النحت اللامحدود حدسياً في رؤيته للأشياء

ضحى عبدالرؤوف المل

النقاشات حول الفن السويسري للفنان "نوت ڤايتال" (Not Vital) تبرز جوانب متعددة من رؤيته الفنية وأعماله المميزة. يشير الفنان "نوت ڤايتال" إلى الدلالات الذهنية وقوتها في منحوتاته التجريدية والرمزية المرتبطة بمفهوم الفن المعاصر، أو بمعنى النحت اللامحدود حدسياً في رؤيته للأشياء وتخيلاتها المجازية. يأتي هذا ضمن معادلات النحت ومقاييسه، حيث تتطابق الأشياء مع الفكرة وتُترجم في المادة بمختلف تكويناتها التي تحتفظ برموز الحداثة، من خلال الحجم والكتلة والغموض المغطى بأغوار الخطوط النحتية ومحتواها المتسع تكنولوجياً، مع مدلولات اتقن استخراجها بصرياً. يعتمد "نوت ڤايتال" على مقومات الكتلة وجاذبيتها لتحقيق الأبعاد المثيرة للحس الجمالي لدى المتلقي.

تتضمن منحوتاته إشارات حديثة وكثيرة، منها ما هو تجريدي ومنها ما هو رمزي. إلا أن للواقع فيها تخيلاته الخاصة من حيث التنفيذ وتطويع المادة في خدمة الفكرة، لتكون كمنجز حضاري يحاكي الأزمنة والأمكنة معاً، بتأثيرات حسية وظيفية في تعبيراتها الصياغية. وكأنه يمارس شعائر النحت من خلال طبيعة المادة التي يستخدمها وقدرتها على تنفيذ الفكرة لارتباطها بعوالمه المادية، ومعاني النحت التشكيلي القادرة على خلق الأحجام المثيرة لعدة تساؤلات تلقائية عن عناصر الكتلة الخارجية وفراغاتها المحبوكة، أي المغلقة منها. وهو يراعي من خلالها مستويات ترافق عملية النحت الإبداعي المعاصر ومجازية النقاط الأساسية التي ينطلق منها، والتي تفيض بالتآلف والتوافق والتناقض النسبي أو المدروس فنياً.

فهل منحوتات "نوت ڤايتال" معقدة في باطنها أم هي وليدة المادة التي يتحسسها بين يديه قبل تشكيلها؟ إن إيقاعات حركية لتموجات ساكنة تتأرجح بنزعتها الجمالية بين المحدود واللامحدود، لاصطناع دهشة تتجاوز إيحاءاتها جوهر المنحوتة الثابت والمتحرك، كغاية فنية غنية بمناخات التجريد والتصور الحسي للزمن من خلال المادة، لإيقاظ الحواس بجوهر نحت في الكثير من الدلالات العصرية الغيبية المجردة من الواقع المحسوس. تكون هذه الأعمال بمثابة التحدي الرمزي للأشياء وتسخيرها لتصورات تخيلية لم تخرج عن المألوف، إنما تمردت عليه. ليساهم في استفزاز العقل ليرتقي مع الحس الإبداعي نحو لا نهائية الرؤية النحتية التي يسعى إليها "نوت ڤايتال" عبر معايير تغدو كمفاتيح نحتية ثابتة يعتمد عليها في أعماله الفنية. فما الذي يربط بين المنحوتة ورؤيتها الرمزية أو التجريدية؟

برؤية أخرى في عالم الفن المعاصر، يبرز الفنان السويسري "نوت ڤايتال" كواحد من الأصوات الفريدة التي تحدت التقاليد وأسست لغة نحتية جديدة تجمع بين التجريد والرمزية بمهارة فائقة. تميزت أعماله بإقحام الأسئلة الكبيرة حول طبيعة الفن ودور المادة والتجريد في خلق تجارب حسية غنية، مما يجعلها موضوعاً مثيراً للتحليل والتمحيص.

في قلب أعمال "نوت ڤايتال"، يتجلى السعي لفهم العلاقة بين المادة والفكرة، بين التجريد والرمزية. تُظهِر منحوتاته قدرة مذهلة على تحويل المواد الخام إلى تجارب بصرية وتفكيرية، تتجاوز حدود الشكل المادي لتصل إلى مستويات أعمق من الإدراك الحسي والفكري. تميزت منحوتاته بقدرتها على إثارة تساؤلات فلسفية حول الواقع والخيال، والتوازن بين التقييد والإبداع.

إحدى السمات البارزة في أعماله هي التفاعل بين الشكل والفراغ، حيث ينجح في تحويل الأشكال الجامدة إلى كيانات ديناميكية تتحدى التوقعات البصرية وتثير التأمل. من خلال استخدام المواد بطرق غير تقليدية، يخلق "نوت ڤايتال" منحوتات تأخذ الحياة في سياقات مختلفة، مما يعكس رؤيته لعملية النحت كوسيلة لاستكشاف الإمكانيات المتعددة للمادة.

سعى "نوت ڤايتال" إلى تحقيق هدف نحتي يدمج بين التجريد والرمزية بطرق تعكس تأثيرات التجربة الإنسانية. تُعَد منحوتاته مساحة للتأمل في العلاقة بين الجمال والحقيقة، حيث يتداخل الشكل مع المحتوى ليخلق تجربة حسية وذهنية متكاملة. هذا السعي يعكس انفتاحه على تجارب متعددة، حيث لا تقتصر أعماله على تقديم مشهد جمالي فحسب، بل تدعو أيضاً للتفكير في المعاني الأعمق المرتبطة بالوجود والمادة.

التحدي الرئيسي الذي يطرحه "نوت ڤايتال" هو إدراك كيف يمكن للفن النحتي أن يعكس التوتر بين الحداثة والتقاليد، بين المادي والروحي. منحوتاته ليست مجرد قطع فنية، بل هي تجارب حية تسعى للتفاعل مع المتلقي بطرق غير تقليدية، مما يجعلها أداة قوية لاستكشاف تجارب الإنسان المعاصر وتصوراته حول الفن والحياة.

إن رؤية "نوت ڤايتال" الفنية، في ضوء النقاشات حول أعماله، تثير إعجاباً عميقاً في قدرتها على دفع حدود الفهم الجمالي والفني. منحوتاته ليست فقط تجسيداً للإبداع والتجريد، بل هي أيضاً تجسيد لقوة الفن في استكشاف العوالم المادية والروحية. تتسم أعماله بقدرتها على تحدي التوقعات وتحفيز التفكير النقدي، مما يجعلها تجربة فنية مثيرة ومثيرة للتفكير.

من خلال تسليط الضوء على تفاعل المادة مع الفكرة، وعلى التوازن بين التجريد والرمزية، ينجح "نوت ڤايتال" في تقديم أعمال تحمل في طياتها الكثير من الدلالات الاجتماعية والفلسفية. إن كل منحوتة هي نافذة على رؤيته الخاصة للعالم، مما يجعلها تجارب فنية ذات قيمة كبيرة للمشاهدين الذين يسعون لفهم العلاقة بين الفن والحياة بطرق جديدة ومبتكرة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol