الفعل المدهش في قلب العقرب

قراءة في ديوان الشاعر "محمد حلمي الريشة" قلب العقرب

ضحى عبد الرؤوف المل

اتخذ الشعر في ديوان "محمد حلمي الريشة" لدغة وظيفية تنوعت دلالاتها عبر سيرة شعرية مفتونة بلغة الارتقاء الموسيقي والتصويري، كردة فعل بين قلب ورومانسيته وعقرب وواقعيته، وشدة تأثره بمناخات الحياة وسيرتها المستقبلية، أي "لما لم يأت بعد"، رابطًا الماضي بالحاضر مستنتجًا مستقبل القصيدة وتحولاتها بين يديه، ووظائفها التعبيرية المثيرة لدهشته قبل كل شيء، كعقرب يتحضر للدغة الموت أو قصيدته الخالدة التي ينتظر ولادتها كحلم يروي بداياته ونهايته. يعبّر عن ذلك بعبارات صقلها بالتصاق الفجر بالحلم الجديد، منتقلاً من البناء إلى رؤيوية الأشياء من حوله بأبعاد سماوية فتحها فكريًا على الوجود، باحثًا عن الخلود عبر الخصائص الجوهرية للشعر وماهيته الكامنة في نبوءة يخفيها بسلسلة الزمن. ويضيف بعدًا ثقافيًا ذي احتجاج يتصدر نزعة نقصان الحياة، وبتسلسل رسم من خلاله مسيرة حياته من القراءة فالكتابة، ومن الخاطرة إلى الشعر، لكنه ترك للقلب روحه في جسد عقرب ينتظر اللدغة الأخيرة.

إرث فيروزي مكنه من اكتشاف جمالية الصورة المتخيلة، والمنبعثة من المعاني التصويرية التي تقشعر لها الأبدان وتندهش بها الحواس. فقد استطاع رسم دخوله إلى عالم الشعر بميم "هي تخطيط أولي لما كان بعد"، ربما رغبة منه في التغيير أو الانتقال من الخاطرة إلى الشعر قبل أن يحين الأوان. لا واصفًا إياها فيما بعد بالحادثة العاطفية، راغبًا في الانصهار مع قصيدته "كما مر الهواء على رخام الذاكرة"، وكأنها نبوءة لما هو آت، وكأن مجهولًا في الماضي ومعلومًا الآن بعد أن خرجت السنين من ترابيتها، "وشاءت قصيدة أن تأتي بزيها الزغبي في الخط الخجول". فإشكالية الحياة في تضادها بين وصفها بالنقصان وبالماكرة، وبتوثيق يكشف عن متانة لغته الشعرية منذ بداياته، وبرصد لحظات حياته المسجلة على رخام الذاكرة. وكأن القصيدة الأولى في حياة الشاعر هي خريطة الحياة التي شكلت ما سيأتي قبل مراحل القصيدة الغزلية، وبوعي فني وجمالي معتمدًا على الموسيقى والإيحاء والصور ذات الأبعاد الحداثوية. إن إنكار حقائق متانة القصيدة التي لها من "الصفات الوراثية للقصيدة سوى شكلها الخارجي." فهل يحاول الشاعر "محمد حلمي الريشة" تغيير وظائف القصيدة البيولوجية بتجريدها من النزعة الرمزية، تاركًا لملامحها المتناسقة التجدد عبر طقوسه المختلفة؟

يشير "محمد حلمي الريشة" إلى ذهنيته المتوقدة بنغم اعتبره ثورة أشعلها بأوراقه التي تقوست فوق بعضها، وكأنها تذوب بلوعة قلبه الحاضر عبر الزمن. وفي صورة ما زالت على رخام ذاكرته، فاتحًا فم الفكرة إلى أقصاه مسائلاً "في الهم أبو حيان التوحيدي" "هل يبدو الوقت قصيرًا يا شيخي الطيب؟" مقتربًا من الموسيقى بنغمة تراوده مع طقطقة النار وتلوّي الورق، مستندًا إلى لغة رمزية، وبسمات فكرية خاصة كحلها من الداخل والخارج كدائرة تتسع في الماء دون أن تفصلها عن الحدث المؤدي إلى الاشتعال في قعر التنور ومكوناته الخيالية، ومضمونه التصويري من منظور الشاعر المتعلق بشيخه، وبأطره الفنية في تشكيل القصيدة المستعصية على قدراته، أو بالأحرى تلك التي تشاكسه في الحياة بقصر وقتها في حلم الأفكار، لتنجلي النواحي النفسية المستترة في هذه المعاني المؤثرة التي لا تقوى على الظهور إلا من خلال ذلك.

الأصبع المبتور كفلسطين التي تفور قهرًا على حقوقه، فالسبابة لم يعيق فعل الكتابة في يد الشاعر، حيث القلم يستمد مداده من طعنة إحباط في كبد رغبة الكتابة، بوصف عميق وببنية تصويرية شديدة الأثر، متصلة بالرؤى الخاصة بالشاعر التي أبدع في خلق مؤثراتها من خلال توظيف الحدث في سرد مغاير في اجتياز شكلية الواقع نحو مخيلة القصيدة، وتعبير يروي من خلاله حادثة قطع أوتار الأصبع الذي يمسك بالقلم المسترسل بما يضخه القلب، وهو مدرك لتجسيد كل ذلك بانسجام وبقدرات تؤثر في نفس القارئ المسترسل، كما القلم بما يضخه قلب الشاعر من المعاني التي تعكس تجربته في الإصرار على فعل الكتابة، ناهيك عن تأثره بشعراء وأدباء ترك لهم الوجود الأكبر في ديوانه.

لحظات من النبوءة الشعرية عاشها الشاعر "محمد حلمي الريشة" في حاضر بدا الوقت فيه قصيرًا. إلا أن الرؤية المستقبلية هي الجزء الأهم الذي بدأ يتشكل أمامه بعد معرفة استمدها من حياة الشعراء القدامى، والذين أحصاهم وميزهم بالموت المبكر، مستوقفًا القارئ قبل ذلك حبيبة الشاعر "لاورا" التي ترك لها السوناتا بشحن عاطفي يكتنفه الغموض، ورؤاه بلغز مبتسم عابرًا به القبر الذي يضم الفك الذهبي، ليأتي بعدها هاجس الموت كيقين لموت لا يُرى، ومجازية الموت السريري للحياة أو نقصانها الذي يتممه الموت بومضات تبقي العيون كالنوافذ، وتفتح الماضي، إذ ما زال ينتظره كقصيدة مستحيلة هي حقيقة الشاعر التي تبحث عن الأنا الخالدة في كلمات تبقى كالعيون المطلة على الغدير، ومن خلال الألق الكبير الذي يخشاه وانتصر عليه، وهلل له بدلالات تعددت عناصرها، وارتبطت بما لا يُرى ويدرك كنهه الإنسان ببطء، وإن دون إحساس منه بزمنية الأشياء من حوله فيما بعد. أي بعد سنوات تمضي وتأخذ من الإنسان ما لا يأخذه الموت. فهل استبطن الشاعر "محمد حلمي الريشة" الحياة بموت شعوري بدأ يتسرب كهاجس القصيدة التي ينتظرها ويريد منها قهر الموت؟

لن يقتلوا فيك الحياة، فالكلمة بداية لا نهاية لها، والشاعر كلمة لها مآسيها وهمومها وذاتيتها التي تبحث عن موضوعية مفقودة بين الجدار وظله حيث يفقد الجسد الروح الحقيقية. فالمعاني هنا خلقت حالة شاعرية لها سوداويتها التي تتصف بالإيحاءات المحتشدة بين الموت والظل، والنوم والرفق بالعظام وعشرون دمعة مضيئة، وبخاصية حالة تهيمن على الفكرة التي انطلق منها بمنطق حداثوي، وبنسج ذي طرائق خاصة وفق تجربته اللاشعورية في انطلاقة الشرارة الأولى الشعورية، وكأن الزمن هو حلم يستعيده ليؤرخ بذلك ولادة قلب العقرب الذي انطوى يحاكي ورقته بحرف وقلم.

ماء القلب، وورق العاطفة، ووقائع ساخنة، وعناصر وجدانية لها مدلولاتها في ديوانه المشحون بألفاظ تحمل رؤى زمنية، لخلق ما لا يُرى من مستقبل يستعد لتكوينه في مخيلة القارئ وعقل الشاعر معًا، مما يتناسب مع القصيدة التي يخبر عنها، لأن الوصول إلى قصيدة واحدة كرؤية مدن كثيرة مجتمعة. وكان القصيدة هي تبر يبحث عنه ليصوغه وفق حالة جوهرية تتصف بالجمال المطلق أو الحقيقة التائهة التي وجدها قبل فوات الأوان. وهذه الحالة لا يشعر بها إلا الشاعر نفسه، معتمدًا على قوة المعرفة والمخزون الثقافي، وكأنه السائح في المعاجم والمتحرر بالفكر من الأهواء العابرة. فهو الذي يغوص في الذاكرة ليستنبش كل مؤثرات تكوينه كشاعر يحمل في كلماته حكايات قلب العقرب.

في ديوانه قلب العقرب يجسد الشاعر "محمد حلمي الريشة" سيرته لتصبح القلب المتجدد عند كل قراءة، بإمكانات فنية تتفاعل مع فعل القراءة، وبما يتواءم مع الذكريات التي يطويها تباعًا، كأنه يحيي تاريخه الشعري في لحظات موسيقية هي سوناتا القلب المتعلق بالشعر ولغته المواكبة لأحداث عاصفة في حياته، لتترسخ في الذهن تفاصيل تنويرية ذات مبدأ تمسك به، وشدد عليه، وبتركيز ذي معطيات تعيد إحياء الماضي ليناقش به بل ويحاور أستاذه صاحب مقولة "الكتابة فرح"، لأنه في حالات الزمن اكتسب التنوير من قراءات استمدها من الغرب والشرق معانٍ، وتأثيرات عكسها كفلسفة استنتاجية، بل هي لسان احتراق كما يصفها تترك في النفس دهشة وقصصًا تُروى في الحياة الخارج منها والحاضر فيها دون تبديل للواقع، وإنما بتدوير دلالي ونفسي ومخاوف أبرزها انقطاع الطمث الشعري. حقيقة الديوان لا يمكن حصرها بمقالة واحدة، لأنه سيرة شاعر حافلة بالأحداث أو بمراحل تكوينه الشاعرية التي يندهش لها ويتركها للقراء بعد تمكنه من القصيدة، وعجزه عن خلق القصيدة المستحيلة التي ينتظرها لتداهمه، فيضبط إيقاعها ويشدها من أبطها دون الحصار البغيض لتتحول الصورة الشعرية إلى سيرة كل شيء فيها يستدرج القارئ إلى بدايات الشاعر "محمد حلمي الريشة" وقصيدته الأخيرة المنتظرة التي بدت ملامحها في نهاية الديوان.

برؤية أخرى في عالم الشعر، يجد كل شاعر وسيلته الفريدة للتعبير عن تجاربه وأفكاره ومشاعره، و"قلب العقرب" للشاعر محمد حلمي الريشة يعد من أبرز الأعمال التي تلتقط نبض الوجود الإنساني وتغوص في عمق التجربة الشعرية. يسعى الريشة من خلال هذا الديوان إلى تحقيق هدف شعري يتجاوز حدود الأشكال التقليدية للشعر، مستفيداً من أبعاد اجتماعية وفلسفية تعكس فهمه العميق للحياة والوجود.

يتناول الريشة في ديوانه "قلب العقرب" قضايا اجتماعية وفلسفية تتجسد في صورة رمزية عميقة. فالعقرب، الذي يتكرر كرمز رئيسي في الديوان، ليس مجرد حشرة قاتلة بل يشير إلى التحديات والصعوبات التي يواجهها الإنسان في حياته. يمكن تفسير هذا الرمز على أنه تجسيد للصراع الداخلي والخارجي، وللتجربة الإنسانية التي تتأرجح بين الأمل واليأس. يعكس الريشة من خلال هذا الرمز كيف أن الأفراد في المجتمع يواجهون لحظات عصيبة تتطلب منهم الصبر والقدرة على التكيف.

يسعى محمد حلمي الريشة إلى استخدام السرد الأدبي لإبراز تجاربه الشخصية وتصوراته عن العالم. من خلال لغة شعرية غنية بالتشبيهات والاستعارات، يقوم الريشة ببناء سرد يتناول رحلة الشاعر الذاتية مع العالم الخارجي. في ديوان "قلب العقرب"، يتنقل الريشة بين عوالم متعددة—من تأملات شخصية إلى تجارب حياتية واسعة، مستفيدًا من أساليب سردية تجعل القارئ يلمس عمق كل تجربة.

الهدف الشعري الرئيسي للريشة في "قلب العقرب" هو تحقيق نوع من الفهم العميق للوجود الإنساني من خلال شعره. يهدف إلى الجمع بين الأبعاد الجمالية والفلسفية ليقدم للقراء تجربة شعورية وتفكيرية فريدة. يبرز الريشة استخدامه للرموز والأساطير والموروثات الثقافية كوسائل للتعبير عن رؤاه الشخصية حول قضايا مثل الحب، الألم، والموت. يعكس ديوانه سعيه لخلق صلة بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي، مما يعزز من قيمة الشعر كوسيلة للتواصل والتعبير عن أعمق المشاعر والأفكار.

يركز الريشة على خلق تفاعل عاطفي مع القارئ من خلال نصوصه الشعرية. استخدامه للغة التصويرية والاستعارات الغنية يجعل القارئ يتفاعل مع النص بشكل شخصي. في "قلب العقرب"، لا يقدم الريشة مجرد وصف للأحداث أو المشاعر، بل يعمق من التجربة الشعرية ليجعل القارئ يشارك في الرحلة التأملية التي يخوضها. من خلال هذا التفاعل، يسعى الريشة إلى تحقيق تجربة شعرية تظل عالقة في الذهن وتثير التأملات حول طبيعة الوجود والإنسانية.

يمكن اعتبار "قلب العقرب" أيضًا كعمل يحمل بعدًا ثقافيًا وفلسفيًا عميقًا. يعكس ديوان الريشة تفهمًا واسعًا للموروثات الثقافية والفلسفية التي يدمجها في شعره، مما يعزز من قيمة عمله كوسيلة للتفكير العميق حول مسألة الخلود، الهوية، ومكان الإنسان في الكون. يتعامل الريشة مع هذه القضايا من خلال نصوص تجمع بين الجماليات الأدبية والتحليل الفلسفي، مما يضفي طابعًا مميزًا على عمله الشعري.

في النهاية، "قلب العقرب" هو ديوان شعري يتسم بالعمق والتنوع، يعكس رحلة الشاعر محمد حلمي الريشة من خلال رموزه وتجربته الشخصية. ينجح الريشة في تقديم رؤية شعرية تتناول القضايا الاجتماعية والفلسفية بموضوعية وانطباعية أدبية، ما يجعل من هذا الديوان عملاً شعريًا يستحق التأمل والدراسة. من خلال تقديم شعر يتجاوز الحدود التقليدية، يعزز الريشة من مكانة الشعر كوسيلة للتعبير عن أعمق المشاعر والتفكير الفلسفي حول الوجود والإنسانية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol