الشكل الإنساني هو مصدر الرؤية النحتية في أعمال "ماورو كوردا".

ضحى عبدالرؤوف المل

يقرأ الفنان "ماورو كوردا" (Mauro Corda) دورة الحياة من خلال المادة النحتية التي تتشكل بليونة قادرة على بث حركة الخطوط الفراغية التي يتلاعب بها. لتكون كجزء نحتي ذي تقاليد كلاسيكية، إنما تحاكي الجوهر الإنساني وتغيراته الزمنية، وإن شئنا الجيولوجية، التي توحي بالتتابع الزمني للإنسان الشبيهة ببعضها من حيث التكوين والحركة ورمزية الواقع من خلال ليونة المادة وقساوتها وتعبيراتها الفسيولوجية التي يخاطب بها "ماورو كوردا" المتلقي بفن جمالي حركي خاضع لروح المادة، والقدرة على تشكلاتها وفق أبعاد يحددها بصريًا بالخطوط الفراغية غير القابلة للمزج مع مادة يختارها تبعًا للكتلة، وترجمتها وانفعالاتها العاطفية والعقلانية وصقل الحجم المتناسب مع الطول والعرض والليونة التي يمدها وفق انحناءات عاطفية تمثل الحركة فيها تشابكات بصرية ذات إيقاعات ذاتية لها موضوعيتها من حيث التطلعات الرياضية في بناء الكتلة أو الجسد الإنساني.

يشكل الجسد في أعمال الفنان "ماورو كوردا" مادة حية تمنح المجسمات قَوةً بصرية قادرةً على المحاكاة الهندسية المرتبطة بالنسب الذهبية والتعبيرات الأكروباتية لفن الجسد، والفضاءات التخيلية التي تميل إلى المنحنيات المرنة أو المائلة أو تلك التي تنسجم مع الجسد والفقرات والقطع الصغيرة ذات الصقل البصري والإيقاعي في تضاده وانسجامه، ونسبة تعاطية مع المادة البنائية التي تترجم أحاسيسه الفنية بجمالية لها خاصيتها النحتية الملموسة أو المحسوسة في بعض منها لتكون المادة النحتية هي النواة الحقيقية للكتلة التي يسخرها لأهدافه الحركية قبل النحتية، وأن بتوازن بين الحركة والمادة والتعاطي مع الأبعاد وجماليتها وبنية تكوينها بخامات يصقلها برؤية حركية.

تعكس الصياغة النحتية المتغيرات الحسابية المرتبطة بالكتلة والوزن، والحركة في الأشكال التي تتخلل عناصرها فراغات ذات قيمة بصرية تشد الحس نحوها بشاعرية رغم تكوينها الجامد. إلا أن الحركة فيها تمنحها ليونة قادرة على خلق تعبيرات هي ضمن نطاق الرؤية الفنية الكلاسيكية، إنما بتعبيرات لها فسيولوجيتها وتكويناتها المرتبطة بمجسمات وخامات تساعد في خلق العمل الفني المحمل بأفكار رياضية جمالية، المساعدة في امتداد الفراغات الموحية بوجود المادة التي يلعب بها "ماورو كوردا" بتباطؤ وسرعة يعادلان الوزن والكتلة ضمن مساحة معينة، وبتأثيرات مختلفة وانفعالات معينة يحددها تبعًا للصفة التي يمنحها للمنحوتة أو للمضمون والأسلوب في آن.

يمكن إدراك المادة بصريًا في أعمال الفنان "ماورو كوردا" من ملمسها الحسي والمادي على سواء، مركزًا بذلك على الظل أي على وجود المنحوتة، والإيحاء بعمقها الفني أو بمنحى آخر الوجودي حيث يحتل الحجم في أعماله نسبة فنية عالية. مما يعطي المساحة خطوطًا إضافية ومخيلة تتصل بالشكل المعنوي والحسي أو المحسوس والملموس، والمعاني الأسلوبية في حبك الخطوط ضمن إيقاع منتظم وانفعالات تتناغم مع المحاور الاختزالية التي شذبها ومنحها مضمونًا آخر.

يبقى الشكل الإنساني هو مصدر الرؤية النحتية في أعمال "ماورو كوردا" والاسقاطات الفنية المتباعدة والمتقاربة ضمن الخامة وملمسها، وأيضًا ضمن العناصر الأساسية المتماسكة مع الضوء، ومن خلال الخطوط ومعاييرها الذاتية والتركيبية التي تنطوي على تشخيص وفق تشكيل نحتي معين مستقل بصريًا عن الأجزاء الأخرى التي تبدو مثقلة بالمفاهيم المتوحدة معها الفنان "ماورو كوردا" والمنسجمة مع مادته أو خامته التي يحاكيها بفن قادر على تبسيط هيمنة الحركة، وشدة قواعدها الملتزم بها كلاسيكيًا دون أن يتحرر من ثقل المادة النحتية وسرعة جمودها، وبمنظور ميكانيكي يسخره بهدف خلق بنية نحتية حركية بخطوطها الخارجية والداخلية، وتوازنها مع الضوء بمخيلة تتسع لتكوينات المادة التي ينحتها.

برؤية أخرى ، يمكن تحليل أعمال الفنان "ماورو كوردا" من خلال عدد من الأبعاد المختلفة، بما في ذلك الانطباعية، الموضوعية، النفسية، الفنية، والجمالية التعبيرية، مع التركيز على الإيقاع البصري. سأقدم لك تحليلًا شاملاً يربط بين هذه الأبعاد ويستعرض كيف يبرز كل منها في أعماله.

من خلال رؤية الأعمال النحتية لماورو كوردا، يُلاحَظ أن الانطباع الأولي هو تأثير حركة وطاقة مدهشة تنبثق من كتلة المادة النحتية. الفنان يخلق إحساسًا بالحركة والليونة، رغم أن المواد المستخدمة قد تكون صلبة وثقيلة. هذا التباين بين الحركة والجمود يُثير شعورًا بالدهشة والتأمل في كيفية تحقيق هذا التوازن في الشكل النحتي.

تركز أعمال كوردا على استكشاف الشكل الإنساني من خلال تقنيات نحتية تعكس التقاليد الكلاسيكية وتدمجها مع عناصر عصرية. يشكل الجسد الإنساني محورًا رئيسيًا في أعماله، ويظهر في تناسق مع العناصر الهندسية والفراغات البصرية. هذا الدمج بين التقليدي والعصري يعكس قدرة الفنان على توظيف الأشكال الهندسية والتعبيرات الأكروباتية لإبراز الجوانب المتعددة للإنسان، مما يثري الموضوع ويضيف عمقًا لقراءته.

تنقل أعمال كوردا مجموعة من المشاعر والانفعالات من خلال استخدامه للمواد والتقنيات. ليونة المادة وقساوتها تعكس التباين بين القوة والضعف، الحركة والسكون، مما يمكن أن يثير ردود فعل نفسية متعددة من التأمل إلى الانبهار. تعبيرات الأشكال والنسب قد تدعو المشاهد للتفكر في الذات والتجربة الإنسانية بشكل أعمق، مما يخلق ارتباطًا عاطفيًا مع العمل الفني.

يبرز "ماورو كوردا" كفنان يمزج بين التقاليد النحتية والتقنيات المعاصرة. الإيقاع البصري في أعماله يتجلى في كيفية توظيفه للخطوط الفراغية والحركات ضمن التكوينات النحتية. استخدامه للمواد المختلفة والقدرة على صياغة الحركة من خلال المادة تعكس مهاراته العالية في تشكيل العمل الفني وتقديمه بطريقة مبتكرة وجمالية.

تعمل أعمال كوردا على خلق تجربة بصرية معقدة من خلال التلاعب بالمواد والأشكال. تعبيرات الأشكال والنسب تقدم جمالاً بصرياً من خلال إيقاع الخطوط والأحجام، حيث تنسجم التكوينات النحتية في مشهد يعكس تنوعًا في الإيقاعات البصرية. الفن التعبيري يتجلى في كيف أن الأشكال النحتية توحي بالعواطف والأفكار، من خلال تفاصيل دقيقة وتوازنات حساسة.

منظور الإيقاع البصري في أعمال كوردا يتجلى في تكرار الأنماط، وتداخل الأشكال، وتناغم الحركة مع الثبات. إيقاع الأعمال ينشأ من تفاعل الأشكال والأحجام مع الضوء والظل، مما يخلق حركة بصرية تستقطب العين وتدعو للتفحص. الخطوط الفراغية، التكرارات، والفراغات تُشكّل إيقاعاً بصرياً يعزز تجربة المشاهدة ويوفر توازنًا بين التكوينات النحتية والمادة المستخدمة. بشكل عام توفر أعمال "ماورو كوردا" تجربة متعددة الأبعاد تجمع بين الأبعاد النفسية والفنية والجمالية، مع تعزيز الإيقاع البصري الذي يدعو المشاهد للاستمتاع بالتفاصيل والتفاعل مع العمل الفني بطريقة عميقة وشخصية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol