مجازية الشكل وحقيقة اللون وترابية الإنسان في لوحات "آشوت آفاغيان"

ضحى عبدالرؤوف المل

يتناول الفنان "آشوت آفاغيان" (Ashot Avagyan) ضروبًا شتى من حكايا الأساطير ممزوجة بتعتيق ترابي، تميل معه الألوان نحو عفوية ساذجة في تشكيل رسومات تشبه الخربشات المحفورة على جدران الكهوف القديمة، وفلسفة هندسية ذات مربعات ودوائر ومستطيلات لها معانيها القديمة من حيث التفاؤل والتشاؤم، وحتى رمزية الأسطورة أو الزمن القديم الذي تحكي من خلاله الرسومات حكايا القدامى بأسلوب تشكيلي يعيدنا إلى الحضارات التشكيلية الأولى بسيميائية لها مجازية الشكل، وحقيقة اللون وترابية الإنسان من التراب وإليه يعود، مما يجعلها أكثر محاكاة للحس الإنساني الباحث عن الأثر الرمزي وتوظيفه في الفن التشكيلي بجمال عابق بالوجود الإنساني وصراعه الأزلي مع المخلوقات الأخرى.

تتنوع الذات الإنسانية في رسومات الفنان "آشوت آفاغيان" بطفولية ذات تعقيد يعود في أزليته إلى الحلم الإنساني والقدرة على تحقيقه وفق أبعاد ودلالات حكائية لها قصصها التي تنسجم مع الذاكرة التاريخية عند المتلقي، واتساع بنية التخييل التشكيلي من خلال المساحات الفراغية التي يفتحها ضوئيًا نحو تناقضات الظل والتعتيم، والتدرج اللوني مع المحافظة على التوازن بين الأصفر أو الذهبي والترابي، مشيرًا من خلال ذلك إلى معرفة كنه الحلم الإنساني القديم والعودة إليه عبر لوحة تخيلية تعيد للرؤية الفنية جماليتها وأهدافها. وبتحليل شكلي للأحجام والأشكال الرياضية، لتكون كالعودة إلى التنبؤ والمجرات والكواكب ومساراتها، وتأثيراتها على الإنسان الذي يكتشف ذاته من خلال الرسومات التراثية أو تلك المحفورة على آثار الأقدمين.

وظيفة الرمز في رسومات الفنان آفاغيان تهدف إلى خلق دلالة للرؤية التي يحاول إظهارها، لتكون بمثابة قصة أسطورية يعيد تشكيلها وفق أحلامه وأحاسيسه، والأرهاصات المرتبطة بالحدث كالولادة والموت، وتغيرات الإنسان من مخزونه المعرفي وصولاً إلى شكله، وإيماناته في قصة الخلق ووجود الإنسان في طبيعة خاصة وبين مخلوقات أخرى تتصارع مع الإنسان، وتضعه وسط كينونة دنيوية لا يمكن مغادرتها إلا بالحلم وتحقيق الرؤية أو النبوءة التي تسيطر على معتقداته الخاصة.

معرفة إنسانية يتشوق آشوت إلى تجسيدها وفق بنية تشكيلية متزنة ومتناغمة مع رمزية الخط والشكل، وإعطاء الخط عمقًا جماليًا ذا شفافية تضفي إلى اللوحة نوعًا من المعتقدات القديمة ذات السيرورة التشكيلية والفيزيولوجية والبنيوية القادرة على ترجمة التناغم، والاختلاجات اللونية المتقاربة والمتباعدة، بل وحتى المتنافرة بموازين محسوبة بصريًا، لتكون كلغة فنية واعية بوصفها تشكل نمطًا إنسانيًا يهدف إلى رؤية تنطوي على معرفة مكنون الحلم الأسطوري وتفسيره. ليكون بمثابة مادة بصرية توحي بالأثر القديم وأهميته للإفصاح عن غريزة البقاء، وترجمته في لوحات مبنية على توازنات الألوان المتناقضة وقدرتها على منح الحس الوجداني نشوة بصرية تجذب المتلقي ليتأمل الخطوط والأشكال والألوان في لوحات تحاكي الوجود الإنساني.

خطوط وهمية وأخرى إيحائية، وبناء شكل إنساني ذي طبيعة أسطورية متخيلة عبر واقع يعشش في ذاكرة الطفولة الأولى ضمن مساحات تتخذ فيها الأشكال بعدًا بصريًا ينبثق من دائرة أو مربع، وبتداخل لا شعوري بين المعنى والمبنى، وعوالم الحلم الفنتازية المرسومة بتقنية بصرية لها جماليتها الخاصة من حيث البُعد الميثولوجي وإيحاءات المعطيات التشكيلية المحفورة بالخط على أسس تتخذ شكل جدارية تشد البصر إليها من خلال ما يقدمه من معانٍ في كل صورة يرسمها بظل ذي إحساس بالوجود، وهيكل يزيد من التأملات النفسية التي تمنح اللوحة روحية ميثولوجية خاصة بالأرمن، وإن كانت في مجملها فلسفية عامة تتصل بالحقيقة التاريخية المبسوطة أو على جداريات الكهوف والآثار الغارقة بالأسطورة وتطورات الواقع التخيلية المقروءة في لوحات الفنان "آشوت آفاغيان."

برؤية أخرى عند مشاهدة لوحات "آشوت آفاغيان"، يمكن أن يشعر المتلقي بقدرة الفنان على نقل المشاهد إلى عالم أسطوري يمتزج فيه الواقع بالخيال. تعكس اللوحات نوعًا من التداخل بين الأشكال الهندسية والفنية التقليدية مع تعتيق ترابي، مما يخلق إحساسًا بالعمق التاريخي والرمزية. تبدو الألوان وكأنها تروي قصصًا قديمة، حيث تدمج بين العفوية والتعقيد بطريقة تجعل المشاهد يستشعر روح الأساطير والحضارات القديمة. إذ يسعى "آشوت آفاغيان" إلى التعبير عن مزيج من الأساطير والرموز القديمة من خلال استخدام الأشكال الهندسية والتدرجات اللونية. الألوان الترابية تمثل الارتباط بالأرض والإنسان، بينما الأشكال الهندسية مثل المربعات والدوائر تساهم في بناء معنى متوازن بين التقاليد والتجريب. يُظهر العمل اهتمامًا عميقًا بالرمزية التي تتجاوز حدود الزمن، وتستخدم اللوحات عناصر مرئية لتستحضر الحكايات القديمة التي تتحدث عن الصراع بين الإنسان والمخلوقات الأخرى.

يمكن أن تثير لوحات آفاغيان مشاعر تأملية وتأملية لدى المتلقي. الأساليب الفنية التي يستخدمها، مثل الخطوط الوهمية والأشكال الأسطورية، قد تلامس الذاكرة الجماعية وتستدعي الأحاسيس العميقة المتعلقة بالوجود والهوية. اللون والتراب في أعماله يعكسان طبيعة الإنسان وتطوره، مما يتيح للمتلقي فرصة للتفكير في المعنى الحقيقي لوجوده وعلاقته بالعالم من حوله.

يتميز عمل آفاغيان بالتركيز على التوازن بين الألوان والأشكال. استخدامه للألوان الترابية والأصفر والذهبي يعزز من تأكيد الجانب الرمزي والتاريخي في اللوحات. الأشكال الهندسية تُستخدم كأدوات تنظيمية لخلق تناغم بصري وتوازن بين الفضاءات. كما أن الأساليب الفنية المستخدمة، مثل الخربشات المحفورة، تمنح اللوحات لمسة أصيلة تشبه فنون الكهوف القديمة، مما يعزز الشعور بالاتصال بالتاريخ والفن البدائي.

تعبر اللوحات عن تناغم بين الشكل واللون والرمزية. التأثير البصري الذي تخلقه الألوان الترابية مع التدرجات اللونية والظلال يضيف عمقًا وجمالًا للتجربة البصرية. التوازن بين الألوان المتناقضة والمحافظة على الجمالية البصرية تجعل اللوحات جذابة وقادرة على جذب انتباه المتلقي وإثارة مشاعره. الأعمال تعكس حسًّا جماليًّا يتجسد في تفاعل الألوان والأشكال بطريقة تجسد جماليات الأسطورة والخيال.

تُظهر اللوحات قدرة فنية على التعبير عن الأفكار والمشاعر المتعلقة بالأساطير والحلم الإنساني. الخطوط والأشكال لا تمثل فقط عناصر جمالية بل تعبيرات عن الصراعات الداخلية والتجارب البشرية. الأسلوب التعبيري في استخدام الرموز والعناصر الطبيعية يعزز من القدرة على نقل الرسائل العميقة حول الوجود والصراع والروحانية. تعبير الفنان عبر الألوان والتقنيات المختلفة يخلق تجارب بصرية تؤثر في المتلقي وتدعوه للتفكير والتأمل.

تعتمد أعمال "آشوت آفاغيان" على تكرار الأشكال الهندسية والتلاعب بالألوان لخلق إحساس بالإيقاع المستمر. التفاعل بين الألوان والأشكال يؤدي إلى حركة بصرية متدفقة، حيث يتنقل النظر بين العناصر المختلفة في اللوحة بشكل متوازن وعضوي. التناقضات في الظل والتعتيم تُضيف بعدًا ديناميكيًّا للعمل، مما يخلق إيقاعًا بصريًّا يوجه الانتباه وينظم تجربة المشاهدة. الأسلوب التعبيري والتكرار البنائي يمنح اللوحات طابعًا إيقاعيًّا يساهم في تعزيز الرسائل الرمزية والتاريخية التي يسعى الفنان إلى نقلها.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol