هذا ما أراده المخرج "جاك أوديارد" في فيلمه "ديبان" (Dheepan).
ضحى عبد الرؤوف المل
بؤس العالم الثالث ولغة العنف التي باتت في كل بقاع الأرض دون استثناء، حتى تلك المدن الآمنة التي ترى وتقرأ وتسمع عن الحروب والويلات المفتوحة على صراعات مختلفة. يعالجها دراميًا المخرج "جاك أوديارد" (Jacques Audiard) مع الكاتب "نوي ديبري" و"توماس بديغان" بفاعلية الحوارات الناطقة بلغة سينمائية محبوكة بمشاهد استطاع "جاك أوديارد" التحكم بها للتناغم الملموس بين أفراد الفيلم من المخرج والكاتب وصولًا إلى الممثلين وباقي أفراد الطاقم السينمائي للفيلم، من حيث قيمة المشهد ومعناه وقدرة الإحساس الظاهرة على الوجوه، خصوصًا عند ارتفاع وتيرة المؤثرات التي يمنحها بطل الفيلم الذي قام بدوره بتميز وبترادف مع الشخصية التي تقمصها. وهي جندي سابق شق طريقه من سريلانكا إلى باريس مع امرأة وفتاة شابة متظاهرين بأنهم عائلة من أجل الحصول على اللجوء السياسي. لتبدأ المفارقات المؤدية إلى الدخول في معاناة اللاجئين المخفية في بعضها عن العالم المتقدم، وهذا ما أراده المخرج "جاك أوديارد".
ماذا لو توقفت الحروب في العالم الثالث واستطاعت الدول المتقدمة إعادة بناء الإنسان كما هي الحال في هذا الفيلم بين عائلة لا ينتمي أفرادها إلى أسرة حقيقية، إنما استطاعوا منح أنفسهم لحظات سلام داخلي. فأحاسيس الإنسان لا تستعصي على فهم الإنسانية القادرة على بناء العالم تبعًا لمفهوم الحياة الذي أراد إظهاره المخرج "جاك أوديارد" بعد أن لمس بفيلمه الدرامي عوالم الجريمة وعوالم الحس الإنساني النابع من قوة المخاوف ومعاناة الشعوب التي تتطلع إلى تحقيق العدالة الإنسانية والكف عن الحروب. فماذا لو عاش العالم كأسرة واحدة مثل أسرة الفيلم التي استطاعت تحقيق أهدافها وجعلتنا نتطلع إلى حياة الشعوب في العالم الثالث؟
استطاع سيناريو الفيلم تقديم مشاهد غنية بالإيجاز السهل الممتنع، وبترغيب اختصاري يعتمد على تعبيرات كل ممثل وقدرته على خلق المعنى وفق الحدث والمغزى، والتأثيرات المتصلة بقدرة شخوص الفيلم على وضعنا أمام حقيقة حياتية قبل السينمائية، وبصدق حسي في المشاعر المختلطة: الفرح والألم والحزن والسعادة والموت والحياة واللجوء والاستقرار، وصعوبة التواجد في مجتمع لا تنتمي إليه اجتماعيًا. إنما الانتماء هو إنساني يحتاج إلى تناغم كلي مع الوجود الذي فرض نفسه على الأسرة.
"أنتم الآن هي هذه العائلة" بداية تترجم الاضمحلال في المجتمعات التي تموت فيها الأسماء وتحيا الأشخاص هربًا من القوة والعنف. لتكون المرأة والابنة مجرد بطاقة لجوء للدخول إلى المكان الأكثر دفئًا وأقل خطرًا من آلة الحرب الهوجاء. ولكن ماذا عن الإحساس بالغربة داخل الأسرة، وماذا عن العشرة الطيبة والأخلاق التي نحتاجها في مجتمعات امتلأت بالفساد والحروب؟ وهل اللجوء هو وسيلة الإنسان لتحقيق ذاته والعيش بكرامة كأسرة تناضل من أجل الحياة؟
عندما تتعرض للدخول في حرب، قد تقع في تذبذبات تجعلك غير قادر على التفكير الصحيح في توجيه الدفة لاستمرار الإبحار في الحياة التي فرضت نفسها على شعوب رازحة تحت الحروب وويلاتها. إذ يتكئ المخرج على الحدث الأساسي وما يتفرع عنه من موضوعات وضعتها تحت عدسة التصوير التي استطاعت منح الصورة جمالية مضافة للفيلم، حيث لم يعتمد على التصوير وتقنيته المتطورة بشكل يجعل من المتلقي يشكك في الحدث نفسه. بل! استطاعت أبعاد الصورة خلق خلفيات مؤثرة ببساطتها وكأنها دون ديكور أو إضاءة، إنما تم التقاطها من مشهد اقتطعه المخرج من الحياة أو من تفاصيل ويوميات عائلة تسعى إلى إيجاد الموطن الصحيح لها. فهل أراد "جاك أوديارد" الدخول في متاهة الحرب الأهلية في سريلانكا والخروج منها لاجئًا؟ أم إنه يقدم نموذجًا من عائلات كل طموحها هو الحصول على سكن لتحيا بسلام؟
برؤية أخرى فيلم "ديبان" للمخرج "جاك أوديارد" هو تجربة سينمائية فريدة تأخذنا في رحلة عاطفية وعقلية إلى عمق معاناة اللاجئين وتفاصيل حياتهم الجديدة في بلد بعيد. يقدم "أوديارد" من خلال هذا العمل تصورًا مثيرًا لتحديات العنف والهويات المتعددة، معززًا بصور حية وواقعية تجسد التجربة الإنسانية بأقصى درجة من الصدق والتعاطف.
تدور القصة حول "ديبان"، جندي سابق من سريلانكا، الذي يهرب من الحرب الأهلية ويصل إلى باريس مع امرأة وفتاة شابة، متظاهرين بأنهم عائلة للحصول على اللجوء السياسي. تبرز القصة الصراعات الداخلية والخارجية التي تواجهها هذه العائلة المزيفة، مما يسفر عن استكشاف عميق لتجربة الاغتراب وبحثهم عن الاستقرار في مجتمع غير مستعد دائمًا لاستقبالهم بشكل إيجابي.
يتسم السرد الدرامي بتطور بطيء ولكنه محكم، مما يتيح للمشاهدين التفاعل بعمق مع الشخصيات وفهم تطوراتهم النفسية والاجتماعية. يتناول الفيلم التوترات الناتجة عن محاولة التأقلم مع الحياة الجديدة في بيئة غير مألوفة، وكيف تتفاعل كل شخصية مع هذه البيئة بطريقة فريدة تعكس الصراع الداخلي والخارجي.
"جاك أوديارد" يتقن فن الإخراج بمهارة، حيث يخلق توازنًا بين مشاهد العنف والأمل بطريقة تضيف عمقًا إلى السرد. استخدامه للكاميرا يتسم بالدقة والابتكار، حيث يعكس القسوة والألم من خلال لقطات قريبة تعكس التعبيرات العاطفية للشخصيات، وفي الوقت نفسه، يستخدم زوايا واسعة لإبراز بيئة العنف التي يعيشون فيها. الذي كتب بالتعاون بين "أوديارد" و"نوي ديبري" و"توماس بديغان"، يتميز بالحوار المحبوك الذي يعكس التوتر والقلق بطريقة مؤثرة. الكتابة ليست مجرد وسيلة لنقل القصة، بل هي عنصر أساسي في بناء الشخصيات وتطويرها، حيث تقدم حوارات مكثفة تبرز الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات.
التصوير الفوتوغرافي للفيلم يساهم بشكل كبير في نقل الأجواء القاتمة والواقعية التي تسود القصة. تساهم الإضاءة والإطار في تعزيز الإحساس بالقلق والتوتر، مع التركيز على تفاصيل بسيطة تعزز من تأثير المشاهد. الصورة ليست مجرد خلفية، بل هي عنصر سردي يساهم في تعميق التجربة الدرامية.
يتميز الفيلم بأسلوب بصري يوازن بين الواقع والرمزية. الألوان القاتمة وظلال الضوء تعكس التوتر والتحديات التي تواجه الشخصيات، بينما تعزز المشاهد التلقائية من الإحساس بالواقعية. هذا الأسلوب البصري يعكس الحالة النفسية للشخصيات ويعزز من تجربة المشاهدة.
الأداء التمثيلي في "ديبان" متقن ومؤثر. يجسد الممثلون الشخصيات بأقصى درجات الصدق والعمق، مما يسمح للمشاهدين بالتواصل العاطفي مع معاناتهم وتطلعاتهم. القدرة على التعبير عن التعقيدات النفسية والعاطفية تجسد بوضوح من خلال الأداء البارع لكل من الممثلين الرئيسيين والثانويين.
يستخدم "أوديارد" في هذا الفيلم لغة سينمائية تعبيرية تعكس التوتر العاطفي العميق، بدءًا من مشاهد الصراع والتمزق إلى لحظات الأمل والتجدد. يعكس الفيلم ببراعة الصراع الداخلي للشخصيات والبحث عن الهوية والانتماء، مما يجعل المشاهد يشعر بالتعاطف والارتباط العاطفي مع الشخصيات.
"ديبان" ليس مجرد فيلم عن العنف والهجرة، بل هو تعبير عن معاناة البشر ومحاولاتهم للعثور على السلام في عالم مليء بالتحديات. يعكس الفيلم من خلال شخصياته ومواقفها النقد الاجتماعي العميق حول قضايا اللجوء والاندماج في المجتمعات الغربية، مما يضيف بُعدًا إنسانيًّا للتجربة السينمائية. في الختام يقدم فيلم "ديبان" تجربة سينمائية غنية ومؤثرة تجمع بين التعقيد الدرامي والعمق الفني، مما يجعله عملًا يستحق التقدير والدراسة من جوانب متعددة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol