المحن سفن النجاة

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في المجموعة القصصية "محاكمة غاية" للمؤلف "حجاج نصار"

بدأ القاص "حجاج نصار" مجموعته القصصية "محاكمة غاية" بالقدوة وسطوتها في نفس شاعر الجيل الذي يحلم بالصعود إلى سلم المجد من باب الشعر وطقوسه الكتابية التي تميل إلى الحلم الرفيع في وصف لمن استعد للسفر إلى البعيد، لتنحصر النهاية الإيحائية في قصيدة شاعر مبتدئ لم تكتب ولكنها راسخة في قدوة وحلم. والعلاقة بين القدوة وتحقيق الحلم ضمن محاكاة القص المتأثرة بالصورة الخالصة من الإسفاف في هذه القصة، وباختزالات حققت علاقة الإنسان بحلمه وسبل تحقيقه بتوليف مرتبط بإمكانية الطابع الوظيفي للقصة التي نسجها من الذاكرة، مستخرجًا الحلم من قمقم المخبوء إلى السرد البسيط والعفوي، وبدلالات متحركة فقدت سكونها. وهي ذات تحولات مفصلية إن جاز التعبير من حيث مساعدة كل مبتدئ في عالم الفن والإبداع لتكون رسالات الشعر متواصلة من جيل إلى جيل، وبشغف القدوة التي يضعها الشاعر أمامه ليرتفع نحو سلم المجد الشعري وطقوسه الساحرة.

عناوين لقصص زاخرة بالأسقاطات الاجتماعية الزاخرة بالشذوذ والسريالية، وبسلوكيات إيحائية مركبة، تركيبا يثير اشمئزاز القارئ. من حيث الصور الإيروتيكية التي تخلو من عمق نفسي أو فلسفي أو حتى إرشادي، فالقصة تهدف إلى تقديم معالجات ذات بينة فكرية تضيف إلى القارئ معرفة في تباين الحدث، واكتشاف المغزى القصصي المساعد في تدعيم المعالجات المستوحاة من القصص، بنمو افتقده القاص "حجاج نصار". إذ تتسارع حركة الشخوص بوتيرة غير منتظمة، مما يترك القارئ أمام سريالية تعكس هلوسات مازوشية تتحدث عن الانحرافات وغيرها. فهل يحاول "حجاج نصار" العبث باللاوعي واللامعقول، ليسخر من الواقع الإنساني الذي يضع الحدود لكل ما يتسبب بخلل اجتماعي أو سياسي أو أدبي؟ وهل هذا ما نبحث عنه في فن القصة؟

إشارات ورموز ودلالات غارقة بالصمت والرحيل نحو البعيد مع الحفاظ على مستوى الحوار الذاتي السريع، وبوصف نفسي غارق بلحظات كئيبة أو معاناة أليمة. لكنه انفرد بالحدس والأحكام على أبطال قصصه، ولم يترك للقارئ فرصة مشاركته بالرؤية والاحتواء أو حتى التعاطف، فالانفعالات باردة رغم سريالية الكثير منها. وهيكل القصة اعتمد على الاختصار وصراعات النفس لاستقطاب الصورة من غموض لم يروضه في ولادة التخيلات القادرة على بث القصة روح المجتمعات الجامحة في الأخطاء، وحتى تلك المناضلة في تصرفاتها العبثية نحو الإنسان بعنفه وتسلطه وقوته وجبروته، وبكافة الأشكال التي يستخرج منها عنفه المكبوت في داخله، غير القادر على الشفاء ضمن لا نهائية الفعل أو تركه منقوصًا، يترصد إكمال ما هو مخفي في ثنايا قصصه المبتورة الأطراف، تاركًا للاغتراب ولعناوين مضمونية أخرى ظهورًا يشكل الأزمة الحقيقية في القصة وهواجسها المختلفة الأيديولوجيات في نظرتها للحياة، وحكمها على مواضيع شتى والمنسوجة من أزمنة ليست حديثة، ربما هي تلك المكتوبة على جدران السجون والكهوف وجدران العشوائيات في شوارع تكثر فيها الجريمة.

صوت لا أصوات وجرح لا جراح ونهايات هي دماء الحياة بعقدها النازفة وغرائبها الصارخة عن ناتج حسابي يتركه ضمن معالجة الواقع الجاف أو المتيبس من العطش، أي العطش الإنساني الذي يقود إلى صدف واهية ربما! ليست وليدة الفجأة إنما من توقف فجائي في مداد القصة، وبمبالغة سريالية في غرائبيتها مثل "مزامير المؤخرة". فمن الناحية الفنية، لم يبذل الجهد القصصي الذي يجعل من القصة قطعة من الحياة، إنما تركها في هذيان تجمدت فيه العناصر دون اكتفاء تخيلي أو تصويري. إلا أنه نادى بمقولات تشعبت وكثرت فيها الأجزاء المفقودة من التاريخ، وغالبًا زمنية القصة ومكانها مسبوكة بالدم الأسود كما قال في قصته "برديات الحرية".

في فكرة كل قصة جوهر حكاية تحتاج لفن قصصي مغاير. فالحداثة في قصصه لم تبرر الذوبان الاجتماعي الذي انصهر بتلاشي بين الأحداث القصيرة، وبتواري مع المعلومات التي قدمها كإحصاء استنكاري ذي اضطراب مغموس بالدهشة والأخطار، والأوجاع وحتى السادية التي تنهار أمام انطلاقات المفردات المحكومة بالبؤس الإنساني، ووجودية قاسية في مبناها ومعناها وألفاظها المحشوة التي انتزع منها مفردات كثرت في العديد من القصص، كالاغتصاب والسفاح، مكسور العين، فتتالت ركلات، حجارة قلبك، وحملت منك سفاحًا، العنتيل، رصاصتي الأولى، وغيرها.

برؤية أخرى تعد المجموعة القصصية "محاكمة غاية" للمؤلف حجاج نصار تجربة أدبية فريدة تحمل في طياتها رؤى اجتماعية وسردية معقدة. تهدف هذه المجموعة إلى تقديم مقاربة نقدية لمفاهيم متعددة تتعلق بالإنسان، المجتمع، والواقع من خلال أسلوب سردي يتسم بالسريالية والإيحاءات العميقة. وسنسعى في هذه القراءة إلى تحليل هذه المجموعة من منظور اجتماعي وسردي مع التركيز على الأهداف القصصية التي سعى المؤلف لتحقيقها.

تجسد مجموعة "محاكمة غاية" نقدًا اجتماعيًا حادًا موجهًا نحو العديد من القضايا الاجتماعية المعقدة. يحاول حجاج نصار من خلال أعماله تسليط الضوء على التناقضات والفجوات في المجتمع المعاصر. يستعرض نصار عبر قصصه المليئة بالشذوذ والسريالية تجارب إنسانية متنوعة، غالبًا ما تكون مغمورة بأعماق نفسية مظلمة وصراعات داخلية. يتناول موضوعات مثل العنف، الانحرافات الأخلاقية، والاضطرابات النفسية في إطار سردي مكثف يعكس حالة من الفوضى والانهيار الاجتماعي.

يظهر القاص تقديرًا عميقًا للطابع المظلم للواقع الذي يعيشه الأفراد في المجتمعات المعاصرة. باستخدام أسلوب سريالي، يعرض نصار كيف يمكن للعزلة والاغتراب أن يؤثرا بشكل جذري على الأفراد، مما يعكس التحديات التي تواجهها الشخصيات في محاولاتها لفهم الذات والوجود.

تتسم أساليب حجاج نصار السردية بالابتكار والتجريب. تعمد نصوصه إلى استخدام تقنيات سردية غير تقليدية، تجمع بين الواقع والخيال بطرق تعزز من عمق التجربة الإنسانية المعروضة. من خلال استخدام أسلوب سريالي وإيحاءات معقدة، يتحدى نصار القارئ للتفكير بطرق جديدة حول الطبيعة البشرية. تنعكس هذه التقنية بشكل خاص في القصص التي تتناول قضايا مثل الفجوة بين الطموحات الفردية والواقع الملموس، حيث يتجسد التناقض بين الحلم والحقيقة في سرد سردي مليء بالتشابك والرموز.

يسعى حجاج نصار من خلال "محاكمة غاية" إلى تحقيق عدة أهداف قصصية تتجاوز مجرد تقديم قصص تقليدية. أولاً، يهدف إلى فتح نافذة على أعماق النفس البشرية وكشف التوترات الداخلية التي تعاني منها الشخصيات. ثانياً، يسعى إلى إثارة التساؤلات حول الأخلاقيات والقيم الاجتماعية، مستعرضًا التحديات التي يواجهها الأفراد في محاولة التوفيق بين طموحاتهم والواقع الذي يعيشون فيه.

كما يتضح من النصوص، يسعى نصار أيضًا إلى استكشاف كيف يؤثر الواقع الاجتماعي والسياسي على الأفراد، وكيف يمكن للتجارب الشخصية أن تكون بمثابة مرآة للمجتمع الأوسع. من خلال تسليط الضوء على الانحرافات والسلوكيات المزعجة، يهدف إلى إثارة نقاشات حول حدود القيم الاجتماعية، والبحث في الأسباب العميقة التي تقف وراء هذه السلوكيات.

، يمكن القول إن حجاج نصار يبرز كباحث اجتماعي وفني، حيث تتسم رواياته بالقدرة على نقل المشاعر والآلام التي يعيشها الأفراد في سياق اجتماعي معقد. ولكن من منظور انطباعي، قد يختلف القارئ حول كيفية تلقي هذا الأسلوب السردي. بعض القراء قد يجدون أن الأسلوب السريالي والمعالجة المبالغ فيها لبعض المواضيع يمكن أن تعيق فهمهم للقضايا المطروحة، بينما يرى آخرون أن هذه الأساليب تعزز من عمق التجربة الإنسانية وتوفر رؤية غير تقليدية حول مشاكل اجتماعية معقدة.

تظل "محاكمة غاية" لمجموعة حجاج نصار عملًا أدبيًا متنوعًا يحمل في طياته أبعادًا متعددة تتجاوز مجرد السرد القصصي التقليدي. عبر الأسلوب السردي المبتكر والرموز الاجتماعية العميقة، يقدم نصار رؤية نقدية حول الواقع البشري، يسعى من خلالها إلى فتح أبواب الحوار حول التحديات الاجتماعية والنفسية. يظل تأثير هذه المجموعة على القارئ موضوعًا مفتوحًا للتفسير والتأمل، حيث تجمع بين الموضوعية والانطباعية في تقديم صورة معقدة وعميقة لحالة الإنسان المعاصر.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol

تم نشره في المدى في الشهر الرابع من عام 2016 وأعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية تحديثية عام 2022