السرد الفني المتوهج تشكيليًا بالألوان

ضحى عبدالرؤوف المل

تفوح التأثيرات الشرقية من أعمال الفنان كريستوف بارون (Christoff Baron)، وبنكهة روائية يستخرج منها المعنى بأسلوب يتناقض مع خامة الخشب التي تحتضن رسوماته ذات المشاهد المبنية أدبيًا على حبكة بصرية دافئة وجدانيًا. إذ تمنح القطع الخشبية التي يرسم عليها نوعًا من السرد الفني المتوهج تشكيليًا بالألوان، وبعصور تتشكل تبعًا لخياله الفعال في إيضاح الحركة على قطع خشبية تشبه إيقاعات الماضي وموسيقى الحاضر وسمفونية المستقبل، القادرة على جمع الأزمنة في عمل يمكن تقسيمه إلى وحدات بصرية يتلاعب بها كريستوف بارون بمهارة ودقة وبتأثيرات روحية تبثها خامة الخشب المعتقة مع الألوان والرسوم والحركة المتفاوتة في تطلعاتها، ليترجم بذلك المشهد وفق إخراج ريشة ديناميكية تجمع العاطفة والعقل في وجدان اللوحة الجاذبة للمتلقي والمثيرة للدهشة في آن.

يختار الفنان كريستوف بارون أدواته الفنية بما يتناسب مع الحجم والمساحة، والتوزيع النسبي أو المتقطع، حيث يستطيع تركيب الشخصيات تبعًا للحدث التاريخي المتخيل أو من عبارات استطاع تكوينها لونيًا، حيث تتلاشى التفاصيل الأخرى للسرد الفني الذي يتبعه بصريًا بأسلوب اختزالي يسلط الضوء من خلاله على الموضوع بتصويرات إيمائية مختصرة. وكأنه على خشبة مسرح يقوم بفن الإخراج المسرحي القديم، وبتحديث درامي أو وثائقي في بعض منه، وكأنه يخطف لحظة الحوار في ومضة تشكيلية مؤثرة سرديًا لها سهولتها وتعقيدها. إذ تحتاج الومضة الفنية في لوحاته إلى دراسة عميقة مستخلصة من الحياة الإنسانية والروح البشرية المنبعثة من قدرات اللون في محاكاة الحس الجمالي والتحاور معه بتخليد شخصيات لوحاته في لحظة تم تحريكها في جمود يبهر الحس التناقضي عند المتلقي.

يلعب الفنان كريستوف بارون على العنصر الرئيس في لوحاته، وهو القطع الخشبية والألوان، أما الشخصيات، فهي الذات التي يعيد وجودها مخافة اندثارها من الذاكرة، ليضعها بصريًا وفق مراحل جمالية لها مساحاتها الخاصة، وأحجامها المتناسبة مع الطول والعرض، وبنسبة توزيع تكاد تتوازن مع نوتة موسيقية تجذبنا لما وراء المشهد الذي يضعه ضمن أطر الخامة وأهدافها، وبحس تقني تركيبي منسوج كليًا، أي من الجزء إلى الكل وبالعكس، وضمن مصداقية المنظومة الأدبية أو الروائية أو القصصية أو المشهدية التي يعيد لها الحياة، لتكون بمثابة لوحة خرجت من الذاكرة الفنية إلى الذاكرة البصرية الأكثر جمالًا في وجودها الحسي والمادي.

يمتلك الفنان بارون لغة سردية حكائية في تطلعاتها نحو المشهد البعيد، والقدرة على تشريحه تخيليًا، ليكون بمثابة إيقاعات متلاصقة ومتباعدة وبلمحة عابرة من حيث الإبحار في المشاهد التي يقدمها شكلًا ومضمونًا وأسلوبًا له أهدافه الفنية. والأهم من ذلك كله الخامة واللون، أي القطع الخشبية وجمالها الحسي والمادي، المثير للعاطفة الزمنية التي تنطوي على تأثير شرقي، ربما ناتج عن تطلعات الفنان إلى التميز والنظرة النابضة بالحياة. إذ تتنوع الشخصيات وتتقاطع إيماءاتها التعبيرية عبر موسيقى اللون بحرارته وبرودته وتدرجاته، وكأنه العازف المنفرد المتكئ على بنية الإيقاعات اللونية والخطوط والتكوين المتمسك بعدة مستويات تتنافر من خلالها المفردات الجمالية وتتوافق ببساطة وسهولة عند ربط علاقات المعنى بالشكل من حيث قيمة الأبعاد البصرية وانزياحاتها التشكيلية الزاخرة بلغة سردية تعتمد على استحضار المشهد لترتقي التعابير مع المشهد الذي يبثه تجديدًا فنيًا يعمم من خلاله العناصر الفراغية الصامتة، فاللوحة الفنية الواحدة هي أجزاء اجتمعت لتواكب الرؤية بشكل عام، وبكشف توصيفي له قدراته الغامضة في استخراج الزمن وإعادته إلى الحياة لتحقيق الفهم الإنساني الممتد من الإنسان الأول حتى الآن.

برؤية أخرى أعمال كريستوف بارون تثير انطباعًا قويًا من خلال الجمع بين التأثيرات الشرقية والتقنيات التشكيلية الحديثة. تأتي هذه الأعمال بمزيج فريد من الألوان والخامات، مما يجعلها تجربة بصرية متعددة الأبعاد. ينعكس تأثير البُعد الزمني والإيقاع في استخدام الخشب كخامة أساسية، وهو ما يضيف عمقًا ودفءًا لتصاميمه، مشكلًا بذلك لوحة متكاملة تروي قصصًا عاطفية وجمالية.

يستفيد بارون من الخشب كوسيلة لخلق مشاهد سردية ذات طابع شرقي، حيث أن خامة الخشب تتيح له تقديم مشاهد ذات طابع دافئ ومتشابك مع الألوان التي يختارها. الموضوعات التي يتناولها تتنوع بين خيالية وتاريخية، مما يساهم في خلق تباين مثير بين الأشكال والتقنيات المستخدمة. هذه التباينات تعمل كإيقاع بصري يمزج بين الأبعاد الزمنية والتعبيرية، ويجعل كل قطعة تحمل قصة خاصة.

الأعمال الفنية لكريستوف بارون تدعو المشاهد إلى الغوص في عالم داخلي معقد. يُظهر إيقاع الألوان والحركة في لوحاته تأثيرًا عميقًا على المشاعر والتفكير. يتمكن من خلال تباين الألوان وتدرجاتها أن يعكس مشاعر متعددة، من الدفء والحنين إلى التوتر والانفعال. هذا التنوع يعكس الحيرة والبحث المستمر في النفس البشرية، ويجعل العمل الفني تجربة نفسية فريدة.

يتميز بارون بإتقانه لتقنيات السرد البصري واستخدام الألوان. يسعى دائمًا لخلق توازن بين العناصر المرئية والتكوينات الحركية على الخشب. الألوان التي يختارها ليست مجرد خلفيات، بل هي جزء من الإيقاع البصري الذي يعزز التجربة البصرية. تتناغم الألوان والخطوط بشكل مدروس، مما يخلق تناغمًا وتباينًا يتماشى مع الموسيقى البصرية للأعمال.

يبرز الإيقاع البصري في أعمال بارون من خلال التباين بين الألوان والخطوط وتوزيع العناصر في اللوحة. يعكس الإيقاع البصري تفاعل الشخصيات والألوان بشكل يتناغم مع الإيقاع الموسيقي، حيث يكون هناك تنقل مستمر بين الأجزاء المختلفة للعمل، كما لو كانت قطعة موسيقية مرسومة. يمكن ملاحظة كيف يتغير الإيقاع من جزء إلى آخر، مما يضفي حيوية وديناميكية على العمل الفني. هذا التنقل يجعل المشاهد يتفاعل بشكل غير مباشر مع العمل، مستشعرًا إيقاعه الخاص وإيقاع المشهد.

تُعتبر أعمال كريستوف بارون تجربة بصرية شاملة تنطوي على إيقاع بصري يعكس تناغمًا بين الخامات والألوان والمواضيع. فهي تجمع بين الانطباعات العاطفية العميقة والإيقاع الفني المتقن، مما يجعل كل عمل فني يعبر عن قصة متعددة الأبعاد تستدعي التأمل والتفاعل من قبل المشاهدين. إن قدرة بارون على الدمج بين العناصر الفنية والنفسية تجعله فنانًا مميزًا، قادرًا على خلق تجارب بصرية فريدة تلهم وتثير التأمل.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol