أدبيات المشهد الموسيقي وأهميته في حياة الشعوب
كتاب "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية" للدكتور سعيد الولي
ضحى عبدالرؤوف المل
تتجاوز اللغة الموسيقية ببلاغتها الهرطقات التي تقتصر على الإيقاع غير المتوازن، لتبلغ حدود الهرمينيوطيقا وتلتحم مع قيمة الوجود الإنساني المتعلق برؤية الكون وكينونة موسيقاه التي تنبعث من كل حركة فيه. ففي كتاب الدكتور سعيد الولي "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية"، الصادر عن "دار جروس برس طرابلس"، تحليلات وشروحات يقدمها بفن كلمة موسيقية يستدرجنا من خلالها إلى لب المشاهد الموسيقية التي يحلل خطواتها الإيقاعية بالمعاني التصويرية ذات القيمة الأدبية الممهورة بفن التناغم الجمالي، المنصهر مع المواضيع المطروحة والسمفونيات العالمية ضمن أدبيات المشهد الموسيقي وأهميته في حياة الشعوب. إذ يضع الخطوات النظرية حيز التنفيذ مع الأقراص الإلكترونية المدمجة المرافقة للكتاب. ليسمع القارئ ويقرأ بفهم استقرائي، ومن ثم تتجلى أمامه المفاهيم الموسيقية عبر حقائق الخطوات الموسيقية المدروسة بمتانة فنية تم تأليفها من قبل عباقرة الموسيقى في العالم. فهل ثمة فروقات بين الفنون عامة؟
وعي يتطور من خلاله المخيلة السمعية بعد كل شرح وتحليل لمقطوعة نسمعها، لتصبح قراءة القطعة الموسيقية متعة لا تقل عن متعة قراءة كتاب أو لوحة أو مشهد مسرحي أو حتى افتتاحية "روميو وجولييت" لتشايكوفسكي، التي بدأت في كتاب الدكتور سعيد الولي بملخص المسرحية أو جوهر الحكاية، ومن ثم شرح وتحليل لأسلوب الترميز النغمي. فلكل يطل جملته أو نغماته المميزة، كما لكل حدث. فهو يحاول التلميح إلى أبعد من ذلك إلى مدة لا تتجاوز العشرين دقيقة، وهي ما أسماها الافتتاحية. يضع فيها الموسيقي المقاصد الفنتازية، ليؤثر على المستمع وفق إمكانياته الموسيقية القادرة على جذبه لعمق النغمة، مع تفصيل لكل آلة تم استخدامها في السمفونية، كمجموعة الكلارينيت المنخفضة مع الباستون وضمن جوقة تهدف إلى خلق لحن حزين، هو لحن حب روميو وجولييت. بعدها يعود لحن القدر مع الوتريات بشكل متوتر وسريع مع خلفية الطبول حوالي الدقيقة، وهنا ندرك قيمة معايير الوقت في تحديد المشهد المتخيل سمعيًا. فهو يشدد من خلال تحليلاته على الآلات والوقت والتنظيم لكل آلة من حيث صوتها ومعناها ونغمتها السمعية المرتبطة بالإدراك الذهني لكل آلة. وتنتهي الافتتاحية بأنشودة حب رائعة تؤديها مجموعة الفيولون بنبرة عالية مع مرافقة جليلة من آلة الهارب، ثم يأتي الختام مع قرعات طبول ومرافقة الوتريات (حوالي 20 ثانية). فهل لمزاجات قادة الأوركسترا سرها؟ أم أن المقطوعة الموسيقية تبقى كما هي بنوتاتها وسرها النغمي مع كل قائد أوركسترا كما هي؟
يشكل المدخل في كل حركة ومدتها أهمية برأي الدكتور سعيد الولي. إذ يعتبرها النواة الحقيقية لكل سمفونية وفكرتها الأولى من حيث المدة وعدد الآلات الموسيقية ونوعيتها، وصولاً إلى الصمت قبل انبثاق النغمة الفاصلة الخاضعة للتوازن النغمي، حيث تلعب الوتريات دورها الهادئ والصاخب، المصاحب بمجمله للنحاسيات "لخلق جو أكثر فرحاً من قرع الطبول الهازجة". وللحوار الموسيقي مكانته الخاصة في السمفونيات، إذ يشكل العنصر الأساس في خلق عنصري الدهشة والجذب. فالحركات الأربعة في السمفونية الرابعة لتشايكوفسكي تشكل المخزن الفكري للقارئ، ليكمل السمفونيات الأخرى وفق منهج تحليلي يعيد رسم الخارطة السمعية لكل سمفونية نسمعها على الأقراص المدمجة، بعد الاستقراء الحسي والنظري بعملية عقلانية تحليلية، تجعلنا نفهم قيمة كل آلة في اللغة الموسيقية التي تحاكي الحواس بصمت العازف والمؤلف، وقائد الأوركسترا الذي يقود الفرقة وفق حواسه والنوتة معًا، لتستجيب له الآلات مع حركات تعيد للنغمة مجدها في وجدان الجمهور.
مفاتيح موسيقية يضعها الدكتور سعيد الولي بين أيدي القراء لتكون بمثابة أبواب تفتح نحو فهم أوسع للسمفونيات العالمية أولاً، ومن خلالها إلى الموسيقى بشكل عام وخصوصاً الموسيقى التصويرية التي ترافق الأعمال الدرامية والكوميدية على السواء، وفي الرقص الشعبي والفلكلوري وما إلى ذلك. مع فهم حيثيات كل آلة ذات خصوصية تعبيرية توحي بلحظة زمنية ما أو تستطيع فتح حوارات ذهنية مع الجمهور أو أن تكون حوارية في لحنها مثل مختارات باليه "بحيرة البجع" بموسيقاها ومشهديتها. لتكون انطلاقة رؤية موسيقية تتفتح في ذهن القارئ وتفاعلاته الموسيقية كما يريدها الدكتور سعيد لتغذي المخيلة السمعية وأولياتها الفنية. فما هي التأثيرات السمعية على الحواس عند سماع كل سمفونية تجذبك نحو كل نغمة فيها دون إدراك المغزى المعنوي من كل ذلك؟
يعيد الدكتور سعيد الولي للمفهوم الموسيقي جماليته السمعية المرافقة لجمالية السمفونيات العالمية التي يصعب فهمها أحياناً، إن لم ندرك قيمة الآلات الموسيقية ودورها في كل مشهدية موسيقية ناتجة عن حساسية المؤلف ودوره في خلق محاكاة مكثفة ومتعددة الأطراف. فهو يعايش الحدث من خلال النوتة ورؤيته الخاصة لها، كأنها كلمة يترجمها بعزف لا ينفرد ضمن الأوركسترا، إلا بحالات خاصة أو ضمن صمت يضع له انطلاقاته وتوقفاته تبعاً للحالة الشعورية وثنائيتها. أي بينه وبين الجمهور أو بينه وبين العازف أو بين العازف والآلة. وفي كل الأحوال يقود المؤلف النغمة بانسيابية تتناغم فيها العناصر المتكاملة لتولد السمفونية كما تولد الأعمال الأدبية والفنية، وإن بخاصية تلازم السمع والمخيلة والذاكرة في ثلاثية يحتاجها الإنسان ضمن الطبيعة والحياة أو ضمن الحالات الفنية. ففي مقطوعة "شهرزاد" للمؤلف نيقولاي ريمسكي، نلمس قوة الموسيقى في التأثير المرهف على المستمع. فما هو سر أبجدية الموسيقى في الطبيعة أولاً، وما هو سر الوتر في آلة توحي بالفرح أو بالحزن تبعاً لليد ولاشعورية النغمة ذات النوتة أو الحرف الموسيقي المتآخي مع الحروف الأخرى ضمن مجموعة تشبه الأوركسترا وحكايتها مع الألحان؟
موسيقى من صنع الإنسان، يحاكي بها المؤلف السمفوني أو العازف المنفرد الشعوب بلغة تمثل شتى أنواع الأصوات، وضمن عالم نغمي محكوم بترميز لا يفهمه إلا من تعمق بالنغمة، وحمل مفاتيحها. وهذا ما يؤكده كتاب الدكتور سعيد الولي، وهو كدليل مفصل يساعد على الفهم والاستماع، معتبراً المقطوعة الموسيقية كقصيدة شعرية لها إيقاعاتها ومعانيها، أو لوحة فنية لها مساراتها الفنية ومضامينها المتخيلة، أو أي قطعة أدبية ذات مدلولات جمالية تحاكي الإنسان بما تتضمنه من معاني مختلفة أو حوارات تضمن الانسجام مع المتلقي أو الجمهور. فهل لمفاتيح الكتاب الموسيقي من بقية عند الدكتور سعيد؟
برؤية أخرى في عالم يتطور بسرعة الضوء، حيث تتشابك الثقافات وتُعاد تشكيل الهويات، تأتي الموسيقى لتكون لغةً عالميةً تتجاوز الحدود وتغمر الحواس في بحور من الإلهام والعمق. هذا ما يسعى الدكتور سعيد الولي إلى استكشافه في كتابه "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية". من خلال هذا العمل، يتناول الولي الموسيقى ليس كفنٍ محضٍ، بل كوسيلة عميقة للتواصل مع الذات والمجتمع والكون.
يقدم الدكتور الولي رؤية فريدة للموسيقى، حيث لا تقتصر على كونها مجرد ألحان ونغمات، بل هي لغة ذات دلالات عميقة، تتجاوز الإيقاع والتراكيب الموسيقية لتصل إلى مستوى من التفاعل الحسي والعاطفي مع الكون. في هذا السياق، يرى الولي أن الموسيقى الكلاسيكية، بمقاطعها المتنوعة وتفاصيلها الدقيقة، يمكن أن تكون أداةً لفهم أعمق لوجود الإنسان ورؤيته للعالم من حوله.
يستعرض الولي في كتابه كيفية تطور المخيلة السمعية من خلال الاستماع والتفاعل مع الموسيقى. يُظهر الكتاب كيف يمكن للموسيقى أن تعزز من التواصل بين الأفراد وتفتح أبوابًا لفهم أفضل للعالم الداخلي والخارجي. عبر تحليلاته المفصلة للأعمال الموسيقية، يقدم الولي لنا أدوات لفك شيفرات المشاهد الموسيقية، مما يساعدنا على الاستماع بوعي واستكشاف عمق الألحان.
في استعراضه للسمفونيات وتحليله التفصيلي للقطع الموسيقية، يؤكد الولي على أن الموسيقى ليست مجرد تسلية، بل تعبير عن القيم الإنسانية العميقة. يتناول الكتاب تأثير الموسيقى على الحواس والروح، مسلطًا الضوء على كيفية استخدام الموسيقى كأداة للتعبير عن الحب، الألم، الفرح، والحزن. يُظهر الولي كيف يمكن لكل قطعة موسيقية أن تعكس حالة إنسانية معينة، وتُثري التجربة الإنسانية بمشاعر وتجارب متنوعة.
من خلال تقديمه لتفاصيل تقنية حول كيفية تفاعل الآلات المختلفة في الأوركسترا، يعكس الولي مدى فهمه العميق للتركيب الموسيقي. يقدم تحليلاته بشكل يعكس احترافية واضحة، حيث يفكك الأجزاء المختلفة للمقطوعات ويعرضها بشكل يعزز من فهم القارئ لتقنيات الموسيقى وكيفية تأثيرها على التجربة السمعية.
أحد الأبعاد الرئيسية في عمل الدكتور الولي هو دوره التعليمي، حيث يسعى إلى جعل الموسيقى أكثر قابلية للفهم والتقدير من قبل القارئ العام. يعرض الكتاب الموسيقى كموضوع تعليمي ذو قيمة عالية، يؤكد على أهمية دراسة وتحليل الأعمال الموسيقية لفهم أعمق للثقافات والمجتمعات.
ختاماً، يقدم الدكتور سعيد الولي في كتابه "مقدمات لتذوق الموسيقى الكلاسيكية" رؤيته الثاقبة للموسيقى كفنٍ يربط بين الفرد والعالم، ويعزز من تجربة الإنسان في فهم ذاته والمجتمع. من خلال تقديم تحليلات دقيقة وتجربة تفاعلية، يساهم الكتاب في تعزيز الوعي الموسيقي ويوجه القارئ إلى تقدير أعمق لجمالية الموسيقى وتأثيرها على الحواس والروح.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com