مسلسل "ألف ليلة وليلة": موازنة درامية محبوكة بعقلانية وحرفية
ضحى عبدالرؤوف المل
ما زالت حكايات "ألف ليلة وليلة" تواقة إلى بث المزيد من فنتازياتها التاريخية والأسطورية التي نتابعها بشغف على شاشات التلفاز أو في السينما، وفي كل مرة نكتشف مخيلة جديدة تستطيع خلق كل ما هو مبتكر. سواء كان سرياليًا أو واقعيًا أو فنتازيًا أو رومانسيًا، تثير الخيال بقصصها الغريبة. وما بين الممثل شريف منير والممثلة نيكول سابا، نرى ليلًا تروي فيه شهرزاد لشهريار حكايات الواقع المتخيل الذي بدأ اليوم من رمضان بدهشة غير متوقعة، لعنوان سمعنا عنه تاريخيًا ومن أفواه جداتنا سمعنا الكثير الكثير. فهل استطاع المؤلف محمد ناير والمخرج رؤوف عبد العزيز تسخير الحكاية لتكون ضمن فن تمثيلي مفتوح على إنتاج قادر على منح مسلسل "ألف ليلة وليلة" موازنة درامية محبوكة بعقلانية، ليكون بمعايير عالمية ويحاكي كافة الفئات العمرية؟
صورة سينمائية تحملنا على متونها الخرافية بتعبير يكمل به المخرج رؤوف عبد العزيز رؤيته التي يقودها مع فنانين مشهود لهم بالبراعة والحنكة والقدرة على تقمص أدوارهم بأسلوب فني لعبت فيه العناصر الأخرى من إضاءة ومشاهد خارجية وخدع سينمائية دورها، مما يجعل كل مشاهد يشعر وكأنه شهريار، وينتظر الحكاية الكلاسيكية في كل فجر جديد، بينما تنام الحكاية مرة أخرى. فما الذي تحمله حلقات "ألف ليلة وليلة" في أيامها المقبلة؟ وهل هناك حداثة واقعية يجددها المؤلف مع الحدث في مساعدة كسرى والحروب التي جرت على أرض غير الأرض ومن خلال شهرزاد وشهريار؟
قراءة درامية من قبل المؤلف محمد ناير لأسطورة شغلت العالم لبقائها عبر التاريخ وللاستمرارية الشعبية في أذهان الناس. إلا أن للحكاية واقعها في العصر الحديث، ومهما اختلفت أساليب الإنتاج والتصوير والتمثيل، تبقى لشهرزاد نكهة حيوية أضافتها الممثلة نيكول سابا بروحية عالية في الحلقات الأولى التي تنبئ بجمالية تجسد تساؤلات عديدة، منها: ما الذي يريده المنتج والمؤلف والمخرج من هذه الدراما؟ وما هو الشيء الجديد فيها؟ وهي ترمز إلى الصراع الذكوري الذي بدأ بتعليق رقاب النساء على حبال تسلب أرواحهن بقساوة ملك تذوق طعم الخيانة حتى بدأ شعبه بالتذمر منه لكثرة الاستبداد غير المبرر، ومن بطش بث الخوف في عروق النساء اللواتي حاولن الهروب والبقاء مختفيات. إلا أن المفاجأة في إمساك أخت شهرزاد، دنيازاد، لننطلق مع نيكول سابا بترقب نبحث فيه عن جديد شهرزاد وقصصها المشحونة بالمغامرة. فهل ستحقق هذه الدراما تميزًا يثير دهشة الناقد والمشاهد، أم ستكون عابرة في العالم العربي فقط؟
يحمل تتر المسلسل مقاطع مشاهد تبدو فيها الأحداث فنتازية، وإن بحركة تصويرية ذات تقنية عالية. فالمسلسل عبارة عن أجزاء مختلفة تتوالى بثلاثية تتميز ديكوراتها بعوالم متنوعة، منها ديكور السفينة والقصر. وهو من بطولة شريف منير ونيكول سابا وأمير كرارة وآسر ياسين وعائشة بن أحمد، ومن تأليف محمد ناير، وإخراج رؤوف عبد العزيز، وإنتاج تامر مرسي. الذي رأيناه في الحلقة الأولى، ويبدو أن للبحر حكايته الخاصة مع وجوه تمثيلية جديدة وممثلين يحملون تقمصهم للشخصية الكثير من الإثارة، إضافة إلى لباسهم المصمم بتناسب مع روح العصر التي ينقلها المؤلف محمد ناير، وجدلية الصراع بين المرأة والرجل التي ترافق مفهومي الخير والشر والحب والكره.
قصص مشوقة غامرت فيها نيكول سابا للعب دور شهرزاد بتحدٍ يبدو أنه يحمل الواقع بمؤامراته وصراعاته الدرامية، وبفن عقلي يستبطن من خلاله المؤلف حنكة المرأة في خروجها من مأزق الوجود الإنساني، وعبر صياغة تتبلور أدواتها التعبيرية بوعي مدرك عند مشاهدة المقدمة. وما تحمله الموسيقى من استفزازات حسية توقظ المشاعر وتدفعها نحو انفعالات ترتبط بمعاني المشاهد السمفونية السمعية وقدرتها على محاكاة الصورة، التي نأمل أن تحافظ على مستوياتها الجمالية والجذابة في إيقاظ الحس الدرامي عند المشاهد والإمساك به حتى النهاية. فهل يمكن تحقيق ذلك حتى الحلقة الأخيرة؟
"أخوات صبحوا في يوم أعداء" من كلمات شارة البداية ذات الدلالات العميقة لما تحمله الحلقات القادمة، وموسيقى تصويرية لأحمد فرحات ترسم المشهد بتدفق شاعري له معانيه الخاصة التي نأمل أن تكون بزخم مبهج ومستمر على وتيرة تصاعدية مع الحلقات القادمة، خصوصًا أن المسلسل يحمل في طياته غصة موت حدث أثناء التصوير وهو عصام الزر، الذي وافته المنية أثناء التصوير. ولكن تقنيات هذه الدراما تعتمد على نفس تقنيات الجرافيك والتكنولوجيا المستخدمة في هوليوود، أو بالأحرى الأفلام العالمية. ولكن يبقى للمضمون أو للنص الدرامي قوة خاصة تميزها كدراما فنتازية ذات أسطورة معروفة. فهل النص الدرامي الذي كتبه محمد ناير يستحق هذا الإنتاج وهذه التقنية؟
نأمل لهذه الدراما النجاح في رؤيتها ومعاييرها ومساعيها الهادفة إلى خلق دراما مميزة، وتكون بمثابة نقلة نوعية في مستوياتنا الفكرية فنيًا، من حيث النص المكتوب والصورة المرئية والتمثيل الديناميكي الذي يشد البصر بقدرته على التعبير من كافة النواحي، ليكون مؤثرًا ومقنعًا حتى بموسيقاه ومشاهده السمعية الخاصة، والمرتبطة بقراءة المشهد الموسيقي قبل التصويري، ليحاكي المخرج المشاهد بشتى حواسه الإدراكية، ويتم التذوق بحيادية تامة وبقدرات هي في أساسها لطاقم المسلسل بكامله وللحكايات الخيالية الملامسة للمتلقي بكل معنى الكلمة. فهل سيكون مسلسل "ألف ليلة وليلة" بداية لنوعية جديدة تقدم في رمضان؟ وهل ستكسب هذه الدراما نسبة عالية من الحضور؟
برؤية أخرى من الناحية الإخراجية، يظهر مسلسل "ألف ليلة وليلة" كعمل فني محكم يسعى لدمج عناصر الفن التقليدي مع تقنيات حديثة. المخرج رؤوف عبد العزيز ينجح في خلق توازن بين البُعد الأسطوري والواقعي، حيث تجسّد الرؤية الإخراجية الأبعاد المختلفة للحكاية بألوانها المتعددة. استخدامه للتقنيات السينمائية الحديثة مثل الخدع البصرية والتصوير المتقدم يعزز من قدرة المشاهد على الانغماس في عالم الحكايات، ويجعل التجربة أكثر إبهارًا وواقعية. من الواضح أن عبد العزيز يعتمد على إضاءة مُتقنة ومشاهد خارجية تعزز من واقعية البيئة الأسطورية، مما يساهم في نقل المشاهد إلى عوالم مختلفة ويجعلها تبدو أكثر حيوية ومؤثرة.
الحكاية الأسطورية في "ألف ليلة وليلة" تظل في صميم العمل، حيث ينجح المؤلف محمد ناير في تجسيد الأسطورة الشعبية بطريقة تُبقي على جوهرها التقليدي مع إضافة لمسات عصرية. نرى كيف أن الشخصيات مثل شهرزاد وشهريار تعيد الحياة إلى الأساطير القديمة، مما يجعلها أكثر قربًا من الجمهور العصري. استخدام الشخصيات الأسطورية في إطار حديث يعكس قدرة النص على التكيف مع الزمان والمكان دون فقدان جاذبيته الأصيلة.
النص الذي كتبه محمد ناير يتمتع بعمق وثراء، حيث يعيد صياغة الأساطير القديمة بأسلوب معاصر. يعكس العمل قدرًا كبيرًا من الإبداع في تقديم حكايات مليئة بالرموز والدلالات التي تعكس قضايا اجتماعية وثقافية. الحوار مُصاغ بأسلوب سلس وشيق، يعكس روح الحكايات الشعبية مع لمسات عصرية. النص يعالج قضايا الصراع بين الخير والشر، بين السلطة والمجتمع، ويُبرز التوترات العاطفية بذكاء. الاستخدام الماهر للرمزية والأساطير يعزز من قوة النص ويجعل منه تجربة قراءة بصرية وذهنية غنية.
من الناحية الفنية والجمالية، يظهر المسلسل كتحفة بصرية. الديكورات المتقنة التي تمثل السفينة والقصر، جنبًا إلى جنب مع الملابس والتفاصيل الدقيقة، تُعزز من شعور المشاهد بالانتقال إلى عوالم خيالية تتماشى مع الرواية الأسطورية. الألوان الزاهية والتفاصيل الدقيقة في التصاميم تضفي على العمل طابعًا جماليًا يتناغم مع الأجواء الفنتازية للحكايات. الموسيقى التصويرية، التي وضعها أحمد فرحات، تُكمل الصورة بشكل رائع، حيث تعزز من الأجواء الدرامية وتساهم في التعبير عن المشاعر الداخلية للشخصيات.
يظهر الأداء التمثيلي للممثلين كعنصر رئيسي في نقل المشاعر والدراما. شريف منير ونيكول سابا يقدمون أداءً مميزًا يعكس التوترات النفسية والعاطفية للشخصيات بعمق. القدرة على تجسيد الحكايات الأسطورية بأسلوب معاصر تتطلب مهارة تعبيرية عالية، وقد أثبتت الممثلة نيكول سابا قدرتها على تقديم شهرزاد بشخصية قوية ومعبرة. التفاعل بين الشخصيات وحضورهم القوي على الشاشة يعزز من قوة العمل ويجعل التجربة الدرامية أكثر تأثيرًا وواقعية.
مسلسل "ألف ليلة وليلة" هو عمل درامي يتمتع بتوازن ملحوظ بين عناصر الأسطورة والفن المعاصر. من خلال الرؤية الإخراجية المتقنة، النص الغني، والعرض الجمالي الفني، يُقدّم المسلسل تجربة درامية غنية تعيد الحياة إلى الأساطير القديمة بلمسات عصرية. بفضل الجمع بين التكنولوجيا الحديثة وأصالة الحكايات الشعبية، ينجح المسلسل في تقديم رؤية فنية وجمالية تلبي تطلعات المشاهدين وتجذبهم إلى عالم ساحر وفني متكامل.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol