الهابيتوس العربي وقراءة سوسيو-معرفية في القيم والمفاهيم
ضحى عبدالرؤوف المل
يثير الدكتور "غسان الخالد" في كتابه "الهابيتوس العربي" التساؤلات التي تجتاح المفكر العربي دون إبعاده عن الواقع المحلي، أو بالأحرى عن كل ما هو ملموس من أحداث في المحيط الذي لا ينال رضا الأغلبية الساحقة. محاولاً، دكتور غسان، الولوج إلى الداخل الثقافي لنستكشف معه "هذا الداخل الثقافي المتشكل والمستحضر دائماً"، الذي يشكل عائقًا أمام التغيير المنشود. فهل يحاول الدكتور غسان في كتابه "الهابيتوس العربي" تشريح الثورة ووضعها تحت مبضع الثقافة التي ينادي بها في كتابه وبقوة يتفق فيها مع "ليفي شتراوس"، واضعاً القارئ معه أمام "نظرية الحقول" وبمصطلحات ذهنية تتضمن عقليات مختلفة وضمن "إطار تضامني تكافلي يؤدي حتماً إلى إنتاج ذهنية عامة تسود وتتحكم بأنماط التفكير والسلوك"، مستبطناً الوضع العربي وما يجري حولنا من أسباب أشعلت الثورات بتأثيرات خارجية مدروسة من كل النواحي الاجتماعية والسياسية وغيرها، وموضوعية البنى وفق تنشيط المعنى الذي هو نتاج عملية التلقين والتملك. فهل يمكن إعادة تجارب الماضي في الحاضر بعد تحديث الأساليب المؤثرة من جيل إلى جيل؟
تطفو القيم والمفاهيم في الفصل الأول، ويندمج التصنيف الأكاديمي المطروح مع التبسيط في استدعاء الذهن لتحليل النقاط المتروكة في المصادر وإعادة إنتاج البنية الذهنية. إذ يمنح القسم الثاني بفصوله الأربعة حجة للدخول في معركة ثقافية تطيح بجدليات الهابيتوس العربي وبالتفاوت في المفاهيم الإيديولوجية لتشكيل الوعي القابل للترجمة الإجرائية، كما في مقدمة الفصل الأول الذي يطرح فيه البعد عن الغموض: "فالقيم الجماعية من حيث المبدأ هي التي تمارس الضبط الاجتماعي على مجموعة أفراد"، وهذا يستدعي العديد من التساؤلات الفلسفية ذات التفكير بالمفاهيم التي يغزلها دكتور "غسان الخالد" بمغزله الأكاديمي للدخول إلى صلب الموضوع بعد تشريح متكامل يعكس وظيفة الهابيتوس العربي بالدخول خلسة إلى المعنى ليشعر القارئ أنه في قارب وسط بحر يجري به نحو القيم والسلوك والشحنة الانفعالية للقيم، وبتفصيل نسبي على أساس الفائدة والمنفعة، والأكثر من ذلك القيمة المسيطرة، ومعانيها المتذبذبة من خلال النظرة إلى الأشياء وشدة القيم في الأوامر والنواهي، لتتكون المفاهيم في كتاب "الهابيتوس العربي" بسلاسة ويقظة ووعي اجتماعي تختلف فيه سياسات التدرج التأليفي، ممسكاً بالقارئ من البداية إلى النهاية، وذلك بإثارة ذهنه وحثه على تأمل كل مفهوم وتصنيف يطرحه لتوضيح البنية العقلية العربية والأبعاد الحقيقية للفهم، مشدداً على مبدأ التماسك بتوافق ومواءمة، لأن "أي خلل في دور الضبط الاجتماعي، كما يراه غورفيتش، سيؤدي حتماً إلى انهيار المجتمع". فهل يمكن تفادي الانحراف والتفكك والانحلال من خلال الضبط الاجتماعي؟
يحدد الدكتور "غسان الخالد" هوية الهابيتوس العربي بعوامل عديدة فصلها وشرحها بشكل تصاعدي للبنى الذهنية المؤثرة في تشكلات القيم، وتحريرها عقلياً في ذهن القارئ من أحادية التشكل، ومرتكزات الباطن الهابيتوسي المرتبط بالعقلية، وميكانيزماتها المجردة من التفلسف والطوباوية، وحتى الجدليات السائدة في أصل المفاهيم، فالتأصيل لا يقبل التصنيف. استنتاجات يقارن بها القارئ مفاهيمه الذاتية التي يستخرجها من مصطلحات هي بمثابة مفاتيح الهابيتوس ومعناه، وبمقاربات تاريخية تقترن بالجدل السياسي أو المجادلة السياسية العقيمة إن صح التعبير، موضحاً "أن الجدل السياسي في الفكر الغربي هو جدل خلاق وبناء كما يقول معتوق، لأنه يحمل استعداداً ذهنياً للانفتاح على الآخر، في حين أنه في الفكر السياسي الإسلامي هو جدل عقيم." فهل في هذا تخصيص يستند إلى المنطق والتحليل؟ وهل الأقطاب المتناقضة تؤدي فعلاً إلى عدم الصمود؟
يعتمد الدكتور "غسان الخالد" في كتابه على الدقة في الشرح والتحليل ويعوّل على مسألة الحياد والحياد الإيجابي في مسألة البوليميك، "لأن المعادلة في السياسة تتمثل في أن اللاموقف هو موقف"، وهو ما يعني إلغاء لكل ما يسمى بالمواقف الوسطية، لأن الموقف السياسي لا يمكن أن يكون بين بين، فإن لم تكن معي فأنت ضدي. ومسألة الحياد والحياد الإيجابي مسألة فيها نظر. "فالمنظور المتمثل في هذه الكلمات هو أبعد من حقيقة لمسها القارئ في هذا الكتاب الغني بالشروحات التفصيلية القادرة على فتح الذهن اجتماعياً وسياسياً للدخول بعدها إلى الفصل السابع والأخير بسلام آمنين، لندرك مفهوم الثورة بين الغرب والعرب وصعوبة تعريف كلمة ثورة عند العرب وإشكالية الثورة المناهضة أو المعاكسة، إذ "يعتبر أن الثورة كمصطلح سياسي إنما تعني الخروج عن الوضع الراهن وتغييره نحو الأفضل أو نحو الأسوأ". فهل الثورات العربية أنتجت تغييرات في البنى الاجتماعية والتركيبة الاجتماعية؟
يخوض في مصطلح تعددت معانيه بين الغرب والعرب، إلا أن "غي هرميه" أعطاه المعنى الذي يفيد بأن كل "قطيعة جذرية تدخل في نمط تنظيم المجتمع." حيث استرسل الدكتور "غسان الخالد" بمعنى الثورة عند الغرب وسمات المفهوم من عنف وزمنية الثورة والاستغلال والانتهازية، ليتركنا في الثورات المختلفة نتوقف عند حركة الضباط الأحرار وأهم إنجازات الثورات في مصر وسوريا والعراق، ليعيد بعدها رسم صورة الواقع العربي في خاتمة انطلاقاً من "منظومة القيم السائدة والموروثة من الفكرين القبلي والديني، وربطها بالمفاهيم المنبثقة عن هذه الثقافة." فهرمية سلطة عائلة دين بثلاثيتها تثبت أن الضبط الاجتماعي يحتاج إلى قراءة متأنية لمنظومة القيم، فهل كتاب "الهابيتوس العربي" هو فعلاً معادلة سوسيو-معرفية في القيم والمفاهيم؟
برؤية أخرى في عالم مليء بالتحولات الاجتماعية والثقافية، يبرز كتاب الدكتور غسان الخالد "الهابيتوس العربي" كمرجع نقدي رائد يتناول قضية التغيير في العالم العربي من منظور سوسيولوجي عميق. يُعتبر هذا الكتاب محاولة دؤوبة لتحليل الديناميات الثقافية التي تشكل الأسس الاجتماعية للأفراد والمجتمعات في هذا الجزء من العالم، مستندًا إلى مفاهيم نظرية اجتماعية رفيعة لتقديم تفسير شامل ومعمق لظواهر التغيير والثورة.
يبدأ الدكتور الخالد بتحديد "الهابيتوس العربي" كتركيبة ثقافية معقدة تتضمن مجموعة من القيم والمفاهيم المتجذرة في العقلية الجمعية. هذا "الهابيتوس" الذي يشكل بنية التفكير والسلوك، لا يُنظر إليه ككيان ثابت بل كعملية ديناميكية تتفاعل مع محيطها الاجتماعي والسياسي. تعكس هذه الرؤية محاولة لفهم كيف تساهم هذه البنية الثقافية في تشكيل الاستجابات الفردية والجماعية تجاه التحديات المعاصرة.
يتناول الكتاب في عمق مسألة الثورات العربية، التي اعتبرها دكتور الخالد نتاجًا لتفاعل معقد بين القيم الثقافية الداخلية والتأثيرات الخارجية. من خلال استعراض "نظرية الحقول" و"الضبط الاجتماعي"، يقدم الخالد تحليلًا للكيفية التي يمكن أن يكون فيها التغيير الاجتماعي غير قابل للتحقق إذا لم يُفهم السياق الثقافي الذي يحدث فيه. في هذا السياق، يتم تأطير الثورات ليس فقط كأحداث تاريخية ولكن كأعراض لتوترات داخلية أعمق تتعلق بالهوية والانتماء والقيم الجماعية.
من خلال مقارنة الجدل السياسي في الفكر الغربي والفكر العربي، يطرح الكتاب تساؤلات حيوية حول فعالية النماذج السياسية المختلفة في معالجة القضايا الاجتماعية. يعرض دكتور الخالد، بناءً على تحليله، كيف أن الجدل في الفكر الغربي يمكن أن يكون "خلاقًا وبناء" بينما في الفكر العربي قد يكون "عقيمًا"، مما يسلط الضوء على الفجوة بين الطموحات الاجتماعية والواقع السياسي. هذه المقارنة تعكس محاولة لفهم كيفية تأثير هذا التباين على قدرة المجتمعات على تحقيق التغيير المنشود.
في تناول موضوع الحياد، يقدم الدكتور الخالد وجهة نظر مثيرة للجدل حول المواقف السياسية، معتبراً أن "اللاموقف هو موقف" في السياق السياسي. هذا الطرح يفتح المجال لمناقشة حول ما إذا كان الحياد فعلاً خيارًا مجديًا في ظل التحديات السياسية والاجتماعية المعقدة، أم أنه يشكل نوعاً من المراوغة التي قد تساهم في إطالة أمد المشكلات بدلاً من حلها.
من خلال سرد تحليلي ومقاربة نقدية، يسعى "الهابيتوس العربي" إلى تقديم رؤى سوسيولوجية عميقة حول القيم والمفاهيم التي تحكم المجتمعات العربية. يتناول الكتاب، بموضوعية وانطباعية، كيفية تشكيل هذه القيم للسلوكيات والأفكار وكيفية تأثيرها على التغيير الاجتماعي. تقدم هذه الرؤية النقدية تفسيرًا لأسباب بطء التغيير أو عدم تحقيقه، متناولاً تأثير التراث الثقافي والنظم الاجتماعية على التقدم نحو الحداثة.
في النهاية، يقدم "الهابيتوس العربي" مساهمة هامة في فهم التعقيدات الثقافية والاجتماعية في العالم العربي. من خلال تقديم تحليل سوسيولوجي دقيق وجريء، يتيح الكتاب للقارئ فرصة للتفكير في كيفية تأثير القيم الثقافية على التغيير الاجتماعي. هذا العمل ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو دعوة للتفكير النقدي وإعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها المجتمعات العربية اليوم.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol