تحت السيطرة ..

مسلسل ذو سياق درامي اجتماعي وبنية نفسية.

ضحى عبدالرؤوف المل

تظهر أهمية النص الدرامي اجتماعيًا في مسلسل "تحت السيطرة" من خلال وجوه متعبة نفسيًا تتواجد في مجتمعات تؤمن بالفرد وأهميته الإنسانية، التي تتخطى متاعبها بفكر تحليلي ومقاومة ذاتية تتحدى بها الصعوبات الحياتية بصلابة. إلا أنها أحيانًا لا تستطيع تقديم ما يجعله قادرًا على بناء نفسه لمواجهة المصاعب المرتبطة بضعف الإرادة أو الأعصاب الحساسة التي لا تستطيع مقاومة أي أزمة تحتاج إلى حنكة ومعرفة، مع احتواء لكل ما يفكر به أو بنتائجها المسبقة التي تصاحبها مساوئ اختيارات نحملها على أكتافنا، بل وتلتصق بنا حسناتها وسيئاتها على مدى الحياة، لأنها ذات ضرر كبير نفسي وجسدي، وبالمحيطين بنا في مجتمع لا نستطيع أن ننسلخ منه؛ لأنه المساحة التي اخترناها للعيش أو تلك المفروضة علينا منذ الولادة. فهل استطاع مسلسل "تحت السيطرة" تقديم دراما اجتماعية بناءة وهادفة في شهر رمضان الكريم؟

قدمت الكاتبة "مريم نعوم" نصًا دراميًا مفعمًا بحالات الإدمان المدروسة نفسيًا، والقادرة على إظهار حياة هؤلاء ومعاناتهم، وقبول المحيط الاجتماعي لهم أو رفضهم المباشر بسبب محاولاتهم المستمرة لممارسة تعاطي المخدرات والحركة الدؤوبة للخروج من مأزقهم الإدماني. وهذا ما استطاع تقديمه بدراسة وافية للشخصيات من خلال مستشار الطب النفسي، الدكتور "نبيل القط"، الذي منح الشخصيات رؤيته النفسية بمنطق مقنع ويؤدي إلى زيادة نسبة الإقناع والتأثر عند المشاهد، وكأنه وجهًا لوجه أمام المدمن، مع تحليل نفسي لكل حالة نفسية يفك الحدث غوامضها التي تفاجئ المشاهد لما تحمله من أدوار داخلية تتفوق على الدور الخارجي الذي تلعبه. وكأن كل شخصية تحاكي المشاهد بأسلوبها الخاص وبحالاتها التي تترجم دراميًا الوضع النفسي وما يترتب عليه من تفاعلات درامية تخطت من خلالها "نيللي كريم" الذات وأخرجت مخزونها التعبيري بجدية ومعايشة عبثية أحيانًا، وبتوليفة تناغمت مع طبيعة الشخصية وقدرتها على خلق حالاتها الخاصة، وتعاطف يثير شفقة المشاهد الذي عاش أجواء مسلسل "تحت السيطرة" بخوف من المدمنين وأمل في مدى الشفاء والتخلص من هذه الآفة الاجتماعية، ألا وهي إدمان المخدرات وغيرها.

الموسيقى التصويرية كانت قوية نفسيًا على المشاهد، وربما احتاجت إلى دراسة مشهدية تتواءم مع حالات الشخصيات النفسية وعلاقاتها المتشعبة والمتفاوتة. وهذا التفاوت لا بد للموسيقى التصويرية أن تتأرجح معه بنغماتها الخفيفة والقوية، وأيضًا بمستويات الآلات الموسيقية التي تحاكي السمع بمعناها الخفي في المشهد والتأثير عليه. فقد توازن الموسيقي "تامر كروان" حسياً مع المشهد، لكنه لم يقدم معادلة نفسية لذلك، وهذا له صعوبته التي يلمسها المؤلف الموسيقي بمخيلته الدرامية وموسيقاها الباطنية، دون أن ننسى تصميم البرومو والتتر للفنان "أحمد يسري" بديناميكية وحركة اختزل من خلالها الصورة من البداية إلى النهاية.

رسمت الفنانة "نيللي كريم" خطوط الشخصية الحدث بدقة لمفهوم يتطور مع القضايا التي تتناولها الشخصية من علاقة حب سابقة، وزواج، ومن ثم مشاكل الحمل والتأثر العاطفي به ومشاكل الزواج، ثم الإحساس بالأمومة وما يتبعه من منظور علم النفس التحليلي والعلاج، دون شرخ في الشخصية. وهذا ما ساعدت به البنية النفسية المتينة في مسلسل "تحت السيطرة"، والذي ينطوي على أفكار كامنة في كل شخصية، وأقواها في شخصية الفنانة "نيللي كريم"، دون أن يغفل المؤلف والمخرج دور المجتمع في التعاطي مع سيمياء النص الدرامي الذي يستهدف تعاظم الأدوار وتبادلها ضمن كل حلقة تجانست فيها المشاهد وتناقضت أحداثها بتباعد، وكأن المؤلفة قصدت هذا التباعد والتقارب بالأحداث التي تستكمل بها مسارات التحول في هذه الدراما. التي استطاعت فيها الممثلة "نيللي كريم" بقاء الدور تحت سيطرتها وقدرتها التمثيلية التي اندمجت مع المخرج ببراعة، ممثلة منحت دورها قوة وثباتًا وشمولية أعمق من أدوارها السابقة رغم قوتها.

الإدمان ومشاكله والآثار المساعدة على تفتيت النفس وتركها مسلوبة الإرادة من الداخل دون إدراك للنتائج المدمرة التي تصيب الإنسان بما هو قاتل، في مسلسل نجح طاقم العمل به وإن بتفاوت العناصر الأساسية البنائية المكملة لهذه الدراما، ولكنها لم تقف عثرة في وجه النص والممثل وجمالية كل حلقة تمسك بخيوط الحلقة الأخرى. مما يبعد عن المسلسل صفة التكرار أو الملل، خصوصًا وأن الموضوع عبارة عن حالات لمدمنين مختلفة. إلا أن كيفية ترجمة هذه المشاكل والتغلب عليها هي بحد ذاتها فن أدائي تميز به الأبطال.

تأليف وأداء وإخراج لواقع اجتماعي متخيل دراميًا دون أن يتخطى المؤلف المقبول وغير المقبول من حيث المرأة المدمنة، وخطورة ذلك على جنين أو على جينات وراثية قد يحملها الجنين من أمه المدمنة، وما بين المحظور وإظهار الحالة كما هي، نستطيع القول إننا تعرفنا على حياة المدمنين ومعاناتهم من خلال هذا المسلسل الذي خاطب الملايين عبر مشاهده وعناصره المكونة لبناء تمثيلي أو درامي يميل إلى خلق محاكاة بين المشاهد وكل شخصية، وتحليل تراجيدي ذي جدلية وتعقيد يمكن فك أزمته بعقلانية، يرى من خلالها قوة التناقض بين الحياة والموت والخير والشر والاستسلام والمقاومة وأهمية الإرادة في تطوير النفس البشرية التي تعاني من ثغرات ضعف في بنائها البشري. فهل جعل مسلسل "تحت السيطرة" المشاهد في حالة من الخوف ليرى حقيقة الحياة عند المدمن وفاعلية السيطرة عليها؟ وهل تخطى المسلسل بالفن الأدائي حالات شخصياته التي عايشناها وتعاطفنا معها وحاكمناها بنوع من العلاقات الغامضة التي نشأت بين الشخصيات والمشاهد؟ أم أن مستشار الطب النفسي في المسلسل، "نبيل القط"، راهن على كل هذا نفسيًا؟

المسلسل من بطولة نيللي كريم، محمد فراج، ظافر العابدين، أحمد وفيق، هاني عادل، جيهان فاضل، هاني خليفة، ومن تأليف الكاتبة "مريم نعوم" وإخراج "تامر حسن".

برؤية أخرى مسلسل "تحت السيطرة" هو عمل درامي اجتماعي يتناول موضوعات حساسة تتعلق بالإدمان وتأثيراته النفسية والاجتماعية. من خلال تناول موضوع الإدمان، يسعى المسلسل إلى تقديم صورة واقعية ومعمقة لحياة المدمنين ومعاناتهم، ويتناول في ذات الوقت كيفية تعامل المجتمع مع هؤلاء الأفراد. يعكس العمل التوترات النفسية والاجتماعية من خلال سرد درامي معقد وكتابة متقنة، ويشمل جوانب متعددة من الحياة الشخصية والاجتماعية للممثلين.

الإخراج في "تحت السيطرة" قدم عملًا مبنيًا على توازن دقيق بين الواقع الفني والدقة النفسية. تميز الإخراج بقدرته على تقديم شخصيات معقدة عبر مشاهد تعكس الصراعات الداخلية والخارجية. استخدم المخرج تامر حسن تقنيات متنوعة من بينها زوايا الكاميرا القريبة التي تعزز من تعبيرات الشخصيات، مما يسمح للمشاهدين بالتفاعل عاطفيًا مع الأحداث. التغيير بين المشاهد السرية والعلنية ساعد على خلق تباين مثير يساهم في إبراز الصراعات الداخلية.

تستند كتابة المسلسل إلى نصوص ذات طابع درامي اجتماعي غنية بالتفاصيل النفسية. الكاتبة مريم نعوم قدمت نصًا يتسم بالواقعية والعمق، حيث كانت الكتابة دقيقة في تصوير حالات الإدمان وأثرها على الأفراد والمجتمع. النص لم يقتصر على عرض المشكلة فحسب، بل قدم أيضًا تحليلات نفسية متعمقة للشخصيات، مما ساعد في فهم دوافعهم وأفعالهم. بناء القصة وتطورها يتسمان بالتعقيد، حيث تتشابك الأحداث بشكل ينم عن تخطيط متقن يحقق توازنًا بين التوترات الدرامية والتطورات النفسية.

اعتمد المسلسل على تصوير بصري يعكس الحالة النفسية للشخصيات. الإضاءة والتصوير كانا محوريين في نقل الحالة المزاجية لكل مشهد، حيث استخدمت الإضاءة المظلمة والظلال لإبراز الحالة النفسية المضطربة للشخصيات. الموسيقى التصويرية، رغم قوتها، كان بإمكانها أن تكون أكثر توافقًا مع التحولات النفسية للشخصيات. المساهمة الكبيرة في الجانب الجمالي جاءت من أداء الممثلين والتصميم الفني الذي عكس البيئة الاجتماعية والداخلية للمسلسل.

أداء الممثلين في المسلسل كان مؤثرًا ومعبّرًا عن عمق الشخصيات وصراعاتها. نيللي كريم، بوجه خاص، قدمت أداءً استثنائيًا يجسد تعقيدات الشخصية ويبرز تحولاتها النفسية بشكل بارع. التعبير الجسدي والعاطفي ساعد على نقل مشاعر الصراع والألم إلى الجمهور. كذلك، دور مستشار الطب النفسي، الدكتور نبيل القط، كان له تأثير إيجابي في تعزيز المصداقية والعمق النفسي للشخصيات

من خلال التناول الدرامي والفني، ينجح "تحت السيطرة" في تقديم صورة واقعية ومعقدة للإدمان والتحديات التي يواجهها الأفراد والمجتمع. الإخراج والكتابة يقدمان رؤية متكاملة ومتوازنة تجمع بين التحليل النفسي والدرامي، بينما يعزز الأداء التمثيلي والموسيقى التصويرية من التجربة العاطفية للمشاهدين. المسلسل ينجح في جذب الانتباه وتحفيز التفكير حول قضايا الإدمان والتأثيرات الاجتماعية والنفسية، مما يجعله عملًا دراميًا جديرًا بالاهتمام والتقدير.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol