اضطراب ما بعد الصدمة في فيلم "Disorder" للمخرجة Alice Winocour

ضحي عبدالرؤوف المل

تضعنا المخرجة "أليس وينوكور" (Alice Winocour) في فيلمها "Disorderاضطراب ما بين الواقع والخيال، وحدود النفس الإنسانية غير القادرة على الشفاء من اضطرابات ما بعد الحرب والصدمات النفسية التي ترافق الجندي أو المحارب الذي انتقل من أرض الحرب إلى أرض أخرى تفوح بالشك والخوف والترقب من المجهول الذي ينتظره الإنسان بشكل عام، ويحمل معه رائحة القتل التي أدمنها في الحروب. فهل استطاعت المخرجة "أليس وينوكور" التقاط أدق التفاصيل النفسية التي تمر في حياة المقاتل أو الجندي المشارك في الحروب، لإبراز قوة الواقع وحدسية التخييل في المواقف الحياتية التي تحتاج إلى اندماج بعد مضي فترة طويلة بين الحروب التي فرضت نفسها على الجندي الغربي بشكل عام؟

اقترنت الموسيقى التصويرية مع حيثية التقاط الأصوات التي تناغمت مع التعبير الصوتي الموسيقي، لتتكامل الصورة حسياً ومعنوياً مع موسيقى تصويرية نجحت في التقاط جزئيات الصوت التمثيلي أو التعبيري الموسيقي. إن صح القول، وإن شئنا فهم قوة الموسيقى التصويرية ودورها الذهني الفعال في إكمال المشهد بأركانه كاملة، ليكون المشهد انطباعياً واقعياً وتخليلياً، لتعكس الحالة الداخلية للشخصية، والابتعاد عن الدور التمثيلي الذي يُؤدى بمعزل عن الداخل من حيث قدرة المخرج في استخراج لب الشخصية التمثيلية وجوهرها، لتكون حقيقة متخيلة نابعة من النص أو السيناريو، وفاعلية الحوارات الصامتة أو تلك التي تضج بالحركة الذاتية المرسومة بتقنية سينمائية ذات استدارات تضع المشاهد بمواجهة شكوكه الشخصية مع شكوك بطل الفيلم الرئيسي، والاقتناع بمؤثرات الحدث المتخيل أو المنتظر أو المجهول. فهل الترابط السينمائي هو ناتج معادلة النص والممثل والمخرج ودورهم في النجاح أو الفشل؟

أحداث من نتاج الخيال تحتاج إلى دقة نفسية في استخراج الجزء من الكل، وبالعكس من العقلانية إلى الخوف اللاعقلاني والتصرفات المشحونة بالهوس الانفعالي، الناتج عن تأثيرات نقشت أحداثها في النفس التي تعاني من يوميات الحروب التي عاشتها مع الإحساس بالخوف والشك من محيط يراه بطل الفيلم محفوفاً بالمخاطر التي رافقته طيلة فترة مشاركته بالحروب. فهل الحروب تنتهي أبداً، أم تحمل انعكاساتها تأثيرات سلبية على نفوس أصيبت بالاضطرابات وتعاني من الهوس التخيلي على أرض الواقع؟

اعتمدت المخرجة "أليس وينوكور" التقاط الجوانب الحسية في الفيلم معتمدة على قوة إدراك الممثل، وفاعلية الموسيقى التصويرية وتقنيتها الدقيقة في تكوين الصورة للقلق النفسي واضطرابات أخرى هي من تكوين الشخصية الأساسية الداخلية، وبنبرة الأنفاس المنخفضة، التي لا يشعر بها إلا الإنسان نفسه عند الإحساس بالخوف أو عند ارتفاع نسبة الأدرينالين وارتفاع دقات القلب التي تؤثر على الأداء التنفسي. وهذه ميزة حسية سينمائية في الفيلم، رغم أنها ليست بالجديدة في العالم السينمائي، إنما استطاعت المخرجة "أليس وينوكور" رفع أهميتها في المشهد لتكون بمثابة موسيقى تصويرية تستخرج من خلالها الأداء التنفسي الذي يرافق حالات الاضطراب والتفاصيل الدقيقة بعواملها النفسية المدروسة في المشاهد الاندفاعية التي تترجم مؤثرات الحروب على الجنود قبل الآخرين، وانعكاساتها على مستقبلهم الذهني المرتبط بهلوسات النفس رغم إدراكها للأخطاء. فهل استطاعت "أليس وينوكور" حبك المشاهد بفنية التعاطي التمثيلي التصويري الموسيقي بعيداً عن التقنيات الأخرى؟

الفيلم من بطولة ماتياس شونارتس (Matthias Schoenaerts) ودايان كروجر (Diane Kruger)، إذ بدا الانسجام التمثيلي بينهما ملموساً بنسبة عالية، لتتداخل المعاني التمثيلية مع المؤثرات التصويرية والتقنية الموسيقية، حيث تكاملت هذه الثلاثية مع الشخصيات عامة من حيث الإقناع، ونسبته العالية في نفس المتلقي، مما يرفع من جمالية الفيلم سينمائياً. ليرتقي الموضوع المحمل بدراسات نفسية إلى الأهمية في الفيلم من حيث المعالجة الدرامية، الصحيحة من قبل المخرج وكاتب السيناريو أو بالأحرى كاتب القصة بواقعيتها، وتخيلاتها المشدودة مرئياً بموضوعية فنية وفكرية وحتى فلسفية. فالمعالجة الدرامية توازنت مع المعالجة التصويرية وتوحدت العناصر الأخرى معهما بديناميكية إخراجية تخطت الأبطال في الفيلم، وكان للكاميرا دورها الحركي التمثيلي في التقاط أدق التفاصيل في الجوانب والخلفيات، وحتى في الوجوه والجسد مع فواصل أو استراحات تعيد للبصر قوته في اكتشاف التفاصيل الأخرى الأكثر قوة في الفيلم رغم وجودها بشكل ثانوي مع الأساسيات الأخرى.

عمق ملموس في دراسة شخصية البطل الهارب من ذاته، ومن الماضي نحو الواقع والمستقبل، وإنما بصحبة ذاكرة ممتلئة بالشك والخوف، وهو الذي عليه مرافقة امرأة يحاول حمايتها حتى من نفسه. إذ يتجلى الاضطراب المرضي في الكثير من المواقف التي يتعاطف معها المشاهد بعقلانية تحكمها منطقية الحدس السينمائي المتغلغل في بناء المشاهد حوارياً وتصويرياً أو تمثيلياً، للارتقاء بالهدف الموضوعي للفيلم، وهو تأثيرات الحرب الخطيرة على المقاتلين ونتائجها السلبية فيما بعد على حياتهم العامة والخاصة. وبرؤية نفسية وفنية استطاعت المخرجة "أليس وينوكور" الإمساك بالشخصيات وإظهار الصراعات الداخلية والخارجية عبر الحركة المتقنة تصويرياً وتمثيلياً لطرح الأفكار بتساؤل يؤدي إلى تحليلات تشمل الشخصية الأساسية ومعاناتها بالدرجة الأولى والمحيط العام الذي يعيش فيه جندي الحرب المضطرب في سلوكياته المحكومة بالنفس التي تتخبط بين الماضي والحاضر والمشترك بينهما.

برؤية أخرى تحديثية فيلم "Disorder" للمخرجة أليس وينوكور يعدّ عملاً سينمائيًا متقن الصنع يجمع بين القلق النفسي، والجمالية البصرية، والتعبير الفني العميق. يتناول الفيلم موضوع اضطراب ما بعد الصدمة من خلال قصة الجندي الذي يكافح للتأقلم مع حياته الجديدة بعد عودته من الحرب. وتبرز رؤية وينوكور الإخراجية بوضوح في تقديم هذا الصراع الداخلي والخارجي بأسلوب متميز.

في جوهره، يعالج الفيلم موضوعات معقدة تتعلق بالصراع الداخلي والاضطراب النفسي الذي يعاني منه بطل الفيلم. الدراما تنبثق من التحديات النفسية والجسدية التي يواجهها الجندي، مما يجعل التفاعل بينه وبين الشخصيات الأخرى، وخصوصًا تلك التي يحاول حمايتها، محط التركيز. السيناريو يعرض لحظات مكثفة من التوتر والصراع، ويتجلى بوضوح في أداء الممثلين وتطور الشخصيات. درامياً، يُقدّم الفيلم رواية ذات طابع مشدود ومثير، حيث تُبنى الأحداث على أساس النفوذ العاطفي وتأثير الحرب على الشخصية الرئيسية.

أعتمدت أليس وينوكور على جماليات بصرية دقيقة لتصوير القلق النفسي والتوتر. استخدام الإضاءة واللون في الفيلم يعكس الحالة العاطفية للبطل بشكل مؤثر. الكاميرا تتنقل بسلاسة بين المشاهد الحميمية والتفاصيل الدقيقة، مما يعزز الإحساس بالانغماس في عالم الشخصية الرئيسية. المشاهد التي تصور الاضطرابات النفسية تستخدم تقنيات تصويرية مبتكرة تعزز من جمالية الفيلم، بما في ذلك تقنيات التصوير القريب والتباين بين الضوء والظل.

التعبير في الفيلم يتجلى من خلال الأداء المتقن للممثلين، الذين نجحوا في نقل مشاعر الخوف والقلق بشكل مقنع. موسيقى الفيلم التصويرية تضيف بُعدًا إضافيًا للتعبير العاطفي، حيث تنسجم مع الأداء التمثيلي لتعكس الحالة النفسية للبطل. إضافة إلى ذلك، استخدام الموسيقى التصويرية يعزز من قوة المشاهد ويجعلها أكثر تأثيرًا، مما يساهم في بناء تجربة مشاهدة شاملة.

أليس وينوكور كإخراجية تبرز براعتها في خلق تجربة سينمائية تتجاوز القصة التقليدية لتغمر المشاهد في عمق النفس البشرية. تقنياتها في بناء المشاهد واختيار الزوايا والتكوين تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الشخصيات وصراعاتها الداخلية. استخدام الكاميرا بمهارة، جنبًا إلى جنب مع تحرير دقيق، يساهم في تقديم تجربة بصرية وحسية متكاملة.

فيلم "Disorder" هو شهادة على القدرة الإخراجية لأليس وينوكور، حيث ينجح في تقديم تجربة درامية وفنية متكاملة تعالج موضوعات معقدة مثل اضطراب ما بعد الصدمة بطريقة عميقة وجمالية. توازن الفيلم بين الأداء التمثيلي، والموسيقى التصويرية، والتقنيات البصرية يساهم في خلق عمل سينمائي مؤثر وجذاب.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol