مفهوم التضاد وفق التغيرات المثيرة للرؤية
ضحى عبدالرؤوف المل
ترتفع قيمة اللون في أعمال الفنان هادي قاصوص (Hadi Kassous) عندما يجاور اللون لونًا آخر، وكأنه يتنافس مع البصر عندما تتجانس المعاني المستترة بتساوٍ مع النسب اللونية التي يوزعها بتقنية تجذب الانتباه إلى امتداد الظل بين الغوامق والفواتح، ليتكون مفهوم التضاد وفق التغيرات المثيرة للرؤية، والمؤثرة في تكوين اللون وكنه الخط، لتبدو الرسومات عميقة في مؤثراتها البصرية الخادعة أحيانًا. إذ يحتاج المتلقي للمزيد من التأمل والصمت، حيث يتلاعب الفنان هادي قاصوص بالإحساس بالعمق، ليكتشف الرائي الأشكال الغارقة بالعاطفة، المشتعلة وجدانياً، وضمن فلسفة الوجود واللاوجود دون الاقتراب من العدم، ليستبدل لغة الحروب بلغة الفن والجمال ولغة الموت بلغة الحياة، ولكنه يترك فسحة الحزن بين طيات ألوانه، كماضٍ يهرب منه نحو مستقبل يعيد للطفولة بهجتها، ويعكس وجه الإنسانية بخلفيات تتكرر فيها التوهجات والخفوت، لتكون ضمن مفهوم التباين أو التضاد أو الانعكاسات البصرية المؤثرة على النفس وعلى التلاشي والانكماش اللوني.
ألوان ساخنة وباردة وحيادية كضباب يلفه بتنبؤات ربما! هي نوع من التخوف. إذ تبدو في دلالاتها الرمزية تقترب من السريالية الشفافة وتنفيها إلى التجريد، فالتعبير باللون واللجوء إلى الإيحاء المضموني من خلال الأسلوب الشاعري، لتكون أقرب إلى البصر من المعنى المستتر خلف الفواصل الفنية البارزة عند اختلاف النسب اللونية المتقاربة والمتباعدة، والمتمسكة بالتوحد والارتباط حيث تتصف اللوحة بمساحة. لتركيبات لونية دقيقة في حركتها المتوافقة مع الرؤية التي يبثها شجونه، وتعلقه بالأمل من خلال بهجة اللون الساخن، المختلط بتقارب ذي تكنيك خاص يعتمده الفنان هادي قاصوص في أغلب لوحاته المرتبطة بكنه اللون والمعنى في آنٍ واحد.
يضرب الفنان هادي قاصوص اللون، ليتشارك بتوافق مع الألوان الأخرى، وكأنه يؤلف المشهد الحسي بسلاسة وغضب، وبتأثيرات نفسية مختلفة تتعلق بلحظة الرسم والتفاعل معها، لاستخراج المكنون الفني أو تحديد المكنون اللوني البصري، ليعيد للوحة فيما بعد معانيها الجمالية، ويعطيها تأثيرات ضوئية خاصة، وبتنويع بين التماثل والتناظر، وحتى التقابل أو بالأحرى جمالية الألوان المتقابلة، والمتقاربة وحتى المتناقضة في جزء منها عن طريق إضافة ميزة خاصة في لون يتمسك به، ويتركه كعلامة تعجب في لوحاته.
تتبادل الأجيال أطوار الحياة في لوحات قاصوص كما تتبادل الألوان درجاتها وتركيباتها وامتزاجها، وكأنه يغزل المشهد ضمن مراحل معتمة ومضيئة متفائلاً بمراحل حياتية قادمة على الإنسانية التي تعاني من فقدان البراءة التي يبحث عنها بين ألوانه الواعية، والعاطفية وبوجدانية شاعرية ظاهرة في المساحات اللونية المتساوية وامتدادها، وانكماشها عند تلألؤ اللون، وكأنه يعيده إلى أحضان اللوحة بعد السيطرة عليه، مما يؤدي إلى التساوي في قيمة اللون نفسه أو الألوان المختلفة في تدرجاتها وحرارتها وبرودتها. إذ تتزن في أقسام منها، خصوصاً عند دمج الألوان الموحية للحزن والأمل، وأنما الأمل المتسع باتساع اللون وتوازنه والحزن الضيق والعمق في توازنه أيضاً.
ألوان ترمز للحياة وقوتها وألوان ترمز للموت وضعفه أمام التجدد في المعاني واستبدال الأزمنة بمراحل الخطوط المختلفة. إلا أن الهدوء البصري يسيطر على لوحاته رغم توهج الألوان أحياناً، وصخبها عند اقترابها من أقصى درجات البرودة والحرارة مع الاهتمام للشكل الداخلي الذي يتخذه اللون، محققاً بذلك شفافية مؤثرة في كيان العمل الفني وعلاقاته التبادلية المتلائمة والمتناسبة مع الشكل والأرضية، وكأنه يبحث عن الحب بعد الحروب، وعن الطفولة بعد عبثية الوجود، وعن الخير بعد الشر، وعن اللون الأصفر بعد الرمادي، ليزيد بذلك قيمة التوافق البصري في أعماله التشكيلية.
برؤية أخرى تترك أعمال الفنان هادي قاصوص انطباعًا قويًا في أول نظرة من خلال استخدامه المتميز للألوان والتباين بينها. يظهر تفاعل الألوان بصورة تعكس مستوى عالٍ من المهارة الفنية والابتكار، مما يلفت الانتباه ويجعل المشاهد ينغمس في عمق العمل. التضاد بين الألوان الباردة والساخنة، مع التركيز على النسب اللونية، يخلق تجربة بصرية مدهشة ومثيرة.
في أعمال قاصوص، نجد أن الألوان ليست مجرد عناصر جمالية، بل هي أدوات للتعبير عن مضامين فلسفية وعاطفية عميقة. يتناول الفنان مواضيع مثل الوجود واللاوجود، الحرب والسلام، والموت والحياة، مستخدمًا الألوان كوسيلة لاستكشاف هذه المفاهيم. تتسم لوحاته بالتباين بين الألوان المتقابلة والمتباعدة، مما يعكس جدلية الصراع الداخلي والخارجي، ويعزز من تأثير الرسالة التي يسعى إلى إيصالها.
تتجلى أعمال قاصوص كمرآة للانفعالات البشرية. الألوان الدافئة تعكس الإحساس بالأمل والفرح، بينما الألوان الباردة تجسد الحزن والتأمل. يتلاعب الفنان بالإيقاع البصري لتعزيز التأثيرات النفسية، مما يجعل المشاهد يتفاعل عاطفيًا مع العمل، ويشعر بالعمق النفسي الذي يحاول الفنان استكشافه. يتطلب هذا التفاعل تأملًا عميقًا وصمتًا، مما يزيد من تأثير الأعمال على الحالة النفسية للمتلقي.
يستخدم قاصوص تقنية التباين بين الألوان بشكل مبتكر، مما يعزز من الإيقاع البصري لأعماله. التباين بين الألوان الدافئة والباردة، وتكرار التوهجات والخفوت، يخلق حركة بصرية تسهم في تعميق التأثير الفني. التقنية التي يعتمدها في توزيع الألوان وتنظيم المساحات تعكس اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل، مما يضيف طبقات من التعقيد والجمال إلى أعماله.
تتميز أعمال قاصوص بتناغم رائع بين الألوان، حيث يتم الجمع بين الألوان بأسلوب يوازن بين الانسجام والتناقض. تساهم استخدامات الألوان في بناء إيقاع بصري يشد الانتباه، ويسمح للمتلقي بالتفاعل مع العمل على مستويات متعددة. تعكس اللوحات توازنًا بين الجمال البصري والعمق المفهومي، مما يجعلها مثيرة للإعجاب من الناحيتين الجمالية والفكرية. إذ تعتبر أعمال قاصوص وسيلة قوية للتعبير عن مشاعره وأفكاره. من خلال اللعب بالألوان وتطبيقات تقنية التباين، يعبر الفنان عن صراعاته الداخلية وتطلعاته. يظهر الإيقاع البصري في اللوحات كوسيلة للتواصل مع الجمهور، حيث يعكس حركاته وانفعالاته من خلال التكوين اللوني والهيكلي.
الإيقاع البصري في أعمال هادي قاصوص يتجلى من خلال التباين بين الألوان والتدرجات المختلفة. يستخدم الفنان التكرار والتباين في توزيع الألوان لخلق حركة وتدفق بصري يسهم في جذب الانتباه وتعزيز تجربة المشاهدة. الألوان المتناقضة والخلفيات المتغيرة تخلق ديناميكية بصرية تجعل العمل الفني أكثر حيوية وتعقيدًا، مما يضيف بعدًا آخر للتجربة البصرية.يوفر تحليل أعمال هادي قاصوص من منظور إيقاع بصري تأملًا في كيفية استخدام الألوان والتباين لخلق تجربة بصرية تعبيرية وجمالية. يتناغم الإيقاع البصري مع الرسائل الفنية والعاطفية التي يحملها العمل، مما يجعل تجربة المشاهدة عميقة ومتعددة الأبعاد.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol