ثرثرة بصرية هادفة في مشاهد تخيلية

فيلم Fiddlesticks للمخرج Veit Helmer في مهرجان طرابلس للأفلام 2016

ضحى عبدالرؤوف المل

اعتمد المخرج فيت هيلمر على الصورة البصرية المتحركة بشكل كبير، واضعاً الفكرة في دائرة تتصف بالثرثرة البصرية المحببة إلى النفس، والتشويقية بتخيلاتها المشحونة بالرسائل الفكاهية ذات المغزى الاجتماعي، لاستخراج مكنون طفولي من الكبار قبل الصغار، لشيطنات الأطفال، والمسنين التي تطابقت في تطلعاتها الهادفة إلى الاكتشاف التخيلي وأهميته للفرد بروح فكاهية ناشطة حسياً، وقادرة على انتزاع الحلم من الخيال اللوني الذي يرتسم مع الضحكة بفن سينمائي ذي لغة مدروسة حركياً ولونياً وبصرياً وموسيقياً. لتكتمل أركان الفيلم الذي انطلق من نقطة واحدة نحو عدة نقاط بدينامكية الصورة وأهميتها في الفيلم المحاكي لعدة فئات عمرية من المجتمع، إضافة إلى الألوان وجاذبيتها والتتر الذكي والمضحك في آن، لأن الفيلم يحاكي البصر والسمع تاركاً للحوار فك بعض معالم الدهشة التي لا تفارق المشاهد مع ما يسمى "ثرثرة أطفال" Quatsch und die Nasenbärenbande. إلا أنها تعني في العمق ما يجب أن يعرفه الكبار عن الصغار. فهل نجح فيت هيلمر في إخراج فيلم بصري بامتياز؟

تصوير مفعم بالحيوية والتوازن الناتج عن الحفاظ على امتداد المساحة البصرية الآخاذة، وهدوئها المتناغم، والمنسجم مع جمال الطبيعة والموسيقى والألوان في الداخل والخارج، حتى عبر الرسومات في شارة البداية والنهاية التي تجسد رسومات الأطفال بأبعادها العفوية، المدروسة تحليلياً ضمن الحركة والسكون وإيصال الرسالة في فيلم مبهر على المستوى التقني والنفسي معاً، فهو لا يمكن تصنيفه للصغار فقط بل للكبار والمسنين. إذ يهدف إلى ردم الهوة بين الأجيال الثلاثة: الأب والابن والجد، والاتصال الشديد بين مرحلة الطفولة ومرحلة الشيخوخة، وما يحققه من اتصال أسري يجب العودة إليه، ليكون بمثابة الحفاظ على التواصل الأسري إضافة إلى الأحلام، وكيفية تحقيقها ضمن تخيلات منحها الفيلم للأطفال عبر ترجمة مشاعرهم وأحاسيسهم، ليخرج المشاهد من الفيلم دون اكتفاء بالمدة الطويلة للفيلم الذي لم يصبه بالضجر أو التأفف من شيطنات الأطفال بثت الضحكة والبسمة على وجوه الحضور.

الاستدلال بالمواد الاستهلاكية، منافعها وأضرارها وتسويقها المبني على مصداقية الإعلان عن المنتج المستهلك، وتشويه الحقيقة للمادة المستهلكة دون التأكد من نفعها أو ضررها، وحتى عدم مراعاة أذواق الأطفال في المنتجات الاستهلاكية اليومية، إضافة إلى مدى انسجام أطفال الحي والقدرة على خلق صداقة بناءة، فالحاجة إلى الآخر إنسانياً مهمة جداً في الحياة. إذ يبدو الحيوان الصغير في نهاية الفيلم بحاجة أيضاً لمن أخرجوه من القفص، فهل يحتاج كل منا إلى مساحات واسعة من التخيلات، لتكون بمثابة الأحلام الجميلة التي ترتسم بالمخيلة وتزول في لحظات نفسية نلجأ إليها؟

امتزجت الخلفيات الشخصية للمسنين مع الأطفال، وتناقضت مع الأهل أو الجيل في المرحلة النصفية الذي يفصل بين الطفل والجد، والوعي المطلق بتأصيل البيئة الاجتماعية، وما هي قادرة عليه. فتيمات المشاكسة والمقالب، والعيش في مرحلة تنفيذ الحلم هي لون من الألوان التي منحها المخرج والمؤلف الانفلات من الواقع نحو الحلم، للإمساك بالحقيقة وهواجسها الشبيهة بنظام الألوان أو بالأحرى ثرثرة ألوان برمزية تركها في شارات البداية، لتوحي بالمضمون منذ البداية، وسمات التتابع التصويري وسيكولوجيته في التأثر والتأثير بضخ درامي زاخر بالكوميديا، والعديد من المواقف التي تم تناولها من زوايا مختلفة، دون إهمال أي جانب من الجوانب التي تضافرت بها الإرشادات المستبطنة كوميدياً، وعلى مدار الفيلم بعقلانية ودراسة نفسية ارتبطت باللغة السينمائية التي قدمها المخرج فيت هيلمر بصرياً، ومن خلال الصورة وقدرتها على خلق لغة صامتة استثنائياً. فهل سيتم تحويله إلى سلسلة من أفلام كرتونية تضفي نوعاً من رسومات الأطفال الكرتونية المفيدة بكل نواحيها الفنية والنفسية؟

فيلم ناشط وحيوي تم تقديمه بأسلوب حدسي يستنبش بحركيته الطاقة الداخلية، ومنحها قوة التفاعل مع الصورة الذهنية وأهدافها الفنية والترفيهية بخصائصها الشكلية، فثمة صلة قوية بين عناصر الفيلم كلها من الموسيقى والأغاني إلى الرسومات والألوان والتمثيل، والتطابق بين الأعمار المختلفة... فالخواص الفيزيائية تنطوي على تآلف الصوت والصورة مع الكيانات الرمزية التي تجذبنا إلى داخل الفيلم بقوة، لنعيش الشخصية بالكامل تخيلياً، وكأن المشاهد هو جزء من التركيبة التخيلية في الفيلم، لنكون ذات صلة بالواقع الطفولي الذي سيكبر ويشيخ، ويعيد حكاية الحياة في كل مرة بشكل ثرثرة ألوان مفرحة ومضحكة ومثيرة للشغف البصري بأكمله في فيلم انتصر فيه الحلم الذي يبعث الحياة في قرية نموذجية تأثر بها المشاهد فسيولوجياً ونفسياً للعودة إلى يوميات الحياة بقناعة أن الحياة ملونة وجمالها بكافة ألوانها دون استثناء. فهل نجح المخرج في تقديم مادة سينمائية دسمة فنياً؟

برؤية أخرى فيلم "Fiddlesticks" للمخرج فيت هيلمر هو تجربة سينمائية مبتكرة تجمع بين البساطة والعمق بأسلوب إخراجي مميز. اعتمد هيلمر على الصورة البصرية المتحركة كأداة رئيسية لنقل الفكرة، مستخدمًا الثرثرة البصرية والتخيل لتعزيز التجربة السينمائية. من خلال تنقلات سلسة بين مشاهد معبرة وألوان زاهية، نجح المخرج في خلق عالم سينمائي يمزج بين الخيال والواقع، مستفيداً من استخدام التقنيات البصرية لتصوير الأفكار الاجتماعية والفكاهية بطرق مبتكرة.

يعرض الفيلم قصة تسلط الضوء على العلاقة بين الأجيال والتفاعلات بين الأطفال والمسنين. يقدم الفيلم دراما اجتماعية ملونة تُظهر التناقضات بين مرحلتي الطفولة والشيخوخة، مُظهراً كيف يمكن لمشاعر البراءة والتجربة أن تتداخل بطرق غير متوقعة. يتناول الفيلم بشكل لطيف التباين بين الحلم والواقع، ويبرز التحديات التي يواجهها كل جيل في محاولة لتحقيق أحلامه وطموحاته.

يبرز الفيلم بابتكاره في استخدام الألوان والتصميمات الفنية. يقدم هيلمر مشاهد غنية بالألوان المتباينة التي تدعم الطابع الفكاهي والتعبيري للفيلم. الرسوم المتحركة والرسوم اليدوية في شارات البداية والنهاية تساهم في تعزيز الطابع الطفولي، مما يضفي لمسة من البراءة والعفوية على الفيلم. تنسيق الألوان والخلفيات في الفيلم يعكس بشكل واضح التباين بين بيئات مختلفة، مما يعزز التجربة البصرية ويجعل كل مشهد يتناغم بشكل مثير مع الحبكة الدرامية.

يعكس الفيلم روحًا من الفرح والحيوية من خلال تنوع مشاهد الطبيعة، والألوان المشرقة، والموسيقى الممتعة. تُسهم اللمسات الجمالية في خلق أجواء متناغمة تشد الانتباه وتبث السعادة في نفس المشاهد. التصميم البصري المتقن يسهم في تعزيز التفاعل العاطفي مع الفيلم، حيث أن جماليات المشاهد تمنح تجربة بصرية فريدة تجعل المشاهد ينغمس في عالم الفيلم بشكل كامل.

يبرز الفيلم بقدرته على نقل المشاعر والرسائل بطريقة مرحة ومؤثرة. يعكس الأداء التعبيري للشخصيات، سواء كان ذلك من خلال التحريك أو التصوير الفوتوغرافي، مجموعة متنوعة من المشاعر البشرية. كما يبرز الفيلم التعبير البصري على شكل تحولات لونية وتخيلية تتماشى مع الحالة العاطفية لكل مشهد. تساهم هذه العبارات التعبيرية في نقل أفكار الفيلم بوضوح وجاذبية، مما يجعله تجربة متكاملة على صعيدي البصر والعاطفة.

يُظهر الفيلم براعة في فهم عالم الأطفال وتخيلاتهم. الرسوم المتحركة والقصص التي تُروى في الفيلم تنعكس بشكل مباشر على مشاعر الأطفال وأحلامهم. إن التفاعل بين الشخصيات والتخيلات الواسعة يعكس قدرة الفيلم على إدراك وتفسير نظرة الأطفال إلى العالم. من خلال طرح أفكار ومعاني بطريقة مبسطة ومرحة، يخلق الفيلم جواً يسهم في تطوير وتغذية خيال الأطفال، مما يجعله مناسباً لجميع الأعمار.

يوفر الفيلم مساحة للتأمل في تجارب الطفولة والشيخوخة وكيفية ارتباطهما. يُظهر كيف أن تباين المشاعر والتجارب بين الأجيال يمكن أن يُقرب الناس من بعضهم البعض. يستكشف الفيلم الجوانب النفسية لعالم الأطفال والمسنين، مما يعزز فهمنا للتواصل بين الأجيال وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على النمو الشخصي والتطور النفسي. من خلال تقديم مفاهيم مثل الأحلام والتواصل الأسري، يساهم الفيلم في معالجة موضوعات نفسية عميقة بطريقة ممتعة وبسيطة. فيلم "Fiddlesticks" هو عمل سينمائي يعكس إبداعًا في الإخراج والفن، ويقدم تجربة درامية وجمالية ثرية من خلال منظور ينغمس في الطفولة والنمو النفسي، ويعزز الفهم والتواصل بين الأجيال بشكل غير تقليدي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol