تفاوت درجات التكوين البصري الذي تعتمده الفنانة "دانيال جنادري"

ضحى عبدالرؤوف المل

تتحول المناظر الطبيعية في أعمال الفنانة "دانيال جنادري" (Daniele Genadry) إلى حركة بصرية تتلاعب في بنائها ورؤيتها وترابطها وانعكاساتها، لتؤثر على الذاكرة وتنطبع وفق أسلوبها ضمن صياغة فنية تعيد تكوينات الأشكال الراسخة في الخيال مع تطابقها واقعيًا مع أماكن مختلفة يمكن للذاكرة استخراجها من الأطر التي تريد لها الانفلات من القيود إلى ما لا نهاية مع الزمن. لتعيد جنادري تكوين الأماكن ذات الجمالية البصرية والتي تستقر في المخيلة مع الحفاظ على المساحة المدروسة، وبمشاكسات الخطوط والألوان واستفزاز الحس البصري لتثير الانبهار بالعنصر الضوئي المرتبط بالعلو والانخفاض أو بتفاوت درجات التكوين البصري الذي تعتمده في تصوراتها الفنية.

تحاول الفنانة "دانيال جنادري" توظيف درجة التباين في خلق انعكاسات مختلفة تُرادف إظهار الواقع ومحاكاة الخيال، بازدواجية تلعب دورًا أساسيًا في محو ضبابية الشكل، وتسليط الضوء على مزاجية البصر في التذوق الانطباعي للطبيعة، لتحقيق التناغم والانسجام مع الوزن البصري الذي يشعر الرائي بخفته في لوحاتها، وكأنها حركية مرئية رغم مساحاتها وألوانها وخطوطها، وبتأليف نغمي يتراوح بين الاستقامة والانحناء أو خلق انحدارات لونية لها مؤثراتها الحسية على تراتيبية العناصر في تكوين الصورة، لدمج التصويرات مع التشكيل والأساليب الأخرى ببساطتها وتعقيداتها، وتقاطعها مع النقطة البصرية ومحورها في لوحتها كما هو ملموس ومحسوس. مما يسهل على الرائي التركيز على تقاطع الألوان والخطوط، وكأنها تعتمد لفت انتباه المتلقي إلى بنية المكان في لوحتها.

تعتمد "دانيال جنادري" على توزيع النقاط بحداثة مزجت بين أساليب مختلفة في تصاميمها، لتدمجها مع خفة اللون أو ثقله وتلاشيه أو كثافته، معتمدة على المقارنات الرياضية المفتوحة بين الداكن والفاتح، والشكل والحجم، والمقارنة بين الألوان الباردة والحارة، وبدمج لا خلل بصري فيه. إذ توازن بين مفاهيم متعددة في لوحة واحدة، وضمن قواعد الخطوط وتنوعاتها مع الزوايا العليا والسفلى، وباتجاهات تجمع فيها مركزية الخطوط نحو الداخل لتعكس مفهوم التصوير مع التشكيل وغير ذلك.

لا يشعر المتلقي بثبات الصورة أو بالأحرى الأشكال والألوان في اللوحة، بل بحركة داخلية نابعة من تمركز البصر وتأثير البعد والاقتراب من اللوحة على العناصر الحسية التي يلتقطها البصر دون الابتعاد عن مركز الوزن البصري. لتوحي بأبعاد الحركة في الطبيعة وإبراز المتغيرات التي تجعلنا نشعر بتشابه المرتفعات أو المنخفضات، وما بين المفتوح والمغلق. نسبة ذهبية تعمد عليها "دانيال جنادري" تنافر وتضاد، وتناغم متمم لتكوينات ترتسم وفق انسجام العناصر الفنية التي تستخرجها من ذاكرة صورة، وتمزجها مع الحقيقة الحسية، المرتبطة بالرسم الفني وجماليته وبأبسط الأشكال والمفردات المرتبطة بماهية الشكل البصري وأساسيّاته.

برؤية أخرى يُعتبر البعد البصري عنصرًا حاسمًا في تكوين الصورة. يتم تحقيق التأثيرات البصرية من خلال استخدام تقنيات مثل التركيب، وتوزيع الضوء والظل، والتركيز. الضوء، كمكون رئيسي، يمكن أن يُعزز من الألوان والتفاصيل، أو يُخفف من حدتها ليبرز تأثيرات معينة، مما يؤدي إلى تقديم صورة تعكس جوهر المشهد بطرق مختلفة. كما يمكن استخدام التصوير الفوتوغرافي لإظهار تنوع الأساليب من خلال التحكم في عمق الميدان، وتعديل التعريض الضوئي، وتحديد الزاوية التي تلتقط بها الصورة. هذا يمكن أن يؤدي إلى إبراز أبعاد جديدة أو خلق حالات مزاجية مختلفة.

الجمالية في التصوير الفوتوغرافي تعتمد على التوازن بين الألوان، والتباين، والتناسق. تكوين الصورة بعناصرها المختلفة، مثل الخطوط والأنسجة، يؤثر على كيفية استجابة العين البشرية. الأسلوب الذي يتبعه المصور، سواء كان كلاسيكيًا أو تجريديًا، يحدد الإحساس الكلي للصورة.

يُعتبر التكوين من العناصر الأساسية التي تحدد التأثير البصري للعمل الفني. يمكن للرسم أن يتلاعب بالأشكال والألوان بطريقة تتيح حرية أكبر في التعبير بالمقارنة مع التصوير الفوتوغرافي. استخدام الألوان يمكن أن يكون أكثر تعبيرية وموضوعية، مما يعزز الجوانب الرمزية والوجدانية للعمل الفني.

الرسم يتطلب مهارة فنية عالية في تقنيات التظليل، والتلوين، والتخطيط. يمكن للفنان أن يخلق تأثيرات بصرية معقدة من خلال التعامل مع الطبقات والملمس، ما يوفر مساحة للتجريب والإبداع. الأساليب الفنية مثل الانطباعية أو التعبيرية تؤثر بشكل كبير على كيفية إدراك العمل الفني.

الجمالية في الرسم تعتمد على التناغم بين الألوان، والخطوط، والتكوين. يُعزز الرسم الجمالية من خلال الأساليب الفنية التي تبرز الشخصيات أو المشاهد بأسلوب فريد، مما يوفر تجربة بصرية متكاملة للمتلقي. كما أن الضوء هو عنصر حاسم في كل من التصوير الفوتوغرافي والرسم. في التصوير، يمكن للضوء أن يحدد تفاصيل الصورة، ويخلق ظلالًا مميزة، ويبرز مناطق معينة. في الرسم، يمكن للفنان استخدام الضوء لتأثيرات مماثلة، من خلال تقنيات التظليل والانعكاسات.

فن التعامل مع الضوء يتطلب فهمًا عميقًا لمصادر الضوء وتوزيعها. في التصوير الفوتوغرافي، يتطلب ذلك ضبط الإعدادات المناسبة للكاميرا للحصول على التأثير المطلوب. في الرسم، يتطلب الأمر مهارة في تقنيات التظليل لتكوين صورة تُعبر عن الإضاءة بطريقة واقعية أو تعبيرية. الضوء يضيف بُعدًا جماليًا للعمل الفني، حيث يمكنه تعزيز الجوانب التشكيلية، وإبراز الألوان والظلال بشكل يعزز من جمالية الصورة أو اللوحة. اللعب بالضوء يمكن أن يخلق تأثيرات دراماتيكية، تجذب العين وتثير الانفعالات.

من خلال دمج هذه المناظير، يمكننا تقدير كيفية تأثير العناصر البصرية والفنية والضوئية على تجربة التلقي للعمل الفني. في التصوير الفوتوغرافي، يمكن أن يكون الضوء والتكوين والتفاصيل عناصر أساسية في تقديم تجربة بصرية متكاملة. في الرسم، تلعب التقنيات الفنية والابتكار في استخدام الألوان والضوء دورًا كبيرًا في تقديم عمل فني يعكس الأسلوب الفردي للفنان. في كلا المجالين، الجمالية تُبنى على التوازن بين العناصر المختلفة والقدرة على تقديم تجربة بصرية تُثري المشاهد وتجذب اهتمامه.

معرض الفنانة "دانيال جنادري"( ( Daniele Genadry في قصر سرسق (( Musée Sursock واستمر حتى 12 نيسان2016 وكتبت عنه لجريدة اللواء لبنان