تصورات فنية خيالية تكاد تنفصل عن الواقع.

ضحى عبدالرؤوف المل

هل تذكرون فلسطين؟ سؤال يطرحه الفنان "أديب فتال" في معرضه المحتفظ بمفاتيح القدس والأقصى، وجدلية الأماكن التي تبرز من بين الزركشات اللونية، كأطروحات أثرية قوامها النغمة البصرية، والعناصر المتحركة لتشكيل لا يخلو من سمات تتشابه فيها المكونات الثانوية كأنفراجات الضوء بين الخطوط الدقيقة. إذ يتجاوز الفنان أديب فتال ("Adib Fattal") افتتانه بالزركشة، فيقود البصر نحو أماكن يعيد لها الحياة بجمالية يوزع ألوانها بسردية تضج بالحركة، عبر تصورات فنية خيالية تكاد تنفصل عن الواقع لشدة منمنماتها اللونية الحالمة بإنتاج ثيمات بصرية ذات عناصر فريدة في تطلعاتها التشكيلية العصامية، والتفاعلية في تناصها وتراكيبها ودلالاتها، كأنها قصيدة ذات حيوات لونية مغايرة في ثوابتها التشكيلية التي يتمرد عليها "أديب فتال"، مكرسًا لها ما يتناسب مع تفاصيلها المتناقضة والمتناغمة في آن. معتمدًا على مفاهيم حكايا الأماكن ذات الطابع الخرافي المرتبط بالخيال والواقع، وذلك بحشوها للكثير من القواسم المشتركة بين الأماكن الحقيقية ورمزيتها، وبين المتخيل والتدفق الحيوي لشرايين اللوحة النابضة بالحياة.

مستويات هندسية متعددة في تفاوتها ومقاييسها، وبنائها البصري ودقتها المنظمة تنظيمًا إيقاعيًّا يتميز بلغة فنية تتناسب مع الأشكال التي تستمد ديمومتها من الرموز الغارقة بالإيحاءات التي تفرض نفسها على المتلقي، وكأنه يستخرجها من حلمه بوجدانية فكرية ذات منطق جمالي يتنافر مع إشكالية الأماكن التي يعيد زركشتها، لتهيمن من جديد على الواقع الذي تم فصلها عنه، وكأنه يستنكر حتمية موت هذه الأماكن التي يعيد لها الحياة عبر الألوان والأشكال، والخطوط المزركشة، وبتوالد هندسي بسيط في تطلعاته. إلا أنه يبدو كعلامات استفهام لها أبعادها الزمانية والمكانية، لتتجلى الفكرة في لوحة لكنيسة أو لمسجد أو لفلسطين التي يريد أن يعيد ذكرى أماكنها بالألوان والخطوط، والصرخة الجمالية الباحثة عن الوطن الحقيقي في كل مكان ارتبط بريشة الفنان "أديب فتال". فهل في معرضه هذا صرخة ما؟

يختار "أديب فتال" الألوان بثنائية متناقضة ليجسد الزمن وإشكاليته في لوحة سردية مشغولة بموضوعية تشكيلية ذات طابع امتدادي، متسع الفضاءات والتخيلات، لتتصدر النغمة التكرارية جمالية الحركة في كل خط يمده بالألوان، ليخلق أشكاله وفق إيقاعات بصرية متزنة، فتجذب المتلقي من شدة إحساسه بلوحاته المحبوكة بتصويرات تخيلية لها لحظاتها السردية الخاصة المتفاوتة في تنوعاتها وارتكازها على جوانب بصرية عديدة تمثل الأماكن، كالقدس وفلسطين التي يعيد استرجاعها بصريًا، مما يعكس رغبته بالتخيلات القوية وواقع الانعكاسات الحسية على الأشياء التي يرسمها بحدس الفنان الملتزم بالحركة اللونية وقوتها في الانفعالات اللاواعية وانتاجية الشكل وجماليته.

برؤية أخرى الانطباع العام الذي يتركه الفنان "أديب فتال" هو مزيج من التأمل في عمق التراث الفلسطيني والتجريد البصري المتقدم. أعماله تحمل طابعًا خياليًّا يجعلها تبدو وكأنها نافذة إلى عالم موازٍ، حيث تتناغم الألوان والتفاصيل الدقيقة لتخلق تجربة بصرية مكثفة. الإيقاع البصري في لوحاته هو نقطة القوة الرئيسية، حيث يتجلى في كل عنصر من عناصر العمل، بدءًا من الألوان المتناقضة وصولاً إلى الخطوط المنمقة. إذ تركز أعمال "أديب فتال" على إحياء أماكن تاريخية مثل القدس وفلسطين من خلال الزركشة والرموز البصرية. استخدامه للألوان والإيقاع يهدف إلى إعادة تقديم هذه الأماكن بطريقة تجعلها متجددة وحيوية. تتسرب عناصر التاريخ والتراث عبر الأعمال الفنية، مما يعكس اهتمامًا كبيرًا بالبحث في الذاكرة الثقافية واستحضارها بصريًّا.

يعكس العمل الفني "لأديب فتال" رغبة عميقة في التعبير عن الصراع الداخلي والبحث عن الهوية. الألوان المتناقضة والخطوط الديناميكية يمكن أن تعكس حالة من التوتر والإحساس بالانفصال، كما تعبر عن رغبة الفنان في إعادة ربط الذات بالتراث الثقافي. التباين بين العناصر التقليدية والخيالية قد يعكس صراع الفنان بين الواقع والخيال، بين التاريخ والحاضر.

يعتمد "أديب فتال" على التكوينات الهندسية الدقيقة والتفاصيل المزخرفة لإنتاج أعمال ذات طابع تجريدي ولكن مع خلفية تاريخية واضحة. تقنيات الزركشة والتفاصيل الدقيقة تجعل العمل يبدو كقصيدة مرئية تتطلب التأمل العميق. إيقاع الخطوط والألوان في العمل يخلق ديناميكية بصرية تعزز التجربة البصرية وتعكس تفاعل الفنان مع تقنيات الرسم والخط.

تعكس الأعمال تناغمًا بين الألوان والضوء والظلال، مما يخلق تأثيرًا بصريًّا مميزًا. التلاعب بالألوان واستخدام الإيقاع في توزيع العناصر يضيف بعدًا جماليًّا معقدًا، حيث تصبح اللوحات بمثابة احتفال بصري يعكس الجماليات التراثية والخيالية في آن واحد. الدقة في التنفيذ والتوازن بين الأشكال والألوان يعزز من قيمة العمل الفني ويزيد من تأثيره الجمالي.

تقدم أعمال "أديب فتال" تعبيرًا مكثفًا عن عاطفة الفنان تجاه الأماكن التي يعيد تجسيدها. الإيقاع البصري والحركة في اللوحات تعكس مشاعر الحنين والغضب والإعجاب، حيث تُترجم الألوان والخطوط التعبيرية تجربة شخصية عميقة. يخلق الفنان من خلال تعبيراته الفنية لغة بصرية خاصة تعكس مشاعره وتصوراته حول التراث والذاكرة. كما يعتبر إيقاع الألوان والخطوط في أعمال "أديب فتال" عنصرًا حاسمًا في بناء العمل الفني. الإيقاع ليس مجرد تناغم بصري، بل هو عنصر ديناميكي ينظم الحركة البصرية داخل اللوحة ويحدد كيفية تفاعل المتلقي معها. التباين بين الألوان والأنماط يشكل إيقاعًا يعزز من تجربة المشاهدة ويشجع على التفاعل العاطفي والعقلي مع العمل. هذا الإيقاع البصري يتداخل مع التقاليد الفنية والرموز الثقافية لخلق تجربة متكاملة ومؤثرة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol