"سيلفي... ناصر القصبي
ضحى عبدالرؤوف المل
"ناصر القصبي" وصورة ذاتية يطلقها في نقد اجتماعي معاصر وهادف، أو "سيلفي" في موسم رمضان المبارك لتكون حلقات برنامجه مرآة للشارع أو دعوة للتفكر وإعادة القيم والمفاهيم إلى معادلات يُبثّها معالجات لمساوئ ما يحدث في العالم العربي. بدايةً مع "دنفسة" وسواليف لها قصة ومعنى كما يُقال في أغنية المقدمة أو التتر، لتبدأ الحلقة الأولى بدعوة لرؤية الفن الحقيقي بعيون ترى بوضوح مشاكل الفن، سواء قبوله أو رفضه. والفنان في الزمن الجميل أو في الزمن الرديء هو حالة من التذبذب التي يخافها البعض، وهي الميزان الحقيقي للفن.
فالنقد الاجتماعي الانعكاسي لحالة الشارع وغليانه، وهو المملوء بالمواضيع التي تلامس المشاهد والتي كانت تحتاج إلى بساطة وحنكة في الإخراج. فالنقد الاجتماعي الذي يوجهه "ناصر القصبي" في رمضان يلقى نوعًا من القبول والكثير من الرفض لسخرية هادفة يقدمها في قالب انتقادي ضاحك ساخر يثير الغضب في نفوس البعض والرضى في نفوس آخرين.
يبدو أن برنامج "سيلفي" أثار حفيظة الكثيرين من المشاهدين، فما بين مستنكر وموافق، يكمل القصبي برنامجه في حلقات منفصلة بعنوانينها، وتبحث عن المجتمع العربي المتميز بأخلاقياته من "دنفسة" إلى "بيضة الشيطان" واحد واثنان، "المعنف" و"المرافق" و"كرة ندم" و"إقلاع اضطراري". فهل سيكمل الفنان "ناصر القصبي" برنامجه "سيلفي" دون توقف اضطراري أو منع تلفزيوني، أو حتى هجوم يشنه على برامج تلفزيونية أخرى لا تهدف إلا للربح المادي؟ ربما النقد الاجتماعي عبر شاشات التلفزة بات قليلاً ما نراه بهذه الخامة أو النوعية التي تهدف إلى خلق جدليات اجتماعية بعيدًا عن التنافس في عدد المشاهدين الذين باتوا هم بيضة القبان التي تضع الموازين على الميزان بطريقة يسعى الكل إليها. فهل سيستطيع "ناصر القصبي" أن يكمل حلقاته على هذه الدرجة العالية من النقد الاجتماعي الذي هو مرآة للشارع العربي بكل فئاته؟
مشاهد تمثيلية ضاحكة أو ساخرة لوضعيّات اجتماعية تحمل فكرة منطقية واحدة في كل حلقة من حلقاته المحاكية للمجتمع العربي بكافة شرائحه، كما في حلقة "إقلاع اضطراري" التي تعالج خلاف المذاهب لتقول نحن العرب إخوة، والخلافات المذهبية ما هي إلا وجهات نظر قد نتفق عليها ونختلف فيها، لكننا أمة عربية إسلامية تؤمن بالله الواحد. وهذه من المعالجات التي تدفع المشاهد إلى استنتاجات جميلة ورقيقة في رؤاها التي نشعر من خلالها أن الإنسان هو الإنسان بالفطرة، عند المخاطر يعود إلى الله وحده في محنته وفي لجوئه الدائم إلى الله. وباستفزاز ذهني للمشاهد الموافق على فكرته والمعارض لها، وفي كلتا الحالتين يقدم "ناصر القصبي" وجهة نظر بعيدة كل البعد عن الفن المادي، بل الفن للفن ولخدمة المجتمع. فهل استطاع ذلك؟
لا تطول المدة بل تقصر، ولا هي مادة دعائية بل مشاهد محبوكة بمقاييس تلفزيونية انتقادية قصيرة في الفكرة التي تم توسيعها دون اختصار، وطويلة في ظاهرها الحواري لتواصلها مع الفكرة. وربما هذه المعالجة الإخراجية قد أثرت بزوائد يمكن اختزالها كي تترك الفكرة في خبايا المشهد دون إظهارها بأسلوب مباشر للمشاهد، وهذا أفقد حلقات القصبي نوعًا من إثارة الدهشة التي كان من الممكن أن تترك للفكرة جوهرها وللتحليلات المبطنه إيجابياتها، والسلبيات تبقى في الاستنتاجات المتفاوتة المفقودة من برامج تطغى فيها المواضيع الاجتماعية التي افتقدناها سابقًا في الخيمة التلفزيونية الرمضانية بشكل عام. ولكن برنامج "ناصر القصبي" كان يمكن لحبكته نسجها بحرفية تحتاج لصقل نوعي بشكل أوسع لتكون عقلانية فنية بعيدة عن المباشرة وتركها كاللغز. وهذا ما ابتعد عنه القصبي واضعًا المظلة السياسية فوق برنامجه، حيث حصر الموضوع الإسلامي في برنامج "سيلفي" لإثارة صدمة ذات ميول مسموحة وممنوعة في تداولها أو مخيفة في طرحها، والرهان على الاعتدال والخلق المتسامح والمعايير الاجتماعية التي نفتقدها رويدًا رويدًا.
توليفات مشهدية عبثية في بعضها، تهدف إلى خلق جدليات بين أطراف المجتمع العربي بغض النظر عن المكان والزمان، لأنها مواضيع عامة تعنى بالعرب وباتجاهين مختلفين في الطرح. والاستنتاج وإثارة الرضى أو الغضب بانفعالات متنوعة تؤثر على النص التمثيلي الذي احتاج إلى الإخراج الفني بشكل أقوى دون التنكر للمعاني النقدية التي قدمها القصبي عبر المواقف والسلوكيات الملموسة في مجتمعاتنا، مثل زواج المتعة والمسيار وما إلى ذلك من أمور تختلف عليها المذاهب التي تؤمن بالله. فهل هذا النقد موجه إلى الخاصة أم إلى العامة أم إلى برامج رمضانية كان من الممكن أن تحمل في طياتها الدرامية ما هو مفيد أخلاقيًا ومعرفيًا وبشكل أوسع، اجتماعيًا أو سياسيًا؟
لم يتلاءم النص مع الإخراج والتمثيل في "سيلفي" إذ انفصلت البراعة والحنكة في التمثيل عن الركاكة في الإخراج ونوعًا ما في النص والمعالجة وفي تقديم الفكرة بشكل عام. وهذا أدى إلى أخطاء في إيصال الرسالة وبشكلها المباشر المسىء نوعًا ما إلى فئة من المشاهدين الذين انتظروا من القصبي مواضيع أكثر ديناميكية وخفيفة في فكرتها، رغم أن الفكرة العامة تعالج في بعض منها التطرف. إلا أن بناء المشاهد تسبب في خلق تفاعلات حيادية عند إثارة مواضيع حساسة نوعًا ما دون النظر إلى البنية النفسية عند المشاهد، ليقبل هذا أو يرفضه. إذ تم تقديم الفكرة بشكل مباشر تمثيليًا دون تورية أو استبطان كان يحتاجها "سيلفي" ليبقي على جوهر الفكرة ولذة اكتشاف المعنى بسلاسة وحيوية. وهذا ما يفرض على المخرج "أوس الشرقي" إعادة النظر فيه ليمسك بخيوط النص والفكرة والمشهد والحوار الطويل."
برؤية أخرى برنامج "سيلفي" للكاتب والممثل ناصر القصبي، الذي يعرض في موسم رمضان، يبرز كنموذج مثير للنقاش حول قضايا اجتماعية هامة من خلال معالجة درامية ذات طابع ساخر. يظهر البرنامج كأداة نقدية تجسد التفاعل بين الفن والمجتمع، مستعرضًا قضايا اجتماعية حساسة عبر حلقات قصيرة تجمع بين التهكم والجدية. من خلال تحليل انطباعي موضوعي، سنستعرض الجوانب الدرامية والفنية والجمالية في "سيلفي"، مع التركيز على كيفية معالجة المخرج أوس الشرقي للنصوص وكيفية تأثير ذلك على التفاعل المشاهدي.
المحتوى والنقد الاجتماعي: "سيلفي" يتناول موضوعات اجتماعية متعددة تعكس واقع المجتمع العربي، من خلال حلقات تناقش مواضيع مثل الخلافات المذهبية، زواج المتعة، وزواج المسيار. البرنامج يسعى لخلق جدليات اجتماعية وإثارة النقاش بين المشاهدين حول هذه القضايا. النصوص غالبًا ما تعرض القضايا من زوايا مختلفة، مما يعزز من قدرة المشاهد على التفكير النقدي حول القضايا المطروحة.
البرنامج يعتمد على سرد قصصي مكثف ومباشر في بعض الأحيان، مما قد يؤثر على قدرة المشاهدين على استيعاب الرسائل بعمق. الأداء التمثيلي لنجم البرنامج ناصر القصبي، بجانب الممثلين المشاركين، يُظهر احترافية في تجسيد الشخصيات والأوضاع الاجتماعية، لكن في بعض الأحيان يواجه البرنامج تحديات في تحقيق التوازن بين الكوميديا والنقد الجاد. بعض المشاهد قد تفتقر إلى اللمسة الدرامية المطلوبة لتجسيد القضايا بفعالية.
المخرج أوس الشرقي يقدم معالجة إخراجية تتسم بجرأة وإبداع، إلا أن بعض المشاهد تفتقر إلى الحنكة في تقديم الأفكار بشكل غير مباشر. التصوير والإضاءة يعكسان أجواء المشهد بشكل جيد، لكن هناك مجال لتحسين التوازن بين العناصر الفنية والجمالية. الإخراج قد يفتقر إلى عمق في بعض المشاهد مما يؤثر على التأثير الدرامي المطلوب.
"سيلفي" يستخدم أسلوبًا جماليًا يعكس الطابع الساخر للبرنامج، معتمدًا على الألوان والديكور والإضاءة لإبراز المشاهد. البرنامج يعكس حساسية فنية في تقديم القضايا بأسلوب ساخر وجاد في آن واحد، مما يمنح العمل طابعًا مميزًا. رغم ذلك، بعض الحلقات قد تفتقر إلى العمق الجمالي في التعبير عن الموضوعات، مما يؤثر على قدرة البرنامج على إثارة التفاعل البصري والعاطفي مع المشاهد.
الرسائل التي يقدمها "سيلفي" تحاول تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية بأسلوب نقدي وساخر، مما يؤدي إلى تأثيرات نفسية متنوعة على المشاهدين. بعض المشاهد قد تثير القلق أو الاستفزاز، بينما قد يجدها البعض الآخر مثيرة للتفكير ومفيدة. التباين في الاستجابات النفسية يعكس قوة وتأثير البرنامج في معالجة القضايا الاجتماعية بطريقة درامية وتعبيرية.
برنامج "سيلفي" يجمع بين الفن والنقد الاجتماعي بطرق مبتكرة، لكنه يواجه تحديات في تحقيق التوازن بين الكوميديا والجدية. من خلال تحليل جوانب البرنامج المختلفة، يظهر أن هناك إمكانيات لتحسين تقديم الأفكار بشكل أعمق وأكثر دقة. الإخراج والتمثيل يلعبان دورًا مهمًا في هذا الصدد، ومن الممكن تحسين التجربة العامة للمشاهدين من خلال تحسين التوازن بين النصوص والإخراج والتعبير الجمالي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol