البصمات التصويرية على اختلاف أنواعها في صور أجداد العرب

ضحى عبدالرؤوف المل

ما من صورة من صور أجداد العرب تأتي كالأخرى؛ لأننا نجد في كل منها ميزة جمالية أو تاريخية أو جغرافية أو حتى اجتماعية أو عمرانية، وغيرها، تمنحها فردية لا تتشارك بها مع صورة أخرى. لأنها تتخذ من مبدأ التصوير واقعًا أرشيفيًا يختزن البصمات التصويرية على اختلاف أنواعها، وبجمالية الزمن الماضي المحاكي لحاضر نبحث عن الحقائق فيه، لتكون جامعة بين القديم والجديد، خيوطًا نضمها بصريًا وفكريًا عبر حقبات الزمن الواقف على عتبات صورة يحيا الأجداد فيها بوحدة تصويرية تتآلف فيها قيم الأسلاف وعاداتهم، وتقاليدهم، وتاريخهم الذي تؤرخه صورة كهمزة وصل بين الأجيال والأولويات الفنية المشتقة من جماليات تحتوي على أصول زمن محمل بمواقف الحياة الواقعية آنذاك.

ترتكز صور الأسلاف على وقائع تاريخية لها جغرافيتها الخاصة وميادين ثقافتها التصويرية التي ترتكز على طبيعة الزمن والمكان، مع رؤية للإنسان بتراثه المحفوظ في ذاكرة الأجداد، المتمثلة بالجوهر الإنساني والجوهر التراثي والعمراني. ومن الفكرة التي تتخذ منها الصورة نقطة الانطلاق نحو الأجزاء الأخرى والتفاصيل المحاكية لواقع حسي، يكمن في تعريف منطقي تقوم على أسسه صور أجداد العرب التي تتناسب مع التاريخ الذي نتخيله عبر صورة تعيدنا إلى الماضي، بفن تصويري له قواعده الفنية، كصورة القدس عام 1950 التي تعيد لحي شعبي مجّده الإنساني الذي ما زال يضج بالوجود الفلسطيني في تلك الفترة، حيث الحقائق التي ترتسم كصورة صنعاء قديمًا أو الأحساء في السعودية قديمًا، محاولين إدراك الحقيقة من صورة مجتمع تحمل تفاصيله صورة كصورة حفل الزفاف في بيت جالا، قضاء بيت لحم، فلسطين، عام 1946م. وإظهار التفصيلات العملية في الحياة التي نلمس من أجزاءها قيمة حضارة بناها الأجداد العرب من خضم الحياة ومعطياتها الزمنية التي لا تستعصي على الموروث التصويري الهادف إلى أرشفة ذات أصالة تتخذ من التراث الماضي ملامح صورة فنية أنبثقت من فن نافس النصوص المكتوبة بزهو جمالي مشهود له بصريًا.

تستصرخ الصورة وجودها وتعيد للفكرة الفنية آنذاك مجدها، فرؤيتها التصويرية هي بحث عن الأصول الزمنية التي كانت سائدة في فترة من تاريخ له أبعاده الحاضرة، مثل صورة الناصرة في فلسطين عام 1928م، والتي تمثل وسيلة النقل، وهو الباص المعتمد في نقل المسافرين من منطقة إلى أخرى، وهي جزء لا يتجزأ من حياة الفلسطيني والمجتمع الذي كان يحيا فيه بسلام قبل الغزو الصهيوني لفلسطين. فهل لصور أجداد العرب تطلع خاص نحو المستقبل الطامح إلى إعادة أمجاد الشعوب العربية في الحاضر؟

أين تكمن أصالة الصورة في أرشيف أجداد العرب؟ ربما في كل التفاصيل والمميزات التي نستوحي منها معالم الزمن الذي نطمح إلى معرفته تاريخيًا وجغرافيًا من خلال صورة هي هوية تتيح لنا إجراء مقاربات فنية بين الصورة اليوم والأمس، لتأويل المفارقات الملموسة بين صورة وصورة، حيث لكل مكان تعابيره الخاصة. إذ تكتسب صور أجداد العرب موروثات فنية ما زالت تحتفظ بها الصور الفوتوغرافية الواقعية إلى يومنا هذا من حيث الفكرة والبؤرة الضوئية المسلطة على الموضوع بشكل عام.

قيم إنسانية في صور نستدل منها على مشكلات واقع محفوف بالتقاليد، وبالعمران ذي الطابع الخاص، وبأزياء تراثية مفروضة على عصر اكتسحه العرب عبر زمن له موروثات ما زالت متغلغلة في حاضرنا، الذي نحمل من نسيجه الاجتماعي ما يتمثل في صور عديدة لها فضاءاتها البصرية المألوفة بمساراتها، وبما تؤالف به من معالم تصويرية تشمل تواريخ مهمة تتحكم تقليديًا بأهمية الصورة المؤرشفة ومفهومها المفروض جغرافيًا على تاريخية الصورة والمعنى الذي تحمله. إن من حيث كونها تستعرض فنًا معماريًا قديمًا أو لباسًا فلكلوريًا أو موضوعًا سياسيًا، كصورة قادة رؤساء العرب في الجزائر، باعتبارها منجزًا تصويريًا احتفظ بالحدث وفق جماليات بصرية تكتنز عبق الماضي الراسخ بنظمه القديمة في صورة فوتوغرافية هي من ضمن أرشيف أجداد العرب.

برؤية أخرى ومن منظور الإيقاع التصويري يكشف عن تجسيد الحركة والزمان داخل الصورة الفوتوغرافية. الصور التي تمتاز بإيقاع بصري ديناميكي تعكس حركة الحياة وتدفق الزمن، مما يتيح لنا الاستمتاع بتجربة حية رغم السكون الذي تحافظ عليه الصورة. هذا الإيقاع قد يظهر من خلال التكوين البصري للأشكال والخطوط والظلال، ويُعزز من شعورنا بالعمق والتواصل مع اللحظة التاريخية التي تُوثقها الصورة. على سبيل المثال، الصور التي تلتقط حركة الناس في الشوارع أو أثناء الأنشطة الاجتماعية تُبرز إيقاع الحياة اليومية، مما يعزز الانطباع بأن الصورة تروي قصة نابضة بالحياة.

يعد الإيقاع التصويري أداة قوية لنقل الرسائل البصرية والفكرية. الإيقاع يمكن أن يعكس التوتر، السكون، السرعة، أو التباطؤ. الصور التي تتميز بتكرار الأنماط أو التباين بين العناصر يمكن أن تولد شعورًا بالإيقاع المستمر. هذا يؤثر على تفسير الصورة ويفتح المجال لفهم أعمق للموضوع. مثلاً، في الصور التي تلتقط حشود الناس في مناسبات أو أحداث تاريخية، يُستخدم الإيقاع لتسليط الضوء على التنوع والحركة، مما يعزز فهمنا للوقائع الاجتماعية والتاريخية..

الإيقاع التصويري يؤثر على استجاباتنا النفسية ويُشكل تجربتنا العاطفية مع الصورة. الصور ذات الإيقاع السريع قد تثير مشاعر الحماس أو الإثارة، بينما الصور ذات الإيقاع البطيء قد تخلق إحساسًا بالهدوء أو التأمل. على سبيل المثال، الصور ذات الإيقاع المتنوع بين العناصر المتحركة والثابتة يمكن أن تثير مشاعر متباينة وتعكس تعقيد الحالة النفسية للأفراد في المشهد. يمكن للإيقاع أن يكون أداة لخلق تجربة عاطفية أو تنبيه المشاهد إلى عناصر معينة من الصورة.

يُعتبر الإيقاع التصويري أحد العناصر الأساسية في التكوين الفوتوغرافي. استخدام الإيقاع يعزز من الجماليات الفنية للصورة من خلال خلق توازن بين العناصر المختلفة، وتوجيه العين إلى النقاط المهمة. التكوين الجيد الذي يستخدم الإيقاع يمكن أن يعزز من قوة الصورة البصرية ويجعلها أكثر جاذبية. على سبيل المثال، استخدام الخطوط المائلة أو التكرار البصري يمكن أن يخلق إيقاعًا يعزز من الإحساس بالعمق والاتساع في الصورة.

الجمالية في الصور تتأثر بشكل كبير بالإيقاع. الصور التي تعتمد على إيقاع بصري قوي تعكس تجانسًا وتناغمًا بين العناصر، مما يخلق تجربة بصرية ممتعة. الجمال في هذه الصور ليس فقط في التفاصيل الفردية ولكن أيضًا في الطريقة التي تُرتب بها هذه التفاصيل لتشكيل إيقاع بصري. يمكن للإيقاع أن يساهم في خلق توازن بين الحركة والسكون، وبين التباين والانسجام، مما يعزز من الجمال العام للصورة.

يمكن للإيقاع التصويري أن يُبرز كيف كانت الحياة تُعاش في فترة معينة. الصور التي تحتوي على إيقاع معين تقدم رؤى حول الثقافة والتقاليد والأساليب الاجتماعية في زمن معين. الإيقاع في الصور الأرشيفية يمكن أن يكشف عن كيف كانت الأمور تتغير بمرور الوقت، ويعكس التغيرات في الأنماط الاجتماعية والتقنيات التصويرية. على سبيل المثال، التباين بين الإيقاع في الصور القديمة والحديثة يمكن أن يُعطي فهماً أفضل لكيفية تطور الحياة اليومية والعادات

من مجموعة متحف فرحات

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com