التحديات والضغوطات التي يواجهها القادة العسكريون تحت تأثير السياسة الدولية والمحلية. يتناول الكتاب كيف أثرت سياسات الإدارة الأمريكية، خاصة تحت قيادة أوباما، على استراتيجيات بتريوس وقراراته العسكرية. يعكس الكتاب الصراع بين الأهداف العسكرية والسياسية، ويعرض كيف يتعين على القادة العسكريين التوفيق بين متطلبات السياسة والتحديات الميدانية.

"بكامل رصيدنا" هو عمل متكامل يجمع بين البحث الدقيق والأسلوب السردي الجذاب. يقدم الكتاب رؤية شاملة ومفصلة حول سيرة ديفيد بتريوس، مع التركيز على الجوانب الفكرية والفنية والسياسية لتجربته العسكرية. من خلال تنظيمه المحكم وتقديمه الدقيق للحقائق، يعزز الكتاب من فهم القارئ للقرارات الاستراتيجية والأثر الذي تتركه على مسار النزاعات العسكرية والسياسات الدولية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol

تم نشره في جريدة المدى الشهر الرابع عام 2016