ملامح الزمن وتقهقهر المعالم
رواية "الضفاف السعيدة" للروائي عدنان يعقوب القرة غولي
ضحى عبدالرؤوف المل
تغيب ملامح الزمن وتقهقهر المعالم المحافظة على عبق التاريخ أو الماضي في رواية "الضفاف السعيدة" أو "مانفستو من سلم د. الصغير"، مؤسسًا بذلك الروائي عدنان يعقوب القرة غولي لانطلاقة روائية كلاسيكية ذات نكهة معاصرة. إلا أنه لم يقفز عن الأسس الغربية الروائية، بل عانقها وتبناها وتأثر بها، تاركًا نفحة الحضارات في عناوين وأسماء، وأسلوب تخيلي انطباعي هادئ يستمتع به القارئ بأسلوبه السلس، القادر على بث المفاهيم الثقافية التي يجب تحليلها، بل والتفكر بها لتكون انطلاقة الحضارة العربية عبر الثقافة التي تحتاجها الأمة العربية للوصول إلى حياة يتوخاها الروائي عدنان القرة غولي، ويتمناها في مكان أصبح غير لائق لموضع مكتبة وبغداد تقصف غارة بعد غارة حيث تنمو تحديات البقاء برمزية مكتبة هي عالم روائي يضم في طياته مزيجًا من أسماء عانقها الأدباء، وتغنى بها الجيل المثقف على مر الزمن مثل ماركيز، جورج أمادو، فرويد، وغيرهم.
تأثير روائي ثقافي وإبداع في صياغة سوسيولوجية تنخفض فيها وتيرة الإشكالية الثقافية، وتعلو بين نبرات الشخصيات التي تسعى إلى تكوين المشهد تلو المشهد مكتفيةً بترنيمة وكابوس، وذكريات تعاود الزمن وتتنقل من مكان إلى مكان عبر هواجس طفولية تستفيق وتغفو، لتشكل بلحظاتها المواقف الروائية المبنية على تفاصيل ذكريات، وعادات اجتماعية، وانتقادات متعددة يطرح من خلالها القرة غولي إشكالية المجتمعات العربية بلغة تتضمن الموقف، ومعالجة ثقافية تحمل أوزارها الأجيال المتعاقبة. فهل استطاع القرة غولي فتح آفاق الرواية لتكون ذات وظيفة ثقافية دلالية على غربة الأجيال العربية عن بعضها البعض؟
سرد متماسك وصياغة محبوكة بتجليات المكان والزمان، عبر فكرة ذات هيكلية ثقافية تتكشف هويتها العربية من خلال دراسة الأدب الإنجليزي، وضمن مكتبة تظهر تفوق الأسماء الغربية على تلك العربية التي تتمتنع حتى عن حلم، ربما استعصى تحقيقه لصعوبة الذكريات والكابوس الذي رافق الإحساس باليتم والحزن، والتشتت الذي يدل على تداخل الحقيقة بالوهم، وتأثرنا العميق بما نقرأ لنستدل على معنى الوجود الإنساني من خلال سيكولوجية ذاتية تبناها عدنان القرة غولي روائيًا وعالجها بتناص وسيمائية ومجازيات ذات تقنيات تساعد على تحقيق سلاسة السرد وبانفتاح متفاوت متناقض مع مجتمعين عربي وغربي وثقافاتهما المختلفة والمؤثرة على مجتمع هو كالكابوس الذي ينتاب بطلة القصة المتأثرة بأبيها أو بشبيه غامض، فهل نحن في كابوس ثقافي نجهل معالمه؟
تتضح مفاهيم الرواية منذ البداية، باعتبار المكتبة هي القيمة الحقيقية للعالم الروائي الذي يناور عدنان القرة غولي بمتخيل سردي ينم عن قراءات عميقة تأثر بها، بل واندماجًا كليًا مستخرجًا منها بطلة روايته وصراعها بين الحقيقة والخيال، وبين عالمين مختلفين لكل منهما صفة كينونية في نفسها، محاولة اكتشاف ذلك الكابوس الذي تعاني منه، ويظهر كلما تكشفت لها ذكرى ما، خصوصًا القيود التربوية المؤثرة في حياة الإنسان منذ نعومة أظافره. "وجدت نفسي في ذلك الوسط تائهة، رحت أراجع نفسي، من أين أنا، من أي عالم؟ وجدت نفسي منقادة دائمًا لآراء الآخرين." فهل الانقياد هو فعل سلوكي يصعب التخلص منه في مجتمعاتنا التي تعاني من الاضمحلال الثقافي؟
شخصيات جويس تنفي نفسها بنفسها في رواية تبدد المخاوف، وتحقق غاية القراءة وفائدة التغلغل في ثقافات الآخرين التي تدخل في أعماق أنفسنا دون استئذان إلى حد الهذيان والوهم، وبالتأثيرات التي تؤكد علة وجودنا أو بالأحرى علة وجود القراءة بشكلها الأدبي ومؤثراتها الحسية والوجدانية من نقطة نهاية إلى نقطة بداية، هي سر النص الفني بأشكاله التخيلية، وبساطته الرمزية وإشكاليته التي تشكل اللبنة الحقيقية للرواية المؤدية إلى مساءلة الواقع الثقافي في العالم العربي عامة، محاولًا إيهام القارئ بالصراع الخفي بين البطلة وشبيه والدها الذي يتراءى لها ضمنيًا كلما حاولنا استخراجه من الكلمات التي يتركها لكتاب كاميرسون، و"انتظرت غودو"، وعزرا باوند...
حضور أدبي مختلف في رواية أمعن القرة غولي في غزلها، ومنحها حسية الحمل الثقافي أو الأدبي الواجب الاهتمام به من الروائيين بداية، لينفضوا عن كاهلهم أوهام قراءات تتعلق بهم أو ترتبط بذهنيتهم ارتباطًا قويًا يصعب التخلص منها في غمرة التحولات الاجتماعية التي يشهدها العالم من ثورات على كافة المرافق الحيوية الاجتماعية والسياسية والأدبية. إلا أن للرواية أسسها التي يتمسك بها، لتكون كلاسيكية بروح معاصرة تقود القارئ إلى عدة قراءات عالقة في ذهنيته التي هي بمثابة مكتبة متنقلة، إن كان فعلاً يشبه بطلة الرواية وكوابيسها التي تحدد مصير الرواية من البداية إلى النهاية. إذ بدأ التعبير الاجتماعي في بداية تحولت إلى حركة سردية فاعلة تتضمن موسيقى داخلية خاصة ترتبط بالذاكرة السمعية والبصرية للبطلة الباحثة عن حقيقة كابوسها وصراعها الذي يشكل البنية التعبيرية لمضمون هو البوصلة التي تعيد تصحيح الاتجاه السردي ليكون ضمن مساره الدائري عبر زمن يعيد نفسه من جيل إلى جيل. فهل نجح عدنان القرة غولي في تشكيل رواية تسرد الواقع الثقافي في ذاكرة الأمة؟
برؤية أخرى في روايته الأخيرة "الضفاف السعيدة"، يقدم الروائي عدنان يعقوب القرة غولي عملاً أدبيًا يتسم بثراء فني وعمق فكري. يجسد النص رحلة سردية تأخذ القارئ إلى عوالم متعددة تجمع بين الأصالة والتجديد، والتاريخ والحداثة، مما يجعله مشروعًا روائيًا متفردًا يسعى إلى تحقيق أهداف متعددة على الأصعدة الأدبية والاجتماعية.
يسعى عدنان القرة غولي، من خلال "الضفاف السعيدة"، إلى إحداث نقلة نوعية في فهم العلاقة بين الأدب والثقافة العربية المعاصرة. عبر تقديم رواية تجمع بين تقنيات السرد التقليدية والابتكارات الحديثة، يستهدف الكاتب تسليط الضوء على التحديات الثقافية والاجتماعية التي تواجهها المجتمعات العربية، وإعادة إحياء النقاش حول القضايا الجوهرية التي تشكل هويتنا الثقافية.
يتميز البناء السردي في "الضفاف السعيدة" بتركيبه المعقد والذي يدمج بين الماضي والحاضر، الواقع والخيال. يستخدم القرة غولي الرمزية بشكل مكثف لتقديم رؤية نقدية عن حالة العالم العربي، حيث يتمثل المكان المحوري في الرواية، وهو المكتبة، كمركز ثقافي يحمل في طياته التاريخ والأدب، ويعكس في ذات الوقت تآكل القيم الثقافية في ظل الصراعات الاجتماعية والسياسية.
تتعدد الشخصيات في الرواية، وتتنوع بين الشخصيات الرئيسية والثانوية، وكل منها يعكس جانبًا مختلفًا من المجتمع العربي. تتسم البطلة بتطور كبير خلال الأحداث، فهي تمر بتجارب متعددة تساهم في تشكيل فهمها لواقعها. يعكس صراعها الداخلي بين الحقيقة والخيال، بين الذكريات والأحلام، المعاناة الثقافية التي يواجهها الأفراد في مجتمعاتهم.
يستخدم القرة غولي تقنيات سردية متقدمة، تشمل التناص والتجريد والرمزية، ليقدم نصًا أدبيًا يعزز من قدرته على التأثير. تتسم الرواية باستخدام أسلوب سردي هادئ ولكن معقد، يعكس قدرتها على تعميق النقاش حول القضايا الاجتماعية والثقافية، من خلال استحضار مشاهد ومواقف تثير التأمل وتدعو إلى التفكير العميق.
تتجاوز الرواية حدود السرد الأدبي لتصبح نقدًا عميقًا للواقع الثقافي والاجتماعي في العالم العربي. يعكس القرة غولي من خلال روايته التحديات التي تواجه الثقافة العربية، مثل تأثير التحديث والعولمة على القيم التقليدية، وكذلك الصراعات الداخلية التي تعاني منها المجتمعات في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية.
تدفع الرواية القارئ إلى إعادة التفكير في هويته الثقافية ودوره في المجتمع. من خلال تقديم شخصيات معقدة ومواقف محفزة للتفكير، يشجع القرة غولي على التأمل في كيفية تفاعل الأفراد مع محيطهم وكيفية تأثير ذلك على تصورهم للواقع والخيال.
تعالج الرواية مجموعة من القضايا الاجتماعية الهامة، مثل الهوية، والصراع بين الأجيال، وتأثير الظروف الاجتماعية على الأفراد. يقدم القرة غولي هذه القضايا من خلال سياق روائي يسمح للقارئ بالتفاعل مع المواقف والتحديات التي تواجهها الشخصيات، مما يساهم في زيادة الوعي الاجتماعي والاهتمام بالقضايا المطروحة.
"الضفاف السعيدة" هي أكثر من مجرد عمل أدبي؛ إنها محاولة جادة لإعادة النظر في القضايا الثقافية والاجتماعية التي تشكل واقع العالم العربي اليوم. من خلال تقنيات السرد المبتكرة والرموز العميقة، ينجح عدنان يعقوب القرة غولي في تقديم رواية تأخذ القارئ في رحلة فكرية وفنية، تعكس صراعاته الداخلية وتطلعاته إلى مستقبل ثقافي أكثر إشراقًا. إن الأبعاد المتعددة للرواية تجعل منها نصًا أدبيًا ثريًا يستحق التأمل والقراءة المتأنية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol