الشغف الفلسطيني من المفتاح إلى الباب
ضحى عبدالرؤوف المل
تتمحور رمزية أبواب الفنانة "روزي ناصر" حول موضوع الهوية الفلسطينية، والتمسك بالمفتاح الذي حملوه معهم أثناء النزوح. لتبقى الأبواب القديمة التي كانت في فلسطين حلماً يمثل حلم العودة إلى بيوت تهدمت أبوابها، والتي كانت تحمل تراثيات جيل ارتبط وجوده بتاريخ قديم له انطباعاته ومحاكاته في الصور وبصماتها التراثية الواضحة، الملموسة بصرياً على جدران تحيط بالأبواب الخشبية المعتقة، والتي تشبه الزمن الذي بدأت به الأزمة الفلسطينية، والوجود المرتبط بالدخول والخروج أو النفي الذي أغلق الأبواب في وجوه نازحين هربوا من القتل والدمار، ليجدوا أنفسهم دون أبواب يغلقونها خلفهم أو يفتحوها لضيوفهم وزوارهم.
فهل استطاعت "روزي ناصر" تجسيد فكرتها في تصوير الأبواب أو أرقام المنازل التي تختزن في شقوقها حكايات وقصص الحرب أو المحبة والسلام التي كانت سائدة عند شعب كريم مضياف لم يعد يستطيع العودة، ليفتح الأبواب التي أغلقت منذ سنوات أدمت الخشب والحديد وأصابته بالفناء أو بالإهمال الذي يحتاج بعده إلى ترميم، سواء بالرمز أو بالواقع أو حتى فوتوغرافياً كما فعلت الفنانة "روزي ناصر" لتقول: "افتحوا أبوابكم وهيا لندخل معاً."
نقلت "روزي ناصر" الشغف الفلسطيني من المفتاح إلى الباب للتمسك بالانتماء الوطني والأقاصيص الخاصة بأحياء جمعت الأهل والأصدقاء في بيوت ما زالت في ذاكرة الوطن والتاريخ، وفي مكان تبثه مفردة البقاء أو الانتماء لتعشش في الذاكرة شعور بالوطن وأهميته، والخيال الذي دغدغت به صورها الفوتوغرافية كي لا ينسى ابن فلسطين قضيته والأحداث التي جعلته يترك بيته وأرضه، ويتهجر إلى مخيمات لا يمكن وصفها بالوطن البديل، إنما بمساكن لا أبواب فيها. إذ تتخيل فوتوغرافياً الواقع الذي مضى أو الأثر الباقي على أرض الواقع والذي يعيد الوجع، لأن الأبواب في الصور الفوتوغرافية هي أبواب المدن التي زارتها، لينزوي الباب في صورة منعزلة إما لتطرقه اليد التي تتمنى العودة إلى بيت مملوء بالحنان، تملك مفتاحه ولا تملك رؤية الباب الذي ينتظر الدخول منه إلى فلسطين المحبة والسلام، وأما ليتم فتحه بمفتاح معلق في الذاكرة التي التقطت الصورة ووضعتها أمام أعين العالم.
طفولة حالمة بوطن سمعت عنه ولم تسكن فيه أو تزوره أو حتى تتفقد من بقي من الأهل فيه، وأبواب ما زالت تنتظر من يفتحها أو يعيد إليها الحياة، لكن للصور الفوتوغرافية التي تعرضها الفنانة "روزي ناصر" ألف حكاية وحكاية هي بمثابة زمان ومكان، وفكرة تنمو بصرياً وتتخطى بها مفاتيح ما زالت بين أيدي أهل فلسطين التي تنادي بالعودة. فالعدسة الضوئية تصطاد بها الفكرة والمعنى، وبجمال فوتوغرافي تؤطر بأسلوبها معايير الفن الذي تخاطب به الفنانة "روزي ناصر" عالمها المعنوي والمجازي، وإن بتورية تتفاعل مع الأصالة الملموسة في عدستها الوفية والذاتية في تطلعاتها الموضوعية، وإن بمجاهرة فوتوغرافية تحتفظ فيها بالمعاني الجمالية والحسية والعقلانية والوجدانية، وباحتواء لتراث وطني إنساني، وإن برؤية انعكاسية مدتها برصيد فوتوغرافي حققت من خلاله حلمها والأهداف الاستبطانية المقروءة ذهنياً، من حيث الضوء والتعتيم أو وضوح الصورة واتساعها وواقعيتها في تجريد الصورة من الأنا ووضعها ضمن تراثيات بلد يتوجع.
صور فوتوغرافية مصقولة بتاريخ إنساني ووطني تصرخ: أين أبواب البيوت؟ أو أين بيوتنا لنفتحها؟ فهي أشبه بالذاكرة ومقومات حياة تشبه هذه الأبواب التي تحتاج إلى إعادة تأهيل في عملية استرجاع ذاكرة تستنبش من خلال الأبواب قيمة وجودها من الناحيتين الوطنية والانتمائية. إذ تجعل المتلقي يقف حائراً أمام الصور، وبثقة لا يتزعزع فيها الزمن المعاصر الذي باتت فيه قضية فلسطين يحياها كل فرد في شتى بقاع الأرض، لترتسم سمات الزمن الماضي والحاضر في حداثة فوتوغرافية تبحث عن الذات. مما يجعل المتلقي مبهوراً بهذه الأبواب وعلامات تساؤلاتها، وبخصوصية ركزت فيها على نوعية هي فلسطينية بمعناها وأشكالها، وإن اختلفت الأرض.
تمردت على الرمزية الراسخة في نفس كل فلسطيني تمسك بالمبادئ والأسس التي تعيد له مجد بلد احتوى البيوت التي غادرها الأجداد، لتبقى المفاتيح في أيدي أبناء فلسطين كما العدسة في يد "روزي ناصر" لتروي بصورها مجد وطن لم يسلبه المحتل تراثه ولا حكاياه، بل تؤكد من خلال فوتوغرافياتها على الحق المشروع في استرداد الأرض، وكل زاوية وحبة تراب فيها، لأن الأبواب هي المدخل الرئيسي، وما يزال أبناء فلسطين يحملون الدليل على ما يملكون وما تم اغتصابه، فهل استطاعت "روزي ناصر" خلق معادلة بين المفتاح والباب، وهل للأرقام في فوتوغرافياتها دلائل أخرى في مقاربة تهدف إلى وجود تم محوه في بعض شوارع وأحياء فلسطين، خصوصاً عند بناء المستوطنات؟
عدسة مباشرة وذات زوايا بسيطة في درجاتها التي تجذب البصر نحو الموضوع بفن ضوئي جمعت من خلاله العديد من الأبواب، وبمختلف أشكالها وأساليبها وألوانها وجمالياتها وخصائصها التي تختلف من فرد إلى فرد من حيث الشكل والطلاء المستخدم والمحاكاة الزمنية لفن قديم برز في مجتمعات فلسطين أو في مجتمعات أخرى، وإن بفروقات أرادت لها أن تظهر بصرياً، وكأنها تريد القول إن الظلم الذي وقع على أرض فلسطين طال، وحق العودة لا بد منه، بتعبيرات فوتوغرافية ذات خصائص طبيعية دون مبالغة أو إدخال تحسينات تلغي تفاصيل أبواب مهجورة ما زالت عالقة على جدران تكاد تقع أو تخر من الهجر الذي أصابها.
ما بين صورة وصورة اختلاف في الأحجام بين باب وباب، وربما تشبه بفروقاتها العدسة الفوتوغرافية بمعاييرها العابقة بمباشرة لا مواربة فيها، وعفوية ربما تلونت في زمن معاصر. إذ لم تترك أبوابها بالأبيض والأسود، بل فتحتها على عالم الألوان لترمز إلى الأحلام القادمة أو الصمود الأقوى في وجه الزمن أو بالأحرى الخروج من بوتقة الانتظار، لتتحرر الصور من الواقع القديم وتنتقل إلى واقع تصويري هو بمثابة رؤية فلسطينية ذات طابع خاص. فهل نجحت "روزي ناصر" بذلك؟
برؤية أخرى تأخذ أعمال الفنانة "روزي ناصر" طابعاً موضوعياً مميزاً يرتكز على رمزية الأبواب والمفاتيح كرمز للهوية الفلسطينية والحنين إلى الوطن. توظف الفنانة هذه الرموز لتعبر عن تجربة الفلسطينيين مع النزوح والتهجير، مما يجعل أعمالها عملاً فنياً يتناول قضايا اجتماعية ووطنية عميقة. الأبواب التي اختارتها "روزي ناصر" تمثل نقاطاً لتجميع الذكريات والتراث، وقد كانت بمثابة عتبات للأمل والألم على حد سواء.
تترك الأعمال الفنية للفنانة أثراً نفسياً قوياً، حيث تعكس مشاعر الحنين والفقدان والارتباط العاطفي العميق بالأرض والوطن. تتجلى هذه المشاعر في التفاصيل الدقيقة للأبواب المهجورة والتي تبدو وكأنها تحمل قصص الأجيال الماضية. من خلال صورها الفوتوغرافية، تنقل "روزي ناصر" إحساساً بالافتقاد والحنين إلى الماضي، مما يعمق من تجربة المشاهد ويحفزه على التأمل في حال الفلسطينيين وتاريخهم.
من الناحية الفنية، تستخدم "روزي ناصر" أسلوب التصوير الفوتوغرافي لإبراز التباين بين الأبواب القديمة والحديثة، مستفيدة من الضوء والظل لتسليط الضوء على التجاعيد والندوب التي أصابت هذه الأبواب على مر السنين. تقنيات مثل التباين بين الضوء والظلام، وتفاصيل الأسطح، تُستخدم لإظهار الأثر العاطفي والجمالي الذي يحمله كل باب. اختيارات الألوان في صورها تُعزز من الشعور بالزمن والمكان، مما يمنح كل صورة طابعاً فريداً من نوعه.
تتسم أعمال "روزي ناصر" بجماليات تعكس تقديرها للتفاصيل والرمزية. الأبواب التي تختارها ليست مجرد عناصر مادية، بل هي تجسيد لجماليات من نوع خاص، تتجاوز مجرد التمثيل البصري لتصل إلى مستوى تعبيري أكثر عمقاً. تلتقط صورها تبايناً بين حالتي التدهور والتفاؤل، ما يخلق نوعاً من التناغم الجمالي الذي يعكس التوتر بين الفقدان والأمل.
تتميز أعمال "روزي ناصر" بقدرتها على التعبير عن مشاعر معقدة عبر الرموز البصرية. الأبواب التي تظهر في صورها تعبر عن تجارب وتاريخ شعبي بأكمله، معبرة عن قصص الحرب والسلام والأمل المفقود. الصور تتجاوز الأبعاد المادية لتصل إلى التعبير عن حالات نفسية وعاطفية معقدة، مما يسمح للمشاهد بالتفاعل مع العمل على مستوى شخصي وعاطفي.
فيما يتعلق بالإيقاع البصري، تخلق "روزي ناصر" تناغماً فريداً بين العناصر البصرية المختلفة في صورها. يتجلى هذا الإيقاع في توزيع الضوء والظل، وكذلك في التباين بين الألوان والأشكال. الأبواب التي تختارها تُعبر عن حركة زمنية، حيث يشكل تباين التفاصيل والإضاءات حركة متواصلة تشد انتباه المشاهد وتوجهه نحو تأمل أعمق. الإيقاع البصري في أعمالها يخلق توازنًا بين التركيز على التفاصيل الفردية والقدرة على نقل رسالة أوسع تتعلق بالهوية والحنين.
تقدم "روزي ناصر" من خلال أعمالها تجربة فنية تتسم بالعمق والتعقيد، حيث تتداخل الرمزية مع الجماليات لتعكس تاريخاً وذكريات شعب بأسره. من خلال التصوير الفوتوغرافي، تتناول قضايا الهوية والانتماء بطريقة تُعزز من فهم المشاهد للرموز البصرية وتعمق تجربته العاطفية. تساهم تقنياتها الفنية والإيقاع البصري في تعزيز الرسالة التي تسعى لتوصيلها، مما يجعل أعمالها نقطة التقاء بين الفن والتاريخ والذاكرة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com