لماذا نتعارك؟

ضحى عبدالرؤوف المل

فيلم Creed دراما رياضية من بطولة ميشيل جوردان وسيلفستر ستالون.

تساؤل بدأ مع فيلم Creed، الدراما الرياضية التي تعالج فن الملاكمة مع مفاهيم قتالية أخرى، من بطولة "ميشيل جوردان" و"سيلفستر ستالون" (Michael B. Jordan) و(Sylvester Stallone). وهو: لماذا نتعارك؟ وما الذي نحمله من رغبات تولد معنا ولا ندرك تفسيراتها البيولوجية؟ إلا أن كلمة "أنت مثل أبيك" لا تعني أن نعيد تفاصيل خلايا رحلت وتركت الجزء المهم منها في الحياة. هذا ما يحاول الفيلم إيصاله إلى المشاهد؛ فأدونيس جونسون لم يعرف والده، الشهير "جونسون كريد"، بطل العالم للوزن الثقيل، فقد توفي قبل ولادته. ومع ذلك، يحمل جينات فن الملاكمة في الدم، وقرر أن يكون الأفضل في الملاكمة التي ذهب ضحيتها والده في فيلادلفيا. وتتبع روكي بالبوا، لأن والده قد خاض ذلك من قبل معه، وطلب منه أن يصبح مدربه. في البداية تردد ورفض تدريبه، ولكن بطل العالم السابق أو الوسيم يكشف عن قوة لا تتزعزع. إلا أن أدونيس وافق على خوض المباراة والربح في العراك.

موسيقى تصويرية تنازعت العراك مع الصورة، وإن بنغمة شديدة الصراع مع ذاتية المشهد وموضوعية الممثل الذي برع في التمثيل، بل وأظهر رغبته الشديدة في هذا الفن الذي بات شوارعيًا في قسم منه. فالزمن يتغلب على الجميع والأبطال تتوارى على الحلبات. كأن الحلبة هي مسرح الحياة باختلافاتها ولعبتها التي تؤدي إلى الموت أو العيش بسلام. فهل نجح المخرج في انتزاع المفهوم القتالي لينتقل به من العام إلى الخاص؟ أم أن فن الملاكمة بدأ يتدنى وهو يحتاج إلى حماية ورعاية ليكون بمثابة عراك ذي قيمة قتالية تحتاج إلى رعاية دولة؟

في الملاكمة، "أصول الملاكمين يمكن اعتبارها أكثر عنصر مقدس في هويتهم، تكوين الاختيارات التي يمكنها تغيير حياتهم إلى الأبد". فهل من ضمانات تحمل السلامة للملاكمين الذين يخرجون من الحياة بارتجاج في المخ أو بموت بطيء؟ يضعنا الفيلم أمام هوية الملاكمة: أهي نوع من الفن القتالي؟ أم رياضة؟ أم رغبة في القتال متبوعة بمنافسة لا تفسير لها؟ ومن الذي يمتلك مهارات هذه اللعبة؟ وهل من السهل إيجاد إيقاعها؟ فالكاتب جعل من أسس اللعبة موازين بنى عليها بربطها بالغناء ومقاومة المرض، لتكون بذلك شبيهة بأي شيء نريده في الحياة ونتصارع للحصول عليه.

ما نؤمن به في فن من الفنون لا يعني أن نؤمن به في الحياة، خلاصة انتزعها الممثل "ميشيل جوردان" مع "سيلفستر ستالون" ليبتعد قليلاً عن القتال المفروض في الحلبة وشروطه القاسية التي لا تفكر بسلامة الخصم، إنما كيفية التخلص منه، مظهراً سلبيات هذا القتال وإيجابياته من حيث التعلم على مبادئ هي في الحقيقة حياتية في أبعادها. إذ لا يمكنك تعلم أي شيء وأنت تتحدث، وعلى المرء أن ينصت، وأن يمتلك لغة الإشارة والإيقاع تمامًا كالمغنية الشابة التي تعرف عليها الملاكم "أدونيس". وكما يقول المدرب: "طالما أنت المتحدث، لن تكون منصتاً." شروط وقوانين وتدريب تبلغ قسوته الدرجات العليا لبذل المجهود الأقصى، ليصل إلى ما يريده الملاكم، وهو الفوز في حلبة الصراع حيث كل شخص أهانك تتخيله دائمًا، واستنزاف للمشاعر القتالية، لتخرج عن صوابها وتصبح انفعالية قيادية، فتحرك واستهدف. إلا أن حركة الكاميرا كانت كالممثل تمامًا تتنقل بمرونة لتلتقط بواقعية المشهد الذي يترك في النفس تلقائية الحدث، وكان المشاهد داخل الحلبة مع كل تفاصيل الحركة ومرونتها تصويريًا وتمثيليًا وموسيقيًا.

استطاع مخرج فيلم Creed التوازن مع السيناريو والحوار، وتقديم مادة قتالية دسمة إلى جانب السينمائية، لتكون في قسم منها كرواية أدبية يخرج منها المشاهد بمفردات تترسخ في ذهنه، بل وتطرح بعض المفاهيم نقاشات داخلية مهمة مثل: "لتصنع تاريخك"، كلمة تقولها الأم الرافضة لهذا الفن الذي أدى إلى موت زوجها. إلا أنها لم تردع ابن زوجها الذي اهتمت به كوالدة، لنقف مرة أخرى أمام قول المدرب: "المهم ما ستتركه في هذه الحلبة وما ستعيده معك." ثلاثية مزجها الفيلم لإبراز كل صراع نواجهه في الحياة، كمرض السرطان الذي أصيب به المدرب، ومشاكل الغناء، والرؤية المشتركة بين الأجيال، أي الماضي والحاضر وصراع البقاء من أجل الهدف الحقيقي في الحياة التي نخرج منها تاركين فيها الجزء المهم منا، مهما اختلفت أنواعه كابن أو اسم مشهور وغير ذلك. لينتهي الفيلم بمشهد يجمع البطلين، الملاكم والمدرب، والقول الفصل: "حينما تصل إلى القمة، تظن أنك يمكنك أن تطير." فهل المواجهات في أي صراع ينشأ بين طرفين تحتاج إلى قوة وإرادة وتصحيح في الاختيارات التي نريدها في الحياة؟

برؤية أخرى فيلم Creed، من إخراج رايان كوجلر، يقدم تجربة درامية فريدة تجمع بين الفن القتالي والدراما الشخصية. الفيلم هو جزء من سلسلة أفلام Rocky الشهيرة، ولكن مع تركيز جديد على الشخصية الرئيسية أدونيس جونسون، الذي يمثل الجيل الجديد في عالم الملاكمة.

من حيث الرؤيثة الإخراجية نجد أن رايان كوجلر يمتاز برؤية إخراجية تعتمد على الدمج بين الواقعية الدرامية والإثارة البصرية. من خلال استخدام كاميرات محمولة، يقدم الفيلم حركة واقعية تتماشى مع طبيعة رياضة الملاكمة، مما يسمح للمشاهدين بالتفاعل مع كل ضربة ولكمة وكأنهم جزء من الحلبة. كوجلر يجيد توظيف الزوايا القريبة واللقطات الديناميكية لإضفاء عمق وواقعية على المشاهد القتالية، ما يجعل الجمهور يشعر بالتوتر والإثارة مباشرة. كما أن الإيقاع في الفيلم متوازن بين المشاهد الدرامية القوية والمشاهد القتالية المشوقة. المونتاج يلعب دورًا مهمًّا في تسريع الأحداث خلال لحظات القتال، بينما يبطئها أثناء المشاهد الشخصية لإعطاء الوقت اللازم للتطور الدرامي. هذا التوازن يساهم في الحفاظ على اهتمام المشاهد وإشراكه في تطور القصة.

أما التصوير في Creed يدمج بين الإضاءة القاسية في حلبات الملاكمة والإضاءة الأكثر نعومة في المشاهد الشخصية. هذا التباين يعزز من الشعور بالواقع والدراما في الفيلم. الألوان الداكنة والحادة أثناء القتال تعكس شدة الصراع، بينما الألوان الأكثر دفئًا في المشاهد العائلية تعكس الضعف والتواصل العاطفي.

: السيناريو، من كتابة كوجلر وكيرون كولينز، يقدّم قصة مثيرة تركز على الصراع الداخلي والخارجي لأدونيس جونسون. الحوارات عميقة ومؤثرة، حيث تعكس التحديات التي يواجهها أدونيس في سعيه لتحقيق مكانته في عالم الملاكمة وبين عائلته. توازن السيناريو بين الحوارات الدرامية والمشاهد القتالية يعزز من قوة القصة ويجعلها متماسكة ومؤثرة.

الشخصية الرئيسية أدونيس جونسون، التي يلعب دورها ميشيل جوردان، تظهر بُعدًا إنسانيًّا عميقًا، مما يجعل الجمهور يتعاطف معه ويشعر بتطوره الشخصي. العلاقة بين أدونيس وروكي بالبوا، الذي يلعب دوره سيلفستر ستالون، تعكس دراما قوية تتسم بالعمق والواقعية، حيث يظهر التفاعل بين الشخصيتين بصورته الأكثر صدقًا. الفيلم يستكشف ثيمات الصراع الشخصي، الإرث، والتحدي. استخدام الملاكمة كرمز للصراع الداخلي يعزز من الرسالة الدرامية للفيلم. الرموز التي يستخدمها كوجلر، مثل الحلبة كمسرح للحياة، تسهم في تعزيز الرسائل الفلسفية والوجودية التي يتناولها الفيلم. أما أداء ميشيل جوردان وسيلفستر ستالون ممتاز، حيث يجسد الأول الصراع الداخلي والتصميم، بينما يعرض الثاني حكمة الروح القتالية والخبرة. التفاعلات بين الشخصيتين تعزز من الجوانب الدرامية للفيلم وتجعل المشاهدين يشعرون بعمق العلاقة بين المدرب والمتدرب.

الموسيقى التصويرية، من تأليف لودفيغ غورانسون، تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز التجربة البصرية. الموسيقى تتنوع بين الحماسة والتشويق في مشاهد القتال، وبين الحزن والشفافية في المشاهد الدرامية. هذا التنوع يعزز من الإحساس بالتوتر والانتصار، مما يضيف عمقًا إضافيًا إلى المشاهد.

الجماليات البصرية: الفيلم يبرز جماليات بصرية متقنة في تصميم المشاهد القتالية والمشاهد الشخصية على حد سواء. من خلال استخدام تقنيات تصوير متقدمة وتفاصيل دقيقة في تصميم الحلبة، يخلق كوجلر تجربة بصرية تجمع بين الإثارة والتعبير الفني.

فيلم Creed هو تجربة سينمائية تجمع بين الإخراج المتميز والكتابة القوية، مما يخلق عملاً دراميًّا غنيًّا وجماليًّا. من خلال رؤيته الإخراجية الفريدة وسيناريوهاته المؤثرة، يقدم الفيلم تجربة متكاملة تلامس القلوب وتعزز من فهمنا لعالم الملاكمة والدراما الإنسانية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol