دكتور سعيد الولي في حوار خاص :" الموسيقى سر إلهي عميق، لأنها تخلب الألباب وترافقنا من المهد إلى اللحد".
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
تمنح الموسيقى مشاهدها لمن يتعمق في كل إيقاع يحاكي النغمة الأخرى، لتتواصل الآلات في العزف ضمن حركة مدروسة ومنضبطة شرحها الدكتور سعيد الولي مؤلف كتاب "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية بفهم يضع القارئ والمستمع أمام المشاهد التصويرية وكيفية ترجمتها وفهمها، خصوصاً وأن لكل آلة رمزيتها ومعناها العاطفي والعقلي والتراجيدي أو حتى الكوميدي، إن في بث الفرح أو بث الحزن أو حتى تأجج المواقف المشهدية الحسية التي يشرحها دكتور سعيد الولي في كتابه ضمن السيمفونيات العالمية ورؤاها العالمية. لهذا أجريت معه هذا الحوار لمجلة "مشارف" المقدسية لنستقرأ معه مراحل بداياته وأهمية الموسيقى بالنسبة له، وعن كتابه الثمين من حيث شرح السيمفونيات أو من حيث ارتباط الآلات بكل مشهد سمعي. احتفظ بترجمته بفن وأدب وجمال.
- من هو دكتور سعيد الولي وما هي أهمية الموسيقى في حياته؟
أنا ابن مدينة طرابلس، نشأت وترعرت في أسواقها وأزقتها وبساتينها، كما تعلمت في مدارسها الرسمية قبل أن أنتقل إلى دار المعلمين والمعلمات. أنا ابن عائلة متواضعة ولكنها مميزة على صعيد الموسيقى. والدتي كانت تعزف العود وتغني بصوتها الجميل أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وزكريا أحمد وصباح وليلى مراد ومحمد فوزي وفيروز، وغيرها. كانت تحفظ فوراً كل أغنية تسمعها من آلة الراديو العتيق وتبادر إلى عزفها وترديدها مع آلة العود. أنا مثلها أحفظ كل أغنية أسمعها وأرددها مع أمي في البيت. وكان صوت والدي أيضاً جميلاً، ولكنه يدندن لنفسه وبصوت منخفض. صودف أيضاً أن والدتي وجدتي كانتا يستمعان إلى التمثيليات والأفلام التي يبثها الراديو، وفيها ما فيها من الموسيقى التصويرية التي ما إن أسمعها حتى تعلق في أذني وفي حنجرتي. وهذه الموسيقى كانت في معظم الأحيان مقتطعة من المؤلفات الكلاسيكية لكبار المؤلفين.
كنت أتابع سماع الموسيقى كلما تيسر لي من محل الجار أو عند جدتي أو عمتي، إلى أن وصلت إلينا في مطلع الستينات أولى المجموعات الكلاسيكية: ثنائي أو ثلاثي أو عازف منفرد، بمبادرة من معهد غوته الألماني والمركز الثقافي الفرنسي. كنت أواظب على حضور كل الأمسيات في طرابلس، منحني دار المعلمين منحة نقدية فتابعت هذه الموسيقى في بيروت ثم في مهرجانات بعلبك. أردت تعلم العزف على البيانو، ولكن كنت قد تقدمت في السن، كما كانت الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة قد أغلقت فرعها في طرابلس. استعضت عن العزف بدراسة تاريخ الموسيقى وأعمال المؤلفين الكبار. بداية اعتمدت على نفسي، ثم في معهد الموسيقى الباريسي عندما سافرت إلى فرنسا. وهكذا فإن الموسيقى كانت الخلفية الثانية في حياتي، ولا يمضي يوم دون أن أستمع عدة ساعات أو أشاهد الأعمال الكلاسيكية.
- من يقرأ كتاب "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية" ويسمع الأقراص المدمجة المرافقة يستطيع فهم الخطوات بمخيلة ذات فضاءات غير محدودة. ما رأيك بهذا؟
في سنة 1973، دعاني بعض شباب البكالوريا، فيما كانوا يسمونه آنذاك "الحركة الثقافية"، إلى جلسة معهم ومع جمهورهم لأشرح بالتفصيل عملاً كلاسيكياً، مساعدة لهم على الفهم والتذوق، وهكذا كان. التقينا في الرابطة الثقافية، وأحضرت معي البيك آب والأسطوانة ورحت أشرح لهم بالتفصيل مسرحية روميو وجولييت لشكسبير كما صاغها موسيقياً المؤلف الروسي العظيم بيتر إيبليتش تشايكوفسكي، في مقدمة فانتازيا مشهورة جداً. ولما كان النجاح باهراً، اتفقنا على جلسة أسبوعية في الرابطة، دامت أكثر من عشرين سنة. رحت أوائم بين الجملة اللحنية أو الآلة الموسيقية وبين الموضوع والشخصيات. هذا لحن جولييت، هذه موسيقى المعركة بين العائلتين، كابوليه ومونتيغو، ثم المقاطع الموسيقية الصرفة التي لا تروي حدثاً ما والتي يستطيع معها المستمع والقارئ أن يطير ويحلق في الفضاء الذي يريده أو الذي يجد نفسه فيه أثناء سماع الموسيقى. مع الموسيقى وبفضل الصمت المحيط، ينتقل الواحد منا إلى حالات أخرى مع إحساسات مختلفة كما لو كانت الجلسة بدون موسيقى. إنها تثير الشجن أو الفرح أو الحماس أو الغرام، وهكذا.
في الموسيقى سر إلهي عميق، لأنها تخلب الألباب وترافقنا من المهد إلى اللحد. ليس هناك على وجه الأرض مخلوق واحد لا يسمع أو يغني أغنية من ثقافته، إذا كان معزولاً أو من سائر الثقافات مع تنوع وسائل الاتصال كما هي الحال الآن.
لكل فضاؤه ولكل موسيقاه ولكل هجرته الداخلية عند الاستماع، ولا فضل لموسيقى على أخرى أبداً. أنا أشرح الموسيقى الكلاسيكية لمن يريد معرفتها، ولكنني أغني أغاني بلدي والبلاد الأخرى كما يغني الفلاح في حقله والبدوي في صحرائه. لكل طربه ولكل سفره الداخلي ولكل خياله حيث يمكن تصور جلسة حميمة أو عاصفة برعدها وبرقها وأمطارها، أو شدو للطيور أو رحلة بحرية. لكل تصوره حسب حالته، خصوصاً مع الأعمال الموسيقية التي ليس لها برنامج أو قصة، بل هي موسيقى صرفة لا ترتبط بحدث معين كسمفونيات بيتهوفن أو برامز أو كونشيرتو موزار، وهكذا. ليس في ذلك مبالغة لأن وقع الألحان يختلف بين السامع والآخر.
- كيف تنمو المخيلة السمعية وتتغذى من خلال الموسيقى؟ وهل يحظى ذلك باهتمام المدارس؟
إن التربية الموسيقية مثل التربية البدنية أو سائر النشاطات التي تؤدي إلى تعلم ما. فكما تنمو العضلات بفضل التمارين، فإن الأذن تتعود شيئاً فشيئاً على تذوق الموسيقى التي تجهلها بفضل جلسات أو حصص السماع والشرح، وهذا ليس صعباً. التمتع بالموسيقى لا يتطلب موهبة خاصة أو معجزة أو مستوى ثقافي اجتماعي معين. أنا مصر على أن لكل إنسان في بقعة من العالم موسيقاه وأغانيه وآلاته والمؤلفات التي كتبها مواطنوه. لذا فإن المخيلة السمعية مدربة أصلاً على سماع الموسيقى، ولكن النشاطات الجدية الممنهجة للاستماع تساعد على إغنائها بأنماط جديدة من الموسيقى، ولا يمكن لذلك إلا أن ينجح، لأن المخيلة السمعية أو القدرة على الاستماع للموسيقى وتردادها هي ملكة إنسانية عامة، لا يختص بها شعب لوحده دون سائر البشر. من هنا دور الأهل والمدرسة في تنمية وتهذيب هذه المخيلة، أو لنقل هذه الملكة، وذلك في سبيل بناء شخصية أكثر توازناً وأكثر تعاطفاً مع الناس، لأن الموسيقى تجمع، والأغنية تحلق حولها الناس. ألم يقل نيتشه "لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأ جسيماً"؟ كنا في صغرنا نتعلم الأغاني في ساعة الموسيقى ولا أعرف لماذا ألغيت لصالح الرياضيات والعلوم في المناهج الدراسية. أوليست الأوزان الموسيقية والنغمات والإيقاعات والهارمونية فيزياء ورياضيات؟
- " من الصمت إلى الصوت وبالعكس" عنوان محاضرة لإدوارد سعيد، ما رأيك؟ وهل للبعد الرمزي صمته الموسيقي الخاص؟
لا أعرف في أي مجال جاء هذا العنوان للمفكر العظيم إدوارد سعيد، لأن فكره المتوقد يطل على كل ميادين الأدب والفلسفة والأنثروبولوجيا والسياسة. ولكنني أعرف أيضاً أنه من الممكن أن يكون جاء في مجال الموسيقى، لأن إدوارد سعيد عازف بيانو لا بأس به وله صولات وجولات في هذا الميدان. بداية أقول إن الموسيقى هي نقيض الصمت، لأنها أصوات وأنغام تُسمع بواسطة الأذن البيولوجية، بينما قد تكون هناك موسيقى في الصمت نسمعها بواسطة روحنا وكياننا، لأنها في مجال اللامحسوس وتحمل كل التعبيرات وكل الحالات الشعورية، لأن في الصمت يجد الإنسان نفسه مقابل مرآته الذاتية يتلون بتلاوينها ويتحرك وفق نبضاتها. إلا أنه توجد الإشارة إلى علامات تعني الصمت في الكتابة الموسيقية، فالجمل لا تتابع دون توقف ودون استراحة. وفي طول مدة الاستراحة، أي سكوت الآلات عن العزف أو قصرها، تحدث فروقات بين العازفين وقائد الأوركسترا. كما أن هناك صمتاً بين حركات السيمفونية أو السوناتة أو الأعمال الكبيرة، وذلك تهيئة للانتقال إلى مناخ يختلف.
- لماذا كتاب "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية"؟ وهل هناك أجزاء أخرى بعد المقدمة؟
عندما بدأت بمحاضراتي (شروحاتي) للأعمال الكلاسيكية وطيلة ثلاثين سنة، شعرت بحسن استقبال الجمهور واستحسانه لهذه الشروحات، لأنني قلت آنذاك وما زلت أقول: "إن الموسيقى الكلاسيكية هي ملك لكل الناس أينما وكيفما كانوا. إن تذوقها لا يحتاج لثروة ولا لأرستقراطية، وهي ليست ملك الغرب وحده. إنها لغة كونية نطرب لها جميعاً، لكن هناك مفاتيح بسيطة قد تساعد على الاستغراق فيها ومشاركة الآخرين نشوتهم". هذا الكتاب دليل مبسط يشرح العمل الموسيقي ويحلله إلى أجزائه (دقيقة، ثانية) ليتمكن المستمع من متابعة الفكرة موسيقياً. وفي مطلق الأحوال، يمكن لمقتني الدليل أخذ بعض المعلومات عن المؤلف وعن العمل دون الخوض في التفاصيل، فالموسيقى لغة الكون. وأنا بصدد كتابة الجزء الثاني منه، وسيكون هناك أيضاً "مقدمات" أخرى، لأن غايتي ليست تعليمية تقنية، لأن هذا دور أساتذة المعاهد الموسيقية الأكفاء.
نكتشف من الحوار مع دكتور سعيد الواي أن الموسيقى، من منظور نفسي، تُعتبر قوة سحرية تُعزز من التجارب العاطفية وتمنح الأفراد ملاذًا هادئًا للهروب من صخب الحياة اليومية. في النص، يتجلى تأثير الموسيقى بشكل واضح في كيف أن شخصياته، بما في ذلك دكتور سعيد الولي، تكتشف الأبعاد العميقة لمشاعرهم من خلال الموسيقى. يُعبّر عن أن الموسيقى ليست مجرد أصوات، بل هي نافذة إلى النفس البشرية، تلامس أعماق الوجدان وتفتح أبوابًا جديدة لفهم الذات. الموسيقى هنا تُصوّر كعامل مساعد في تطوير المخيلة السمعية والتفاعل العاطفي، مما يعزز من رفاهية النفس وحالتها الشعورية.
يُعتبر الكتاب "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية" مرشدًا بصريًّا وسمعيًّا يعيد تشكيل تجربة الاستماع إلى الموسيقى. من خلال الإيضاحات التي يقدمها، يُظهر أن الموسيقى الكلاسيكية ليست مجرد مجموعة من النغمات، بل هي تجربة جمالية متكاملة تحاكي خيال المستمع وتدخله في عالم فني ملون. كل قطعة موسيقية هي لوحة فنية تُعبّر عن مشهد محدد أو حالة عاطفية، مما يخلق تناغمًا بين السمع والرؤية والتفاعل الداخلي.
من منظور موسيقي، يُسلط الضوء على أن الموسيقى تعمل كوسيط بين الإيقاعات والنغمات والأحاسيس. العلاقة بين الألحان وتفاعل الآلات تُبرز البُعد الإبداعي والتقني في تأليف الموسيقى. السيمفونيات التي يتم شرحها في الكتاب تُعتبر مثالًا حيًّا على كيف يمكن للتركيبات الموسيقية المعقدة أن تخلق تجربة سمعية تُثير مشاعر مختلفة. يتم تبسيط هذه التجربة من خلال الشروحات الواضحة، مما يسهم في قدرة القارئ على فهم وتقدير الأبعاد الفنية لكل قطعة موسيقية.
تُعتبر الموسيقى لغة روحانية تُترجم إلى مشاعر وصور شعرية. النص يبرز كيف أن الموسيقى ليست مجرد أصوات، بل هي قصائد تُغنى بالأحاسيس والتجارب الإنسانية. يُصوّر دكتور سعيد الولي الموسيقى كوسيلة تعبير تُحاكي التجارب الإنسانية وتترجمها إلى أشعار موسيقية. وصف الموسيقى بأنها "سر إلهي عميق" و"تخلب الألباب" يعكس كيف أن الموسيقى تتجاوز حدود الكلمات لتدخل إلى أعماق الروح. هذه الرؤية الشاعرية تعكس الإعجاب العميق بالموسيقى كفن يلهم ويثير الإبداع ويساهم في التعبير عن أعمق مشاعر الإنسان.
يشكل النص تجسيدًا لمزيج غني من الأبعاد النفسية والفنية والجمالية، مما يعكس تأثير الموسيقى العميق على الفرد. من خلال تذوق الموسيقى وتفكيك عناصرها الفنية، يُتيح القارئ لنفسه تجربة عميقة وغنية تدعمه في فهم الذات وتعزيز التجربة الإنسانية. الموسيقى، كما يراها دكتور سعيد الولي، هي لغة عالمية تتحدث إلى الروح، وتفتح أبوابًا للشعور والإبداع، مما يجعلها جزءًا أساسيًا في حياة الإنسان.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol
!