الشاعر د. سرجون كرم للمدى: "الحرف عندما يصبح على الورقة يصبح ملكًا للإنسانية كلها، وأنا مع التجديد والحداثة."
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
يحفز الشاعر د. سرجون كرم مفاهيمه الشعرية الخاصة بخلق تساؤلات تتميز بالاختلاف والتباين بين الرمزية الصوفية، وبين الفلسفة الكونية التي تضمرها المعاني في قصائد تحقق ارتباطًا شعريًا مع النص الصوفي، وبتفاوت تصويري تكمن فيه قوة المبنى الذي يعتمد عليه، ليتصف بالبلاغة الشعرية الموصولة بثقافة شعرية غنية من حيث المنطق والقواسم المشتركة مع الفن الخطابي البعيد عن الجفاف والمباشرة، والمعالجات الحيوية لأجزاء القصيدة أو النص الشعري ومكوناته التركيبية حيث تتضاءل لغة التكثيف الرمزي أمام التخييل الذي يندرج مع سمات الخارطة الشعرية التي يعتمد عليها بحنكة ودهاء شعري وبمقاربات شرقية غربية. إذ يفرض على القارئ تحليل رؤيته الفكرية والعقلانية بوجدانية لا انفعالات سطحية فيها، بل تصميم وإدراك على بناء القصيدة ووهج تساؤلاتها، ليهيمن على حكمة القصيدة بعيدًا عن الكلاسيكية. ومع الشاعر سرجون كرم أجرينا هذا الحوار:
- من هو الشاعر سرجون كرم ومتى بدأت الشعر، ولماذا هذا الأسلوب الشعري؟
ولدت في بيروت سنة 1970، ووالدي صحفي، وجدي من أوائل الصحفيين في لبنان. ثم تهجرنا وعدنا إلى قرية والدي التي أخذ معها مكتبته الصغيرة. وفي هذه المكتبة الصغيرة وجدت كل أعداد مجلة الشعر الخاصة بيوسف الخال. ومن ثم أخذت هذه الأعداد معي إلى ألمانيا عندما درست الدكتوراه، لكن الشعر لم أفكر به بداية، ولا بدراسة الأدب العربي. ولم أعلم أنني أمتلك الموهبة الشعرية إلا بعد تشجيع دكتور خريستو نجم ودكتور محمد عاصم، الذي تبناني لغويًا، وعلى يده تعلمت الأوزان الصحيحة. وبين تشجيع دكتور خريستو نجم وانتقاد دكتور محمد عاصم وتوجيهاته الصارمة، كتبت شعر التفعيلة. ثم أخذني إلى مكتبة رشيد درباس والمنتدى الأدبي، وكان يتواجد دائمًا الشاعر عبد الكريم شنينة ودكتور اللغة أحمد الحمصي، وكأنني في دائرة اللغة العربية المهمة التي ساعدتني لأبدأ بثقة بين هذه المجموعة من الشعراء، والتجربة معهم كانت جدًّا مهمة.
- كيف ترى الحركة الإعلامية في الشمال في ظل أزمة الشعر عامة؟
الآلة الإعلامية في الشمال تحتاج إلى قوة لتظهر طاقاتنا الإبداعية، لأننا في أزمة شعرية عربية ملموسة. وما ينقصنا هو الإتقان والإبداع والمصداقية في النقد. والحركة الإعلامية الجيدة تجبر الشاعر على الخروج من ركوده وتركيز الأفكار والمثابرة للعطاء بشكل أفضل، لأن تواجد الشاعر ضمن مجموعة ثقافية ناشطة على الأرض مع التغطية الإعلامية الجيدة يساعده في التجديد والتحفيز والعطاء المستمر.
- ماذا تعلمت من وجودك في ألمانيا؟
ألمانيا علمتني الهدوء والتركيز والاطمئنان. والمكتبات في ألمانيا مفتوحة، ومن السهل جدًا الحصول على أي كتاب. كما أنني خرجت من أجواء الحرب التي كانت آنذاك في لبنان ومن الثقافة العربية الكلاسيكية. ثم حصلت على دبلوم في الأدب الألماني. والأدب مدرسة كبرى ويحتوي على كل الأديان وكل الأفكار.
- لماذا هذه الرمزية والصوفية في قصائدك؟
أنا رمزي صوفي وتجربتي مع الصوفيين عميقة جدًا. فأول كتاب قرأته هو تفسير القرآن لمحي الدين ابن عربي، ومتأثر به منذ صغري. لأن والدي قال لي: "إن أردت أن تكون رجلاً بالنسبة لي، يجب أن تقرأ ثلاثة كتب: القرآن، والإنجيل، وكتاب خاص بوالدي." ختمت القرآن، وهذا لعب دورًا في الميل الروحاني من شخصيتي. والإنسان يجب أن يطرح سؤالًا على نفسه: ماذا يريد من الحياة؟ حتى في الشعر وماهية الهدف منه، لأن الحرف عندما يصبح على الورقة يصبح ملكًا للإنسانية كلها، وأنا مع التجديد والحداثة.
- ألا تعتبر أن السريالية في الشعر تمنح الذهن تحفيزًا وصورًا تخيلية غنية بالغرابة؟
أنا ضد السريالية في الشعر بمعنى أنني لا أحفزها في العالم العربي. لكن البعض يعتبرها لعبة صورة شعرية جمالية ويحب ذلك. والمهم بالنسبة لي هو الفكرة ومن خلفها الصورة. في ألمانيا بالقرن الثامن عشر والتاسع عشر، كانت توجد فرقة مسيحية بروتستانتية تعتبر الشعر بمستوى النبوة، لأن الشاعر يمتلك الرؤية والآفاق المفتوحة والهدف التعليمي، ولكن نبوءة أرضية لأنها بطبيعتها الأدبية إنسانية وليست إلهية. وإذا امتلكت الفكرة ربما ألجأ إلى السريالية، لكن ما هي الفكرة وما معناها؟
- لماذا هذا التأثير الإسلامي في كتابك "تقاسيم شاذة على مزاهر عبد القادر الجيلاني"؟
في كتابي "تقاسيم شاذة على مزاهر عبد القادر الجيلاني" ظهر التأثير الجوهري الناتج عن قراءات مختزنة من تأثيرات الثقافة القرآنية. وهذا لا يعني الانتماء للإسلام أو المسيحية أو غيره، إنما هو الصدق، والصور المحسوسة فيه هي من تكويني. أكتب باللغتين الألمانية والعربية، وهذا مفيد لي من ناحيتين: أولًا من أجل شعري، وثانيًا من أجل طلابي ومعرفة الترجمة الأدبية وأهميتها. والنقطة الأساسية التي أعتمد عليها في الترجمة ليست النص، وإنما للقارئ باللغة الأخرى، كترجمتي لكتاب الشاعر نعيم تلحوق. ومن الممكن أثناء الترجمة خلق النص الأجمل من المترجم.
- كيف وُلدت دواوينك؟
الديوان الأول كان في فترة دخولي المراهقة. والديوان الثاني بعنوان "في انتظار موردخاي" هو كتيب صغير، والمرحلة هدوئية بالنسبة لي. دائمًا أهتم بالإنسان وكيفية تفكيره، وهذا يحفزني لاكتشاف. لأنني دائمًا أتساءل بيني وبين نفسي: ما هي طبيعة الإنسان؟ وبماذا يفكر؟ وهل الله الخالق الكون من اللابداية إلى اللانهاية أوجد فيه الإنسان فقط؟
- هل تشعر أننا في سباق مع الزمن؟
نحن خارج الزمن، لأننا نعتبر أن الزمن يبدأ حيث ينتهي، وينتهي حيث يبدأ. بالتحليل الاجتماعي، الشعر الموجود في الغرب مختلف تمامًا عن طبيعة ما نكتب، لأننا نبوح بالعواطف والانفعالات والمآسي. وهذا مفهومي الخاص لأنني أكتب نفسي. الشعر هو صورة اجتماعية، وأعتبر أنني جزء من منظومة كبرى. وأعاني حاليًا من أزمة وجدانية، وما يحدث في العالم العربي جعلني أتساءل: هل هو وحش ينتفض لنحاسب بعضنا البعض؟ وبصراحة، نحن نفتقد لمقومات الحياة بينما العلم يتخذ منحى كبير. لأننا لا نتفكر ولا نستخدم العقل بما يكفي، ومجتمعنا يختلف تمامًا. لأننا وصلنا إلى مرحلة خارج الزمن، لا نحن في تقدم ولا في تطور. جامعاتنا تقليدية والعلم عاطفي.
- من هي المرأة عند سرجون كرم؟
قصيدتي هي امرأة غير محدودة لا نهاية لها. ولا أكتب لامرأة مباشرة، بل أجمعها في خيالي من مجموعة صفات مثالية أو روحانية، وحتى الجسدية أحيانًا، وأربطها بالأرض. في ديواني الذي سيصدر السنة القادمة، أخاطب المرأة مباشرة وأقول لها: "ليت السماء معي مثلك، كلما فتحت فمها خرج منه الكلام." أخاطبها بطبيعتها ودون إهانة. قصيدتي مبنية على نص مفتوح، والشعر كيان كالإنسان، وبمرحلة ما هو موجه أو قائد أو معلم.
- سرجون لمن يقرأ؟ ولمن يقول: "أنت شاعر"؟
أطروحتي للدكتوراه عن "الرمز المسيحي في الشعر العربي الحديث." وفترة طويلة مضت لم أقرأ فيها الشعر الحديث الحالي. شخصيًا، أعتبر أن من يستحق جائزة نوبل من جميع الشعراء في الوطن العربي هو محمود درويش. النص الذي كتبه محمود درويش أصبح قضية فلسطينية مؤرخة، وهو الأحق بجائزة نوبل.
- ما رأيك بالقصيدة الإيروتيكية؟
أنا رجل أؤمن أنني عندما أكتب قصيدتي أكتبها كراهب، أي بالمستوى الروحاني والتأملي والعمق الفكري الذي أحبذه. لأنني ولدت في أجواء عائلة محافظة، وربما تأثرت بهذا العمق الروحي. ولا أحبذ القصيدة الإيروتيكية، لأنها لن تضيف لي أي جديد. وإن قرأتها، لا أشعر أنها قصيدة. وظيفة الشعر رفع القارئ إلى مستوى عالٍ من الرقي الروحي والنفسي، لأن الإنسان هو المجتمع بأكمله.
من خلال الحوار مع الشاعر د.سرجون كرم نكتشف أن أسلوب الكتابة والتجديد يظهر كتجسيد واضح للتجديد والحداثة في الشعر.إذ يتبنى سرجون أسلوبًا يتميز بالرمزية والصوفية، مما يتيح له استكشاف أعماق النفس الإنسانية والتجربة الروحية بشكل متجدد. استخدامه للرمزية يعكس انفتاحه على تجارب متعددة من التراث الأدبي والديني، وهو ما يعزز التجديد في أسلوبه الشعري. كما يتجلى في شعر د. سرجون كرم تأثره العميق بالصوفية، حيث يعكس اهتمامه بالتجارب الروحية والبحث عن المعاني الكونية العميقة. هذا التأثير الصوفي يضفي على شعره بعدًا فلسفيًا متجددًا، ويعزز من قيمة الرمزية التي يستخدمها للتعبير عن الأفكار الروحية والفلسفية المعقدة.
السريالية والتخييل: يظهر في الحوار نقد للسريالية في الشعر العربي، حيث يفضل التركيز على الفكرة والمحتوى بدلاً من التخييل الغريب والصور السريالية. هذا الرأي يعكس اعتقاده بأن الشعر يجب أن يكون ذا هدف واضح ومعنى عميق، بعيدًا عن الصور المبتذلة التي قد تشتت القارئ.
يعكس الحوار مع الشاعر تأملات عميقة في مسألة الهوية والتطور الذاتي. فالنص يشير إلى تجاربه الشخصية مع القراءة والدراسة، وكيف ساهمت في تشكيل رؤيته الشعرية. من الواضح أن تجربة الشاعر في ألمانيا وتأثيرها عليه تعكس سعيه المستمر للبحث عن الذات وتطويرها، مما يعزز من عمق تجربته الشعرية. كما يبرز من الحوار تأثير الأزمات الوجدانية على شعريته. الشاعر يعبر عن قلقه تجاه الوضع العربي وتأثيره على إنتاجه الشعري. هذه الأزمات تعكس صراعات داخلية تتعلق بالهوية والوجود، مما يضيف بعدًا نفسيًا عميقًا لشعره، ويجعل تجربته الشعرية أكثر تأثرًا وتأملًا في حالة العالم.
أما قوة اللغة والتعبير: لغة د. سرجون كرم تتسم بالقوة والعمق، حيث يبرع في استخدام الرمزية والتصوير البلاغي لنقل تجاربه وأفكاره. كما أن الأسلوب البلاغي في شعره يعكس تمسكه بالبلاغة الشعرية والتقنيات الأدبية التي تعزز من قوة النصوص وتجعلها أكثر تأثيرًا. فالشاعر يدمج بين الثقافة الشرقية والغربية، مما يضفي على شعره طابعًا عالميًا. هذا الانفتاح على الثقافات المختلفة يعزز من قدرة شعره على التفاعل مع جمهور واسع ويزيد من عمق فهمه للأفكار والتجارب الإنسانية.
يُظهر الحوار مع الشاعر د. سرجون كرم توازنًا ملحوظًا بين التقاليد الشعرية والتجديد. من خلال استخدامه للرمزية والصوفية، يعبر عن تجارب عميقة تعكس البحث عن الهوية والتطور الذاتي. النقد الذي يوجهه للسريالية وتأكيده على الفكرة والمحتوى يعكس اهتمامه بجعل الشعر أداة للتفكير والتأمل. البلاغة التي يتميز بها شعره تعزز من قوة تعبيره وتجعل نصوصه مؤثرة وقادرة على التواصل مع القارئ بعمق.
تم نشر الحوار مع الشاعر والدكتور سرجون كرم في جريدة المدى العراق ومن ثم في جريدة اللواء في الشهر الثالث من عام 2016
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol