العهد دراما تخفي الكثير من المعاني المستترة

ضحى عبدالرؤوف المل

سبع حبات من التمر كافية لينطق النوى عن حقائق مخفية. بدأ بها مسلسل "العهد" أولى حلقاته بنبوءة على ورق تعيد قصة الصراعات المحبوكة والقادرة على تخطي الممكن والمستحيل في تراجيديا تخوض بإيحاءاتها سحرًا تاريخيًا يروي قصصًا سمعنا عنها. وما بين الواقع والخيال، يمسك المؤلف بطرفي التناقض الذي تتألف منه الحياة: الشر والخير، المرأة والرجل، والأنظمة التي نؤلفها لمجرد إرضاء مصالحنا الشخصية وبما يتناسب مع التخيل المبني على المنطق الدرامي الخاص بأجواء نعيشها. لندرك أننا نحيا الصراعات منذ البدء حتى الآن. وما من سبيل إلى تصحيحها ما لم نعتمد على أنفسنا دون الإحساس بالإحباط أو فقدان الشعور بالوصول إلى بر الأمان بما يتناسب مع وسيلة الحياة. وهذا الدافع يكفي لخلق بناء درامي يميل إلى السريالية في نبذ الأساطير والنبوءات التي يعالجها مسلسل "العهد" بنص درامي مليء بالتشويق والإثارة والألغاز التي تثير بحلولها أحجيات أخرى يصعب الوصول إلى مفاتيحها، لأنها تجمع التواريخ بتشابه زمني مبني على بنية درامية واكبها المخرج بعتمة متعبة بصريًا للمشاهد المتشوق لنهاية القصة التراجيدية التي تزداد كل حلقة من حيث نمو الأشخاص وتعاقب الأدوار والعودة إلى الزمن في حاضر ترى فيه "استمنوها" كل ما يمكن تصحيحه مع استحالة ربما لا حلول لها لغموض النبوءة التي تتحقق أمام المشاهد وكأن المؤلف يكتبها في كل حلقة مع المشاهد بسحر بوازي سريالية مهيب وسحر، ولكل منهما صفة تتناقض مع الآخر ويحتاجها ليكمل الحياة بطرفين متناقضين. فهل نحن من نبحث عن الموت والحياة؟

عشاق سلطة وكبير حشاشين وكفر النساء، وعالم من الإجرام السفلي بقتل بارد وشعارات مبنية على الديكتاتورية والقوة. وكل ما يجري في الحاضر هو من مخلفات الماضي الذي تركه الأجداد يسبح مع أفعالهم الممتدة عبر الزمن، لتتكون عبر دراما تتشابك مع بعضها البعض بقدرية من صنع الأفعال الرديئة لا يمكن إيقافها ما لم تتحد الأيادي وتتخذ القرار في إيقاف تراجيديا مبنية على قراءات مصيرية تحدد مسيرة البشر الذين يكتبون كتابهم بأيديهم وهم يكذبون ويصدقون الكذبة التي تم اختراعها، لتكون بمثابة الخروج من المعضلة التي نشأت عبر فعل ينمو ويكبر من طمع أو جشع أو حب نفوذ أو قتل، أو للوصول إلى المجتمع الأفضل عبر الجزء للانتقال إلى الكل بيسر، أي بعد تنظيف رواسب الماضي الذي يروى في مسلسل "العهد". فهل يريد المؤلف أن يرى المشاهد حقائق المستقبل من خلال التاريخ لتكون النبوءة عبارة عن تحليل منطقي يقودنا إلى بناء العالم؟

