نُسخ بشرية
قراءة في رواية "سلطان وبغايا" للروائية هدى عيد
ضحى عبدالرؤوف المل
يفتن القارئ برواية "سلطان وبغايا" الصادرة عن "دار الفارابي" بالسرد الحركي الذي يحقق الرؤية الخاصة التي يستلهمها القارئ بفن مزدوج يجمع بين الواقعية والخيال. كأنها تمزج الهواجس بطموحات نسائية تنفرد بالحكم فيها على رجل يعاني من مرض نفسي شرس، وهو النبع الرئيسي الذي تشرب منه النساء في روايتها. فالصراع الأزلي بين الرجل والمرأة وليد مفاهيم مرضية تستقر في أعماقنا لا شعوريًا، ليترجمها السلوك بشتى الصور والمراحل، مما يجعل من "سلطان بك زعتر" الرمز الذكوري الطاغي على مسيرة الرواية وملامحها السردية ذات الغواية الحكائية وبصمتها التي تحتضن حكاية رجل "مهووس بالتاريخ لدرجة أنه نسي واقعه، ونسي أن له زوجة جميلة". فهل خيانة المرأة لها مبرراتها؟ وهل يبرر ذلك النقطة السردية التي انطلقت بها مع "سلطان بك زعتر" لتطرح عدة إشكاليات في مجتمع يعاني من الفساد أو من فلسفة غريبة وربما مرضية في رؤاها؟
وعي روائي في ابتكار الشخصيات ومسارها السردي، وتناول التجارب الإنسانية بتفكيك عناصرها الواقعية لتكون ضمن متخيل القارئ، فيسهل التوغل مع "هدى عيد" روائيًا بل والدخول في عمق لجتها الروائية، خاصة ضمن حكاية ربما مر الكثير مثلها في الحياة، خصوصًا مع مجريات الواقع نفسه الذي يحدث مع النساء في كل زمان ومكان، كتعرضهن للإجهاض، وممارسة الدعارة، أو إجبارهن على الزواج، أو حتى حوادثهن الصغيرة كخادمات وغير ذلك. فهل تأثرت "هدى عيد" بالتحليل النفسي لشخصياتها أم أنها تضع الرجل تحت مبضع قلمها الروائي بنكهة نسوية كاملة، وبطبيعة المرأة وتعدد لسانها في رواية سلطت الضوء فيها على الحاضر الغائب "سلطان بك زعتر" بتقاطعات وتداخلات منحت القارئ متعة السرد، ولكن لم تمنحه التفكر في إشكالية الفكرة والعبث بالواقع الروائي المتنامي، كبانوراما تحتوي عدة قضايا في قضية واحدة؟ فهل نجحت "هدى عيد" في إضافة فلسفة ما على القارئ من رواية اهتمت بالسرد وإشكالية الموضوع وتركت العمق الفكري كحالة يصعب اكتشافها في الرواية لتلفت الأنظار نحو المرأة وتجعل منها المنتهكة الحقوق، وبتناقض بين السبب والمسبب، أي المرأة نفسها؟
"سلطان بك زعتر" شخصية محيرة ومجهولة نتعرف عليها تدريجيًا أثناء البحث عنها على ألسنة متعددة في وصفها وسردها وحتى حكمها عليه. فمن خلال هذه الشخصية المحنكة والمبنية على سلبيات تصرف الأم أساسًا، التي لم ينتبه زوجها المهووس بالتاريخ لجمالها، فهربت مع رجل آخر لتترك ابنها الصغير بجرح يصعب الشفاء منه، فتبدأ دلالة التحول من شخص إلى آخر مع حدث استطاع تغيير مجرى أسرة بكاملها وأيضًا مجرى حياة الآخرين. وهو المفعم بالحب والكره للنساء تاركًا مع كل ضحية منهن بصمة تجتر العديد من سلوكياتهن، فقد يتعاطف القارئ معهن وقد يغضب، وبهذا سيطرت "هدى عيد" على انفعالات القارئ من خلال شخصية واحدة مرت في حياة الآخرين. فالخطوط العريضة ترتبط بالخط الرئيسي للرواية ببساطة شديدة، وبحس روائي ذي طبيعة بشرية سمعنا عنها الكثير في الحياة وربما تتجدد في كل زمان ومكان. فهل توازنت الشخصيات في رواية "سلطان وبغايا"؟
فشل الأب صناعة الابن أم العكس صحيح؟ وهل التجارب التي يمر بها الأهل تنعكس على الأبناء؟ وإلى أي مدى تبلغ عودة الإنسان إلى طفولته في العديد من سلوكياته وتفكيره؟ وهل نحمل الانتقام في أنفسنا ونحن في مرحلة الطفولة ليترجم البلوغ الواقع الدرامي الذي نصبح عليه؟ تساؤلات يطرحها القارئ وهو يستمتع مع زوربا اليوناني في رقصة تعبيرية عن ألم في عنفوان جسد يستعرض قوته الداخلية على الخارج الظاهر في موقف روائي مشبع بالتخيلات وبرغبة حسية في إظهار رجولة تتألم من غدر النساء وخيانتهن قبل ظلم الرجل واستبداده. وقد اختزلت الكثير من التحليلات النفسية في الرواية بهذا المشهد التصويري الذي يروي الكثير عن المحرك الأساسي لهذا السلطان وجبروته.
عنوان مزج فيه القديم بالجديد تاركًا لرمزية الاسم ذكوريته القوية، وللبغايا دلالات كثيرة وبرؤية محددة انطلقت منها للتعبير عن مآسي فئات المجتمع، وجدلية أفراد المجتمع في تجسيد صورة البغايا وبث غرائبية الأفعال في التركيب النفسي الذي يطغى على الحكم الذاتي النابع من قوة المال والبطش به، والاستحواذ على تنفيذ الأحكام ببربرية ووحشية. "فكر معي كم نحتاج من مئات والوف مؤلفة من السنوات حتى نعيد تأهيل أجيال فاسدة برمتها، الأسهل إفناؤهم واستبدالهم بسواهم، نسخ بشرية أكثر نظافة." فإبراز نزعة التسلط حتى عبر حوارات بسيطة هي جزء من انعكاس لما تضمره الشخصية في داخلها من تسلط وقوة ونظرة إلى المجتمع لا تخلو من عنف حقق معظمه على النساء اللواتي ارتبط بهن. فهل يمكن تسمية رواية "سلطان وبغايا" بالعمل الروائي النسوي رغم اعتراضي على التسمية؟
برؤية أخرى تحديثية رواية "سلطان وبغايا" للروائية هدى عيد، الصادرة عن "دار الفارابي"، تطرح قراءة عميقة ومثيرة للجدل لقضايا اجتماعية ونفسية معقدة. من خلال شخصياتها وأحداثها، تسعى هدى عيد إلى تسليط الضوء على التوترات الاجتماعية والنفسية التي تميز العلاقات بين الجنسين، مع التركيز على التصور الاجتماعي للمرأة والأثر العميق الذي تتركه التحديات النفسية على سلوك الفرد ومجتمعه.
الرواية تتميز ببنية سردية ديناميكية، حيث تتداخل الأحداث وتتشابك الشخصيات في سياق درامي متقن. شخصية "سلطان بك زعتر" تجسد رمزًا مركبًا للرجل الذي يظل مهووسًا بالتاريخ إلى حد يجعله يتجاهل واقعه وأسرته، مما يساهم في تكوينه لشخصية متناقضة ومعقدة. هذا الرجل الذي يظهر في الرواية كرمز للسلطة الذكورية، يتميز بوجود انقسام داخلي حاد بين القوة والضعف، والحب والكره، مما يعزز من الإطار النفسي المثير للتفكير.في المقابل، تأتي شخصية المرأة في الرواية لتكون محورًا مركزيًا في البناء الروائي، حيث تتعدد أوجهها بين الضحية والمتمردة، مما يعكس مدى تعقيد وضعها الاجتماعي والنفسي. الروائية تستعرض الصراع الأزلي بين الرجل والمرأة ليس من خلال صدامات ظاهرية فحسب، بل من خلال إظهار كيف تتداخل مشاعر الإحباط والخيانة والانتقام في النسيج الاجتماعي.
تكشف الرواية عن قضايا الفساد والتسلط والظلم الذي تعاني منه النساء. تعكس الرواية واقعًا اجتماعيًا مليئًا بالتناقضات، حيث تبرز قضايا مثل الإجهاض، الدعارة، والزواج القسري كمواضيع رئيسية. هدى عيد تتناول هذه المواضيع ليس من خلال تصوير مباشر، ولكن من خلال تجسيدها في صراعات نفسية وسردية معقدة، مما يجعل القارئ يتفاعل مع الأحداث على مستوى أعمق.
فالرواية تعكس محاولة لفهم وتحليل الأبعاد النفسية والسلوكية للأفراد. من خلال شخصية "سلطان بك زعتر" والعلاقات التي يبنيها مع النساء، تقدم الرواية رؤية نقدية لمفهوم القوة والضعف، وتطرح تساؤلات حول تأثير الصراعات النفسية على الديناميات الاجتماعية. هناك استكشاف لمدى تأثير الطفولة وتجارب الأهل على سلوكيات الأفراد، مما يضفي عمقًا إضافيًا على الرسالة التي تسعى الرواية لنقلها.
تُظهر الرواية مهارة هدى عيد في استخدام لغة سردية تنقل القارئ إلى عوالم داخلية معقدة. الأسلوب الروائي يتسم بالقدرة على تصوير التوترات النفسية والاجتماعية بشكل واقعي ومؤثر. اللغة التي تعتمدها الرواية تجمع بين الوصف الدقيق والتحليل العميق، مما يساهم في خلق تجربة قراءة ممتعة وغنية.
التقاطعات بين الشخصيات والمواضيع تخلق نسيجًا سرديًا متشابكًا يعكس الصراع الداخلي والخارجي، ويعزز من قوة الرواية في التعبير عن قضايا اجتماعية ونفسية عميقة. الرواية تسلط الضوء على تناقضات الحياة الإنسانية وتستعرض الأبعاد المختلفة للأزمات الشخصية والاجتماعية، مما يجعلها عملاً أدبيًا يثير التفكير والتأمل.
رواية "سلطان وبغايا" هي عمل أدبي يمزج بين السرد الاجتماعي والنفسي بطرق مثيرة وجذابة. هدى عيد تقدم من خلال روايتها نافذة فريدة على تعقيدات العلاقات بين الجنسين والتحديات النفسية التي يواجهها الأفراد في سياقات اجتماعية معقدة. الأسلوب الروائي العميق واللغة المبتكرة تعزز من تجربة القراءة وتدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم القوة والضعف، الحب والخيانة، والعدالة الاجتماعية.
في النهاية، "سلطان وبغايا" ليست مجرد رواية تسرد أحداثًا، بل هي دعوة للتفكر في القضايا الاجتماعية والنفسية التي تؤثر على الأفراد والمجتمع. ومن خلال هذا العمل، تساهم هدى عيد في إثراء الأدب العربي بمواضيع متجددة وتقديم رؤى جديدة للمشاكل الاجتماعية التي تواجهها النساء، مما يجعلها إضافة قيمة للمكتبة الأدبية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol