المخرج هاني إسماعيل لمجلة "مرايا": أتمنى أن يُصادف مسلسل "أوراق التوت" النجاح الذي يستحقه، لأنه عمل ضخم جدًا.
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المَلّ
أثبت المخرج هاني إسماعيل قدرته في منح العمل الدرامي الإحساس الفني، محتفظًا بخاصية فردية في قيادة طاقم العمل المتناغم، كقائد مشبع بالمسؤولية الإخراجية التي يقود بها أي عمل فني، بتوجيه سلس وفهم لأعماق الممثل، ليستخرج مكنونه بأقصى حالات الإبداع كلغة فعل درامي يقدمها للمشاهد بحنكة وضبط لإيقاعات العمل الذي يتميز بالدقة والإبهار والإمساك بالخيوط الأساسية لإبراز قيمة العمل الدرامي كما يستحق. وهذا ما هو ملموس في مسلسل "أوراق التوت" الذي قام بإخراجه المخرج هاني إسماعيل وفق رؤيته وسيرورته في خلق فني درامي متكامل، متجاوزًا حدود المشهد بشكل طبيعي، بتكييف نلمس منه توافق الكادر الدرامي بأكمله في هذا المسلسل. ومعه أجرينا هذا الحوار...
- المخرج هاني إسماعيل والمشوار الطويل في الإخراج من مسلسل "الحساب" وصولًا إلى "أوراق التوت"، بماذا تخبرنا عن ذلك؟-
قبل مسلسل "الحساب"، كنت أعمل في تلفزيون السعودية لمدة سنتين وقدمت أعمالًا مهمة سعودية وخليجية، وحصلت على جوائز ذهبية في المهرجانات. وهذا ساعدني للعمل في مصر. و"الحساب" كان أول مسلسل درامي مصري يحتك بالجماهير، لأنه دراما بوليسية اجتماعية، وأعتقد كان تأثيره جيدًا على المشاهدين. بعدها توالت مجموعة من الأعمال الدرامية، أهمها مسلسل "سوق العصر" الذي تكاملت فيه كل العناصر الفنية من نص ونجوم وديكورات، وحصلت فيه على جائزة الإخراج الذهبية سنة 2000. وأيضًا "السيرة الهلالية"، وهو من الأعمال التي أعتز بها جدًا، مثل مسلسل "ثورة الحريم" الذي يناقش مشاكل وهموم المرأة في الصعيد أو في الجنوب بشكل عام، مثل مسلسل "حمزة وبناته الخمسة" من الأعمال الاجتماعية التي تتناول التربية والأسرة وإهمال الأبناء والتأثير السلبي على سلوكهم. ثم مسلسل "على باب مصر" الذي حصلت فيه على جائزة الإخراج الذهبية، وهو مسلسل تاريخي مهم جدًا عن فترة التتر ومحاولة غزو المناطق العربية وتصدي قطز له. وهذا من أهم الأعمال التي قدمتها وأفتخر بها. وباقي الأعمال الدرامية هي خليط من دراما بوليسية وسياسية واجتماعية وإنسانية وتراثية حتى وصلنا إلى "أوراق التوت".
- إلى أي مدى نحتاج سينما عربية خالية من الشوائب الهوليودية؟
سؤال مهم جدًا. التأثير السلبي للسينما الهوليودية على السينما العربية وعلى الدراما التلفزيونية العربية أيضًا تأثير واضح لكل الناس. لقد تحولت السينما العربية من موضوعات اجتماعية إنسانية هادفة إلى إثارة قتل وسفك دماء وإيقاع بعيد عن إيقاعنا ومشاكلنا وهمومنا. ربما المثال الصارخ لتأثير السينما الهوليودية على السينما الهندية التي تتصف بالرومانسية والشاعرية الشديدة، والتي كنا نعتبرها مسحة من الخيال الجميل قبل أن تؤثر عليها السينما الهوليودية وتحولها إلى قتل وعنف وملابس غريبة، مما أخرجها عن المحلية التي كانت معروفة بها. للأسف، تأثير كبير وسيطرة كاملة، وأنا قلت عن هذا استعمار فني، لأن تأثيرًا كبيرًا طرأ على السينما العربية، والجزء الخاص بي هو الدراما التلفزيونية. إن في الدول العربية، الكويتية والسعودية والمصرية، قد تأثرت أيضًا، إذ نرى مجموعة من المفاهيم والعادات الغريبة عن مجتمعاتنا، وتتجاوز شكلًا ومضمونًا في العنف وسفك الدماء، وهذا لم نكن نراه من قبل بحجة التطور والتقدم. وهذا ليس صحيحًا برأيي. المشكلة أن بعض الشباب السينمائيين الذين تخرجوا من معهد السينما وجدوا أن السينما قد توقفت تمامًا، وعملوا في مجال الدراما التلفزيونية واستطاعوا تطوير شكل الصورة، وخصوصًا مع تطوير المعدات والأجهزة على مستوى الإضاءة. وأصيبت الصورة بطفرة، وهذا إيجابي. لكن بما أنهم أصيبوا بالإحباط السينمائي، فتعبيرهم عن أفكارهم المتمردة جاء من خلال الدراما التلفزيونية، ومعظم مشاهداتهم ودراساتهم هي السينما الهوليودية. تأثرت أعمالهم بذلك، لهذا وصلنا إلى حالة أننا نشاهد مسلسلات تلفزيونية من المفروض أنها تحاكي الأسرة المصرية والبيوت والأطفال، لكنها بعيدة كل البعد عن القيم التي تربينا عليها. فالدراما التلفزيونية هي دراما الأسرة. الحقيقة يجب توجيه الشباب.
- تخاطب السينما الشعوب بوجوه مختلفة، منها ما هو سلبي ومنها ما هو إيجابي. متى يرفض المخرج هاني إسماعيل نصًا دراميًا لا يتوافق مع رؤيته؟
أولاً، نفصل ما بين السينما في الشعوب المتقدمة أو شعوب الدول الأولى وشعوب الدول النامية مثل مجتمعاتنا. لا شك أن الدول المتقدمة ينتشر فيها الوعي، ويستطيع الناس فيها اكتشاف ما هو غث أو سمين، وبين ما هو حقيقي وغير حقيقي، أو تفكر وتتأمل وتحلل. لكن مجتمعاتنا ما زال فيها نسبة الأمية عالية جدًا، وما زلنا نتلقى الأعمال الفنية بلا وعي. نتلقى العمل الفني على أنه حقيقة مطلقة، وهذا يؤثر على سلوكنا، وتحديدًا على شبابنا. لهذا، يجب الانتباه جيدًا وبوعي شديد لطبيعة مجتمعاتنا وقيمنا وعاداتنا وأعرافنا وطبيعة المشاهد الذي لا يتسم بالوعي الشديد، لنخاطبه بعيدًا عن الشوائب الهوليودية التي تحدثنا عنها. بالنسبة لي، لم أقدم أي عمل إلا إذا كنت على قناعة كاملة بقيمة العمل وبالتوحد معه، لأنني دائمًا كنت أقول إن هناك مخرجًا موظفًا ومخرجًا مفكرًا. المخرج الموظف هو الذي يقبل أي عمل دون الاقتناع برسالته أو بقيمته، ويعتقد أنه لا يصادف النجاح. أما المخرج الحقيقي فهو المخرج المفكر، لأنه يبحث عن القيمة التي تتوافق مع منهجه في الحياة وفي التفكير، وفي أيديولوجياته ومعتقداته، ليستطيع ترجمتها جيدًا ويقتنع بكل حرف موجود فيها، لأنني يجب أن أقتنع بكل مشهد أو كل جملة حوارية موجودة في النص، وأجلس مع المؤلف لجلسات طويلة جدًا لنتناقش في بعض الجمل غير المتوافق معها، حتى أصل إلى قناعة كاملة بما سأقوم بتنفيذه.
"- أوراق التوت" والإنتاج الضخم الذي سمعنا عنه الكثير، ماذا تخبرنا عن هذا العمل؟
أتمنى أن يُصادف مسلسل "أوراق التوت" النجاح الذي يستحقه، لأنه عمل ضخم جدًا. الفكرة بدأت منذ أكثر من ست سنوات. دكتور "ماجد العبيد" وهو كاتب رواية أدبية بعنوان "أوراق التوت"، والحقيقة بعد أن قرأتها قررنا تحويلها إلى دراما تلفزيونية. وتم ترشيح الكاتب الكبير "أيمن سلامة" لكتابة الموضوع، لأهمية المضمون الذي يشير إليه "أوراق التوت"، وهو الدفاع عن الدعوات الآثمة في هذه الفترة بعد انتشار الجماعات المتطرفة. فهناك دعوات في الغرب تحاول الصاق الإسلام بالإرهاب، أو الصاقه بسفك الدماء، ومحاولة إظهار الإسلام على أنه دين عنف وإرهاب، والإسلام برئ تمامًا. والعمل هو رد على هذه الأفكار بأن الإسلام دين محبة وسلام وإخاء وقبول للآخر تمامًا، وعدم إكراه الآخر على المعتقد الديني إذ لا إكراه في الدين.
- هل ينصف مسلسل "أوراق التوت" بالعمل التاريخي الذي يمكن رؤيته باستمرار؟
مسلسل "أوراق التوت" من إنتاج المملكة العربية السعودية، والتلفزيون المصري اشترى العمل وشارك بنسبة بسيطة. وحقيقة، هو إنتاج ضخم جدًا، لم يبخل الإنتاج في تقديم أي شيء خاص بأماكن التصوير والملابس والديكورات والأبطال المشاركين من كل الوطن العربي، لنصل في النهاية إلى إيصال الرسالة من خلال الإبهار السمعي والبصري الكبير. ونتمنى من الله أن يحوز على إعجاب المشاهدين. هو عن الطبيب العربي الذي تقوده الظروف أو القدر إلى الوقوع في إمبراطورية وثنية تمامًا لا تدين بدين، ومليئة بالمؤامرات والفساد، حيث يستطيع بسلوكه السمح البسيط أن يحول هذه الإمبراطورية إلى إسلامية تمامًا.
- ماذا يضيف المخرج على الممثل وماذا ينتزع منه من خلال الإخراج أو التوجيه المحترف؟
توجيه الممثل أو إدارة الممثل أمر عادي. وباعتباري أستاذًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، مدرس مادة التمثيل والإخراج التلفزيوني، أقول إن من أهم عناصر النجاح في أي عمل فني هي كيفية التعامل مع الممثل وكيفية إخراج أقصى إبداع له. وهذا ما يجعلنا نرى بعض الفنانين يترنحون أحيانًا في بعض أعمالهم، وأحيانًا يكون المؤشر البياني لهم متميزًا ومتألقًا، وأحيانًا أخرى غير متألق. هو نفس الفنان ونفس الموهبة، والسبب هو أن المخرج تعامل معه بشكل مختلف، واستطاع استخراج أقصى إبداع ممكن. وبرأيي، بداية من الاختيار ونوعية الدور، دون النظر إلى دور الممثل في السابق، فهذا يفقده البريق الجديد لأنه يكرر انفعالاته. أنا أختار الممثل الذي لم يلعب الدور المشابه، وأضعه في المناخ المناسب للدراما، لاستخراج ما بداخله. وعلى المخرج دراسة علم النفس وعلم الاتصال والتواصل، لأن العناصر الفنية لها تعامل خاص، خصوصًا أن كل العناصر تختلف في الثقافة والأفكار والمعتقدات والتربية. فكيف ستتعامل كقائد مع كل عنصر من هذه العناصر وتخرج أقصى إبداعها ما لم تفهم علم النفس جيدًا، لتغوص في عمق نفس كل منهم لاستخراج أقصى إبداعها، وبالتحديد الممثل الذي يتعامل مع أحاسيسه ومشاعره. فإذا لم يكن هناك تواصل عالي بين الممثل والمخرج، لن يصل إلى النجاح.
- ما العمل الفني الذي قمت بإخراجه وتتمنى إخراجه مرة ثانية؟
العمل الذي أتمنى إخراجه مرة أخرى هو المسلسل التاريخي "على باب مصر"، الذي حصل على جائزة الإخراج الذهبية. ورغم حصولي على الجائزة، أتمنى إعادة إخراجه، لأنني تعاقدت قبل رمضان 2006 بشهرين، وكان الاتفاق مع قيادة رئاسة قطاع الإنتاج في تلفزيون مصر على تقديم العمل في رمضان الذي يليه. فعلًا بدأت العمل بتأنٍ وجودة، وبعد شهر واحد تغيرت القيادة وطلب مني تقديم العمل في رمضان العام نفسه. واضطررت تحت ضغط إلى إنجاز العمل، واستمر التصوير 24 ساعة. لكن مناطق كثيرة من العمل كنت أتمنى إخراجها بشكل هادئ أكثر، كانت ستكون أفضل وأفضل، برغم أن العمل نال الجائزة الذهبية.
من خلال الحوار معه نكتشف ، أن مسلسل "أوراق التوت" هو عمل درامي يكتسب أهمية كبيرة من خلال حجمه الإنتاجي وموضوعه الجريء. المخرج هاني إسماعيل، وفقًا لتصريحاته، يطمح إلى تقديم عمل يتجاوز حدود التقليدية، ويعكس رؤية فنية متفردة، مما يعكس تفانيه في تحقيق رؤية درامية دقيقة ومؤثرة. يظهر النص أن إسماعيل يمتلك قدرة على دمج الإبداع الفني مع القيم الإنسانية العميقة، مما يترك انطباعًا قويًّا عن جودة العمل والتزامه بالمضمون. ،إذ يركز مسلسل "أوراق التوت" على معالجة قضايا دينية وفكرية حساسة تتعلق بالإسلام والتطرف. النص يعكس التزام المخرج بتقديم عمل يتصدى للأفكار المغلوطة التي تربط الإسلام بالإرهاب، ويهدف إلى تقديم رسالة توضح القيم الإنسانية والتسامح في الإسلام. هذا الطرح يعكس محاولة جادة لمواجهة التحديات الثقافية والدينية من خلال وسيلة درامية، مما يضفي على المسلسل طابعًا تعليميًّا إلى جانب كونه عملًا فنيًّا.
يظهر المخرج هاني إسماعيل مهارة في بناء الشخصيات والمشاهد بما يعزز الرسالة الدرامية. يتمتع العمل بقدرة على تقديم تعقيدات نفسية وشخصية من خلال تطور الأحداث وشخصياته. إنّ الانتباه للتفاصيل الدقيقة في تطور الشخصيات والمشاهد يعكس رغبة في تقديم تجربة درامية غنية ومعقدة، مما يساهم في جذب الجمهور وإثارة اهتمامه. إن التوازن بين عناصر الإثارة والإيقاع الدرامي يعزز قدرة المسلسل على التأثير العاطفي على المشاهدين.
يبدو أن المسلسل استفاد من إنتاج ضخم يوفر أجواء درامية متكاملة. استخدام التصوير والديكورات بشكل متقن يعزز من الواقع الدرامي للعرض. التركيز على العناصر البصرية مثل الملابس والأماكن يعكس اهتمامًا بالتفاصيل ويساهم في خلق تجربة بصرية غنية. تقنيات الإضاءة والتصوير المستخدمة تسهم في تعزيز المشهد الدرامي وخلق جو يتناسب مع الموضوعات المطروحة.التحليل الجمالي
يظهر العمل حرصًا على دمج الجماليات البصرية مع القيم الدرامية. استخدام الألوان والإضاءة لتسليط الضوء على اللحظات الهامة والمشاعر الداخلية للشخصيات يضيف عمقًا للمشاهد. التوازن بين الجماليات البصرية والمضمون الدرامي يعزز من قدرة العمل على جذب المشاهدين وإبقائهم مستمتعين ومشغولين بما يحدث على الشاشة.
يعبّر المسلسل عن قضايا ذات طابع إنساني عميق، ويعكس كيفية تعامل الشخصيات مع التحديات والمشاكل. الحوار والتمثيل يعكسان مشاعر الشخصيات وتجاربها بشكل مؤثر، مما يسمح للمشاهدين بالتواصل العاطفي مع الشخصيات وفهم تعقيداتها. التعبير الفني عن الأفكار والمشاعر من خلال الأداء الدرامي والمشاهد يساعد في تقديم تجربة فنية تعبيرية تتجاوز الحدود التقليدية وتثير التأمل.
من منظور إخراجي، يعكس المخرج هاني إسماعيل قدرة على توجيه العمل بشكل فعال، حيث يوازن بين الرؤية الفنية والمضمون الدرامي. اهتمامه بالتفاصيل، من اختيار الممثلين إلى إدارة المشاهد، يظهر مدى التزامه بخلق عمل درامي متكامل ومؤثر. الإدارة الجيدة للموارد الإبداعية والتقنية تسهم في تقديم عمل يعكس الرؤية الفنية للمخرج بشكل واضح وفعّال.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com