دم مشعل وبداية ثورة تتحدى تصحيح الوجود والخروج إلى العلن للمناداة بأعلى الصوت بعد كبت وجبروت وتحكم برقاب الناس في الحلقة الثانية عشرة، حيث بدأت الأحداث تضيف نوعًا مضاعفًا من الإثارة الملحمية التي تطول كلما قصرت، ليحمل كل حدث الموت والنيران والتعقيد الذي يتشابك في كل حلقة بشكل أكبر، وضمن مجتمع أوجده المؤلف ليحاكي به المجتمعات الأخرى بفلسفة سياسية وجمالية تتصل بفكرة النبوءة وإشكاليتها المتعددة بدءًا من "استمنوها" التي تقرأ النوى وصولًا إلى العهد الذي تحمله وتحاول إنقاذه من الآخرين، بينما هو يتحقق ولا حاجة للناس به. لأن الأحداث ترتبط بقدر يسير بنا ومعنا كظل ووجود وحياة لا ندرك سرها، إنما نرسمها بأفعالنا وننشئ منها الصالح والباطل، لنعالج فيما بعد الأخطاء الواردة في مسيرة الأجداد التي ارتبطت بنا. فهل استطاع المؤلف من خلال الشخصية الحدث وهي الراوي "استمنوها" أو الممثلة سلوى خطاب القديرة في تجسيد هذه الشخصيات الغامضة كما في مسلسل "نيران صديقة" مع القدر، على بناء شخوصه الأخرى التي تعتمد على الحكاية أو على العهد والكلام المباح؟ أم أن الكلام المباح له وقته وزمنه الذي يتيح للجميع الحديث عن العهد؟

غزل المخرج "خالد مرعي" المشاهد على عتمة أراد أن ترافق ثيمة الشر والعالم السفلي المظلم دون اللجوء إلى صورة حديثة تحاكي بصر المشاهد بجمالية أكبر، لتبدو المهزلة البشرية أشبه بعتمة تنتظر ضوء الخير، لينتصر ويعم السلام بمؤثرات المشاعل الليلية والموسيقى التصويرية التي نجح بها المؤلف الموسيقي "هشام نزيه" بتورية تعيدنا إلى اللغة القبطية أو نغمة تراتيل "السر العظيم" الدينية للإشارة إلى العهد القديم وعودة الإنسان إلى البداية في الصراعات والبحث عن الوجود وبعبثية ذات تغيرات منخفضة وعالية تلامس الأحاسيس بلحنها السمفوني المترجم للحدث وللانفعالات المصاحبة له. هذا بالإضافة إلى جمالية التتر أو الشارة البصرية والسمعية وأساليبها في رسم المشهد الحسي بسلاسة ونقلات تحاور بعضها البعض، مترجمة التحولات بين حلقة وأخرى ومشهد ومشهد وبتجانس وكينونة خاصة.

حالات خضوع وحالات تمرد ورضى يشوبه خوارق تنتمي لأساطير موجودة في أنفسنا، نتمناها ونسير خلفها باتباع الشهوات التي تنتمي لإنسان يلهث خلف سلطة هي من نسج الخيال نستعين بها لتجلو الحقائق عكس ما نتوقع أو نفترض أو بشفرات لها غوامضها وإيحاءاتها التي تعكس حالة الإنسان الداخلية. ليستكشف المشاهد القيم الحقيقية دون التنكر لسلبيات الحياة وشرورها التي لا تنتهي، وقد تم تقديم كل هذه المفاهيم بأسلوب درامي سريالي في رؤيته النفسية قبل التمثيلية. فقد اخترق المؤلف "محمد أمين راضي" المحظور الإنساني بأسلوب مستتر يحاكي الذهن والوجدان ويترك للخيوط حبكتها في مخيلة المشاهد، وساعدت المؤثرات التصويرية في خلق خلفية الكفور وتنوعها كفر النسوان، ونطاط الحيط، وكفر القلعة، وموازينها لتكون بمثابة أماكن لمجتمعات مصغرة ذلل صعابها المخرج "خالد مرعي". إلا أن الصورة لم تحمل من المعايير الحديثة ما يجعلها بصرية قوية لتناجي قوة النص وبراعة التمثيل الذي تميزت به الفنانة "سلوى خطاب" والكثير من الوجوه التي أحببناها في مسلسل "العهد" الذي ما زلنا ننتظر نهاياته وما تحمله من مفاجآت. مسلسل "العهد" (الكلام المباح) للمؤلف محمد أمين راضي، والمخرج خالد مرعي، والمنتج "طارق الجنايني"، وهو من بطولة غادة عادل، وآسر ياسين، وآيتن عامر، وأروى جودة، وهنا شيحة، وصبا مبارك، وسلوى خطاب، وشيرين رضا.

برؤية أخرى مسلسل "العهد"، من تأليف محمد أمين راضي وإخراج خالد مرعي، هو عمل درامي استثنائي يلامس أعماق الروح البشرية ويكشف خباياها من خلال مزيج فني متقن من الكتابة والإخراج والتمثيل. يجمع هذا المسلسل بين التراجيديا والدراما السريالية بأسلوب يعكس الإبداع والابتكار، مما يجعله تجربة مشاهد فريدة تستحق التأمل.

يبرع خالد مرعي في توظيف الإضاءة والعتمة بشكل مثير للتأثير على المزاج البصري للمشاهد. استخدامه للعتمة كان مدروسًا بعناية ليعكس ثيمة الشر والعالم السفلي. هذه الاختيارات الإخراجية لم تكن مجرد تقنيات بصرية بل كانت تعبيرًا عن الصراع الداخلي للأبطال وعن الطبيعة المظلمة للعالم الذي يتناولونه. كما أن تصوير مشاهد المعارك والنزاعات كان مليئًا بالإثارة والدرامية، مما أضفى على المسلسل طابعًا ملحميًا يسلط الضوء على الصراعات المروعة والأحداث المليئة بالتوتر.

يحمل مسلسل "العهد" تعقيدات درامية وسردية ثرية. النبوءة التي تفتتح المسلسل تضيف عمقًا للأحداث وتثير تساؤلات فلسفية حول الحياة والموت والخير والشر. النص مليء بالرموز والأساطير التي تجذب المشاهد إلى عالم مليء بالتحديات والألغاز. المؤلف محمد أمين راضي نجح في نسج حبكة معقدة تجمع بين العناصر التقليدية والتجريبية، مما يتيح للمشاهدين استكشاف أبعاد متعددة للقصة. استخدامه للحوار الدرامي كان مؤثرًا ومناسبًا لإبراز تناقضات الشخصيات وصراعاتهم الداخلية.

قدمت سلوى خطاب أداءً بارزًا يتسم بالعمق والتنوع، مما يعكس قدرتها على تجسيد الشخصيات الغامضة والمعقدة بمهارة. أداءها في مسلسل "نيران صديقة" كان أيضًا لافتًا، لكن في "العهد" قدمت أداءً يضيف بعدًا جديدًا لشخصيتها. التمثيل كان متقنًا بشكل عام، حيث أن كل شخصية أضفت بُعدًا خاصًا إلى العمل، وجعلت التفاعلات بين الشخصيات أكثر واقعية وتأثيرًا. التقاء الأدوار المختلفة في المسلسل ساعد على تعزيز الحبكة وإبراز نقاط القوة والضعف في كل شخصية.

تميز المسلسل بأسلوب بصري معقد يعكس عمق القصة وتنوع عناصرها. التصوير والموسيقى التصويرية، التي قام بتأليفها هشام نزيه، أضافا بعدًا سحريًا للعرض. نغمات الموسيقى كانت متماشية مع الأجواء الدرامية والملحمية، مما ساعد على تعزيز تجربة المشاهدة. التتر والشارات البصرية كانت أيضًا جزءًا من التجربة الجمالية، حيث أسهمت في تكوين الصورة العامة التي تتناغم مع السرد الدرامي.

يقدم مسلسل "العهد" تجربة درامية متكاملة تدمج بين الكتابة الرائعة، والإخراج المبتكر، والأداء المميز. العمل هو مثال جيد على كيف يمكن للدراما أن تكون أكثر من مجرد تسلية، بل يمكن أن تكون استكشافًا عميقًا للأبعاد الفلسفية والنفسية للحياة. الجمع بين الجمالية والفنية في المسلسل يعكس تفاني القائمين على العمل في تقديم منتج درامي يعبر عن تعقيدات الحياة ويثير تساؤلات حول الطبيعة الإنسانية. مسلسل "العهد" هو بلا شك أحد الأعمال التي تترك أثرًا طويل الأمد على المشاهدين وتدعوهم للتفكير والتأمل في معانيها العميقة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol