تاريخ الرجل يحدد الحرب.
ضحى عبدالرؤوف المل
فيلم العميل 47 (Hitman Agent 47) من إخراج "ألكسندر باش" وكتابة "ميخائيل فاينش" و"كايل وارد" و"سكيب وودس"، ومن تمثيل "روبرت فريند" و"هانا وير". يعالج فيلم العميل 47 صناعة آلة الحرب، أو بالأحرى آلة القتل المثالية. وهذه قد تنجح، إلا أنها غالبًا ما تصطدم بالأبحاث التي أُلغيت، وبمن يحاول إعادة إحيائها لتكون بمثابة ورقة حرب قاتلة بين أفراد يسعون للسيطرة على وحدات الجيل الجديد عبر الجينات الحيوية واستهدافها، لتصنيع آلات القتل الأكثر ذكاء وتطورًا من الإنسان نفسه، وذلك بتطوير جيناته. فهل يحاول الكاتب إثبات نظرية الإنسان الخارق والقادر على تخطي الصعاب بتطوير نفسه والأجيال الجديدة؟
الفيلم من نوع الجاسوسية، وأفلام الجريمة المرتبطة بالخيال العلمي القادرة على خلق رؤية مستقبلية مفادها خلو العالم من الروح الإنسانية. إذا فقدناها، فقدنا الإنسان الحقيقي وأصبحنا كآلة قتل تسير تبعًا لأنظمة تبرمج العقول والسلوك والحياة التي تحتاج إلى الموت لتكتمل. لأن النظام الكوني مبني على فكرة الحياة والموت والتطوير الإنساني مهما بلغت التقنيات. إلا أنه لا يمكنه إلغاء الموت القاهر الأكبر للإنسان، فالمخترع أو من استطاع تطوير الجينات البشرية لجيل جديد يموت من إصابته بداء السرطان ولا يمكن محاربة النفس، لأنها الخسارة الكبرى التي لا يمكن تعويضها في حال فقدنا هويتنا الذاتية التي نشأنا منها، حتى وإن كنا من البشر التي تم تطوير جيناتها. إلا أن فلسفة الكاتب الفكرية في الفيلم ملموسة من حيث العلم القادر على بناء الإنسان لا هدم الإنسانية.
ما بين الصورة والحركة والموسيقى، تلاعب "ماركو بيلترامي" (Marco Beltrami) المؤلف الموسيقي بالنغمة الحسية الموحية بالعاطفة أو بالعقل أو بالحذر، وكأنه يحاكي موسيقيًا الإخراج بدقته التصويرية، وبحرفية بلغت جمالية في فيلم هو من النوع الحركي السريع. إلا أنه تخطى دقة المشهد بموسيقاه كي لا يتسرب الملل إلى نفس المشاهد، وكأنه ينقلنا عبر المشهد السمعي إلى المشهد التصويري. فالإخراج تماشى مع الأركان السينمائية المتخيلة، والتي تفاجئ المشاهد وتثير الحواس بفجائية الحدث وتقنيته في المشهد، وبمنطق النص أو السيناريو المحبوك بعقلانية تجعل المشاهد يرضى بمنطقية الحبكة. ليس ما يميز العميل جسده بل عقله وقدرته على إكمال خطته بمنطق الأحداث، وترجمتها بسرعة وقوة ملاحظة متنبهاً للأخطار التي قد تحدث مستقبلاً. وهذا لا يعني التكهنات، إنما دراسة الأحداث وقوة الاستبصار بها. فالإنسان مهما كان ضعيفاً ببنيته الجسدية، إلا أنه تميز بالعقل، وهذا ما أراد طرحه الفيلم. لأن أي تصنيع آلي ما لم يرتبط بالعقل وقوة تفاعله، ستحكمه الفشل. إن معالجة الفيلم للفكرة بمرونة وسلاسة وغموض تتلاشى أسراره مع كل مشهد استطاع الإمساك بالمشاهد حتى النهاية، خصوصًا وأن الصورة على تقنياتها لعبت دورًا مهمًا في المحاكاة البصرية.
"تاريخ الرجل يحدد الحرب" معانٍ متعددة تستوقف ذهن المشاهد من حيث أبعادها الفكرية التي ركز عليها الكاتب واستطاع وضعها المخرج في الفيلم معنى وحركة وتجسيد. وباستنتاج لا يعني التكهنات، إنما المواقف المبنية على الفعل وردة الفعل وتاريخ الإنسان منذ ولادته، لأنها كسجل تحليلي يعطي نتائج ما سيكون عليه الشخص وقدراته التي يمكن تطويرها إلى درجة يمكن استخدامها بالخير أو الشر. و"العميل 47" هو اتجاه نحو خدمة الإنسانية بنوع إضافي، أي إضافة تقنيات وخبرات على الإنسان بتطويره دفاعياً وتقنياً، وكل ذلك ضمن مواجهات لا تنتهي بل بقيت مفتوحة، خصوصًا في المشهد الأخير حيث نرى البطل أشيب الشعر، وبمشهد زمني يعيد نفسه. فهل يمكن وصف الفيلم بجمالية الإبداع التأليفي والإخراجي ليتصل التمثيل بهما؟
نقرر ما نكون حسب ما نريد، أو بالأحرى تبعًا للجين الفاسد أو الجين الطيب والقابل للتحوير والتطوير، والقدرة على خدمة الإنسانية لمحو الشر قدر المستطاع. لأن الإنسان دائم الانشغال بإيجاد التقنية لتطويره كإنسان، وإنما للشر وجوده أيضًا ليصطدم مطور هذه الجينات بكل هذه الانعكاسات التي بنيت على اختراعه المثالي الذي بات بديلاً لطفل له لم يولد في الدنيا. فهل تكتمل الحكاية؟ هذا ما أشار إليه الكاتب والمخرج في النهاية: "لأنك من صنع المرأة التي أعشقها" حاول تخليد ذكرى زوجته بإنجاب امرأة خارقة من جيناتها لتكون بمثابة ابنة لهما. إلا أن هذه الابنة هي جزء من منظومة متطورة سعى البعض لامتلاكها. فهل يتوقف طموح الإنسان عند نقطة الموت، أم يحاول تحدي العدم بترك جينات له في الدنيا وقد حاول تطويرها قبل الموت؟
برؤية أخرى يبرز فيلم العميل 47 كعمل فني يعكس إتقان المخرج "ألكسندر باش" في تنفيذ رؤية بصرية معقدة تجمع بين الحركة السريعة والمشاهد المليئة بالتفاصيل الدقيقة. يعكس الإخراج اهتمامًا كبيرًا بتفاصيل المشهد، حيث يخلق التباين بين الإيقاع السريع والمشاهد الهادئة تأثيرًا دراميًّا يجذب المشاهد ويجعله في حالة تأهب دائم. كما تُستخدم الزوايا غير التقليدية والمونتاج الديناميكي لخلق تجربة بصرية مثيرة وملهمة، مما يعزز من تأثير القصة وتفاعلها مع الجمهور.إذ يتسم النص بعمق فلسفي وتقديري يسعى لاستكشاف مفهوم الإنسان الخارق من خلال تطور جيناته وتحويله إلى آلة قتل فائقة الذكاء. يتناول السيناريو موضوعات مثل صراع الإنسانية مع التكنولوجيا وأثرها على الهوية الشخصية، ويستعرض تعقيدات الأخلاق والتطوير العلمي من خلال تفاعل الشخصيات وصراعاتها. ينجح الكتاب في تقديم سيناريو محبوك بعقلانية ويعزز من قوة الحبكة من خلال الحوار المشوق والمواقف الدرامية المعقدة.
يقدم الفيلم سردًا دراميًّا متسارعًا يعكس صراعات داخلية وخارجية بين الشخصيات. تتجلى قوة الحبكة في كيفية تقديم الصراع بين الإنسان والآلة، وتطرح تساؤلات حول ما يعني أن تكون إنسانًا في عصر تتلاشى فيه الحدود بين العضوي والميكانيكي. يستخدم الفيلم التوتر المستمر والتشويق ليدفع القصة إلى الأمام، مما يحافظ على اهتمام المشاهدين ويشجعهم على التفكير في موضوعات مثل التطور والإنسانية.
يتميز الفيلم بجماليات بصرية تعكس استخدامًا متقنًا للألوان والإضاءة لتعزيز الأجواء الدرامية والعاطفية. التصوير السينمائي يستفيد من تقنيات الإضاءة والظل لخلق بيئات تعكس الصراع الداخلي والخارجي، مما يعزز من الطابع الجمالي للفيلم. استخدام الموسيقى التصويرية من قبل "ماركو بيلترامي" يساهم في تعزيز التجربة البصرية، حيث تدمج الموسيقى بإبداع بين الحركة والعاطفة والحذر، مما يضيف بُعدًا آخر للمشاهد ويجعلها أكثر تأثيرًا.
يعبر الفيلم عن صراع الإنسان مع قدره ورغبته في تجاوز محدودياته من خلال تقنيات علمية. يظهر من خلال الأداء التمثيلي أن الشخصيات تحمل أبعادًا عاطفية وفكرية متعددة، مما يعزز من قوة الرسالة التي ينقلها الفيلم حول الهوية الإنسانية والتطور. شخصية العميل 47، على وجه الخصوص، تجسد صراع الإنسان مع نفسه وتطلعه إلى أن يصبح أكثر من مجرد آلة. الأداء التمثيلي يعكس بوضوح العمق العاطفي للشخصيات ويعزز من تجسيد الفكرة المركزية للفيلم.
يجمع فيلم العميل 47 بين العناصر الإخراجية والكتابية والدرامية والفنية والجمالية بشكل متكامل، ليقدم تجربة سينمائية غنية تستحق الإشادة. يقدم الفيلم تأملات عميقة في التطور البشري والتحديات التي يواجهها الإنسان في عصر التكنولوجيا المتقدمة، مما يجعله عملًا مثيرًا للتفكير وجاذبًا للجمهور.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol