كلما أوشكنا على النهاية كانت البداية. قراءة في رواية "عودة ميرا" للروائية "عائشة العاجل".

ضحى عبدالرؤوف المل

تلجأ الروائية عائشة العاجل إلى الفقد المفاجئ لتباغت القارئ بحدث يغزو المخيلة بمرارته وقدرته على فتق النسيج البعدي للعناصر التخيلية، التي يمكن لها شد وثاق القارئ إليها ببث المزيد من علامات التعجب التي تستوقف الوجدان من البداية. وباختزال اقترن بشخصية المرأة والموت المفاجئ بواقع أغرب من الخيال من حيث جدلية الخيانة والحب وتعدد الحيوات في حياة واحدة، والمشهد المحبوك بمشاهد تستقي منها التحليلات البسيطة، وببصمة تناثرت فيها بصمات النساء اللواتي تداخلت حياتهن مع بعضهن من الجدة موزة وفاطمة وصولاً إلى نورة وسارة وميرا، والحب العذري الذي جن في مشهد الموت، وبغواية قصص الحب التي احتضنتها النساء اللواتي تأثرن بطفولتهن وبسلوكيات الأب، وبذكورية ذات إشكالية حياتية لها خطوطها العريضة في "عودة ميرا" تلك العودة الشبيهة بعودة الغائب الحاضر، وبمثالية ذاتية أو أفلاطونية ترمي بسهامها على النسيج السردي الخفيف الظل، والبسيط في حكايتها المتناغمة مع واقع المرأة العربية.

سلوكيات متوارثة ترضى بها المرأة، ولكن بغموض ضمني ربما يقابله تجربة إنسانية مستوحاة من الواقع الافتراضي الذي بات يتوهج في الحياة وقضاياها المفتوحة على المعادلات الإنسانية بين الرجل والمرأة، كعبد العزيز وسارة، وقصة الحب التي تفسر نفسها بنفسها. من حيث تعلق المرأة برجل هو الرمز الأبوي المفقود في الحياة، أو من حيث ميرا التي استطاعت التماهي مع ما يحدث من حولها، أو للحب الموجه لها من زوج صديقتها، والوعي الموضوعي الذي تطرحه عائشة العاجل في هذه الرواية ذات الملامح الفنية التي تتوغل بواقعها في المخيلة الناشطة بجوانبها الإنسانية، وبحداثة لم تخرج عن الكلاسيكية. إنما خرجت منها بتحرر حكائي مغزول بسرد ممتزج اجتماعيًا ونفسيًا بفلسفة الرؤى المستخرجة من الجدة موزة وفاطمة وميرا المهيأة بعالمها المغاير للعودة المجازية ضمن شخصيات نسائية أخرى.

إيقاع وجداني سمح للقارئ بالتعاطف مع الشخصيات، وقبول قصص الحب المرفوضة عقليًا وحياتيًا، وبغواية لها غرائزها المنضبطة في بعضها. من حيث المرأة التونسية والبعيدة عن المجتمع الذي تعيش فيه ميرا وعبد العزيز، أو الشال الهندي الإيحائي بزخارفه، تاركةً للأجناس التعبيرية جمالها وتداخلاتها. في مشهد الموت وضمن العودة إلى الوراء للاستكشاف بمداورة تعود فيها إلى فاطمة وأحمد، والزيجات الكثيرة ضمن تقاطعات روائية اكتسبت تأثيرات عكسية في منحاها المر. فبعض الحب يؤدي إلى الموت، وتكرار الأحداث عبر الزمن تختلف وقائعها. فما ناصية الحدث الذي بدأت به عائشة العاجل روايتها إلا بناء حركي تنتقل بجزئياته من شخصية إلى شخصية، مسلطة الضوء على المرأة، تاركةً للظل وقعه وقوته، وخلفيته المستترة تحت حجب الذكورة التي تتنقل من امرأة إلى امرأة، مشرعةً بذلك للقلب أن يعشق على هواه في ظل استكانة المرأة ورفضها، وترجمة سلوكها بفسحة محفوظة بمجريات الأحداث وتسلسلها، وبالتالي قبولها أو رفضها. إن بالخروج من الحياة، أي الخروج المجازي، الذي يضعنا أمام قارعة الحلول والندم أو الرضا.

تجسيد للواقع الاجتماعي الذي تعاني منه المرأة العربية تحديدًا، والتي تنتمي إلى أماكن محددة ضمن آفاق إنسانية رحبة صورتها ببساطة تناسبت مع مجريات المشهد الأول، وباختزال تسارعت فيه الخطوط الثانوية مع الخطوط الرئيسة بتوازن اعتمد على وحدة الموضوع. وإن باختلاف الإشكاليات المتشابهة في منحاها والمختلفة بحكم وضعها الاجتماعي أو البيئي، مثل سارة التونسية وليلى، وإن في ظل نسبية تجعل المرأة في كل زمان ومكان ذات كيان واحد تختلف شكلًا ومضمونًا وتبقى ضمن كينونتها الحقيقية كمرأة عربية قد تقبل بتعدد الزيجات وقد ترفض، والعودة دائمًا محملة بالأسى والحزن. فهل شدّت عائشة العاجل بناء الرواية عبر حكاية وجدانية مربوطة بأسس نفسية واجتماعية تضعنا من خلالها أمام عودة المرأة الرافضة لتعدد الزيجات عبر مشهد الموت المباغت؟

برؤية أخرى تحديثية بعد سنوات من نشر المقال أعدت القراءة والكتابة عنها الرواية التي أبدعتها الروائية عائشة العاجل تحت عنوان "عودة ميرا" تتناول موضوعات غنية ومعقدة تتعلق بالفقد، والحب، والخيانة، وتعدد الأبعاد في حياة المرأة العربية. في روايتها، تتجلى مهارة العاجل في طرح قضايا إنسانية واجتماعية تتشابك فيها الشخصيات والأحداث لتنسج قصة ذات طابع مميز.

تبدأ الرواية بحادث مفاجئ يزعزع حياة الشخصيات، وهو أسلوب تستخدمه العاجل لفتح أبواب التأمل والتساؤل لدى القارئ. الموت المفاجئ هنا ليس مجرد حدث درامي، بل هو وسيلة لاستكشاف عمق المشاعر والأوضاع النفسية للشخصيات. كما تتنوع الشخصيات النسائية في الرواية بين الجدة موزة، وفاطمة، ونورة، وسارة، وميرا. كل شخصية تحمل عبءًا من التجارب والمشاعر التي تساهم في تكوين نسيج الرواية. العاجل ترسم بمهارة العلاقات المعقدة بين هذه الشخصيات، مسلطة الضوء على تأثيرات الماضي والخيانة والحب العذري الذي يتداخل مع مشهد الموت.

تعكس الرواية نمطاً سردياً بسيطاً ولكنه عميق، يتعامل مع المواضيع من زوايا متعددة. تستفيد العاجل من السرد السلس للتعبير عن رؤاها الإنسانية، مما يجعل الرواية تصل إلى القارئ بطريقة مؤثرة ومباشرة. فالرواية تتناول واقع المرأة العربية وتطرح مشكلات اجتماعية وثقافية تتعلق بالزيجات المتعددة، والتحديات التي تواجهها المرأة في مجتمعات مختلفة. عائشة العاجل تسلط الضوء على الفجوات بين الأجيال والخلفيات الثقافية المختلفة، مما يضيف عمقاً إضافياً للتجربة الإنسانية التي تعرضها.

استخدمت العاجل تصويراً فنياً يربط بين الأحداث والشخصيات بأسلوب يجعل الرواية تنسجم مع الواقع الحياتي للمرأة العربية. تسلط الضوء على الاضطرابات النفسية والعاطفية التي تتعرض لها الشخصيات، وتربط بين هذه المشاعر والواقع الاجتماعي. وتستعرض بشكل مؤثر واقع المرأة وتفاصيل حياتها الشخصية والعاطفية في إطار اجتماعي معقد. تعكس "عودة ميرا" كيف تتعامل المرأة مع ضغوط الحياة والظروف المحيطة بها، وكيف يمكن أن تكون تجاربها السابقة وتأثيرات عائلتها بمثابة محور لفهم سلوكياتها الحالية.

العاجل، من خلال روايتها، تطرح تساؤلات عن تأثير الحب والخيانة والموت على الحياة الشخصية للشخصيات، وتتناول قضايا تقبل أو رفض التعدد العاطفي والاجتماعي. تصورات العاجل حول الحب، الموت، والمجتمع تشكل خلفية غنية تعطي الرواية طابعها المميز وتؤدي إلى تقديم تجربة قراءة عميقة ومؤثرة.

"عودة ميرا" هي رواية تتقاطع فيها الخطوط النفسية والاجتماعية مع الحكاية العاطفية بمهارة. تدعو القارئ للتفكر في تعقيدات الحياة والوجود، ومدى تأثير التجارب الفردية على الفهم العام للأحداث والعلاقات. الرواية تقدم صورة معقدة وجميلة للمرأة العربية وتجاربها، مما يجعلها عملاً أدبياً يستحق التأمل والاهتمام.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol

المقال تم نشره في جريدة اللواء لبنان