فيلم "بعد غد" (After Tomorrow) ولغة الوجود المعاصرة
ضحى عبدالرؤوف المل
تحظى آلات الناي والمنجيرة والعود بتراثية خاصة لما تملكه من صوت باعث للحنين في اهتمام المخرجين "توفيق بيهم" و"كارل غوغ"، اللذين يفتحان العدسة على البتراء في الفيلم الوثائقي "بعد غد" (After Tomorrow)، لتكون ضمن فيلم وثائقي مفتوح على السياحة وتأثيراتها الإيجابية والسلبية، وبجمالية تمنح المعرفة، تاركين للفيلم موضوعيته البعيدة عن المحاباة الإخراجية. تتحول الصورة المرئية إلى بطاقة دخول إلى الأردن من خلال رؤية وثائقية لعب الإخراج فيها بدهاء وحنكة، مما يجعل المشاهد يدخل قسريًا إلى الآثار التي تفرض روعتها على البصر، وبانسجام سمعي تصويري ذي تقنية تحيط بالحواس، تاركة للإدراك استنباط الحقائق من هذه الجبال الفارهة جمالًا، حقيقة التاريخ القديم الذي صنعه الإنسان في الماضي، وجذب إليه الإنسان المعاصر في زمن باتت السياحة فيه مورد رزق لعائلات تسكن هذه المناطق. استطاع كل من "توفيق بيهم" و"كارل غوغ" العيش معهم وإظهار أساليب حياتهم. فازدهار السياحة فيها يمثل مورد الرزق الحقيقي لهم. فهل لموضوعية الفيلم "بعد غد" أهداف فنية بحتة أم هي دعوة مفتوحة لرؤية الحجر والبشر والجمال الغارق بفرح قوم استطاعوا منح أنفسهم لغة الوجود المعاصرة؟
رحلة يقوم بها المشاهد مصحوبًا بعين سحرية تجعلك ترى بموضوعية كل تفاصيل بلد تعكس آثارها البدوية أصداء الموسيقى التي تميز بها "جوناس هلبورغ" مع أصوات الآلات الأخرى الشعبية في المنطقة، وأصوات لخطى عربات الخيل التراثية معًا. هو ليس فيلمًا سينمائيًا بالمعنى الدرامي، وإنما رحلة مثيرة تم إعدادها بدهاء فني بسيط وعفوي في الظاهر، ومخطط لها بعمق واضح، ويهدف إلى الإمتاع والعيش مع معاناة سكان منطقة "البدول" الذين يسكنون في البتراء، وبواقعية تنقلنا من شيخ إلى كهل إلى امرأة فطفل. برغم أن المرأة الأردنية لم تظهر إلا من خلال امرأة عجوز، مما يجعل وجودها في الفيلم يترك عطشًا لمعرفة المرأة الأردنية بشكل أكبر. لأن كلامها دل على قوة المرأة الأردنية وإرادتها في الحياة، وتمسكها بالعادات والتقاليد وكينونتها كامرأة تعيش على أرض صحراوية في طبيعتها التي تتشابه مع الإنسان وقوته في الحفاظ على البقاء ومحاكاة الواقع الذي يعيشه بشتى الطرق.
رسمت العين الإخراجية في فيلم "بعد غد" لوحات للحياة الواقعية في أماكن لا يمكن إلا أن تصرخ من شدة جمالها، وبمعالجات فنية قدمت إضافات بصرية تزدان بتفاصيل تاريخية واجتماعية، وبشكل فني يفرض عليك المتابعة دون استئذان. تلعب الشخصيات في الفيلم دورها في خلق الحبكة الوثائقية المثيرة مثل محمود، وهو مرشد سياحي، وسكوتش، الذي يهتم ببيع السواح بطاقات تعريفية، والملقب بجوني ديب الخفيف الظل، والرجل العجوز من عشيرة الفقير الذي يروي عن أهل البتراء وأصولهم العشائرية، وخاصة عشيرة البدول وتاريخها، وآخرين من هذه المنطقة التي تتمنى أن تزورها مرة ثانية وثالثة بعد نهاية الفيلم. وكأن العين الإخراجية هي فرد من هؤلاء الشخصيات التي تعيش في هذه المنطقة الحافلة بالسائحين الغربيين من كل مكان، وخصوصًا أن بعض السواح قد تزوجوا من أهل هذه المناطق وعاشوا منسجمين في هذه البيئة العربية التي تميل إلى البداوة في تقاليدها وجمال الآثار فيها.
فاطمة العرب، وهي مارغريت سابقًا، التي جاءت من نيوزيلندا وتزوجت من رجل من عشيرة البدول، تعلمت اللغة العربية وعاشت بوفاق وسعادة، وأنجبت، كما سيمونا الألمانية التي جاءت إلى البتراء وتزوجت من عشيرة الفقير، وهي سعيدة بما روته عن نفسها. وكأن الراوي يضعنا أمام الإنسان والإنسانية التي تجمع بين البشر بالحب والإنجاب والعيش بمودة ومحبة، مهما اختلفت اللغة أو الأماكن، بأسلوب قصة واقعية هي من الحياة التي عشنا تفاصيلها في هذا الفيلم الوثائقي الذي يجمع بين الاهتمام والمعرفة والنقد المحبب المتروك للمشاهد صياغة معناه، وكما يريد دون فرض الرؤية، وبتجسيد صادق ارتفع فيه صوت المؤذن في جامع منطقة البدول التي تتمسك بكل أصولها حتى عبر الزواج بالنساء الغربيات وضمهن إلى العائلة بفخر واعتزاز.
لم يغفل كل من "توفيق بيهم" و"كارل غوغ" عن فكرة إمتاع المشاهد بحقيقة مروية على ألسنة شخصيات تتصف بروح الدعابة، وبما يستحق المعرفة والسمو بهذه البلد التي تحفل بأبناء يتحدثون الإنجليزية بطلاقة إلى جانب لغتهم العربية، والتي استطاعوا التقاطها من السواح بين آثار تضج بمعجزات الإنسان الذي نحت من الجبال بيوتا، وبقيت تحاكي الأجيال بشغف هندستها وقوتها في المحافظة على البقاء. وما بين الراوي والشخصيات، ناي يتحدث عن حنين جبال تشتاق إلى السائحين والزوار من كل حدب وصوب، حتى ليشعر المشاهد أنه في كهف له صداه وجماله التاريخي المنقوش على جدرانه حضارة عريقة هي حضارة البتراء وعشيرة البدول. وبشكل فني تتعاقب فيه المشاهد بتسلسل لا يصيب المشاهد بالرتابة، لأنه يعتمد على السرد الذي تتقاطع بينه المشاهد التي تخطف الأبصار وتترك السمع بحاجة إلى الراوي والشخصيات الأخرى لسماع قصصهم الهادفة إلى تبسيط الفهم الاجتماعي في هذه المنطقة التي انحصرت في مساحة ضاقت عليهم، ولكنها لم تمحُ الجوانب الحياتية الأخرى.
تتر دمج اللغة بضحكة ترتسم على الشفاه بعفوية لما تحمله من روح الإنسان الذي سخّر اللغة مع لحنه الخاص، لتكون كمحاكاة عالمية مفهومة كما نبعت من وجدانه كعربي، هو في نفس الوقت مرشد سياحي، هو مواطن عادي، هو أردني يعشق تراب البتراء المعبأ في قارورة من زجاج، يرسمها بدقة لتكون شارة النهاية التي ترمز إلى الفيلم بالكامل، ومعجزات حضارة جذبت إليها الكاميرا التصويرية التي استطاعت تصوير المشاهد بانفتاح أخرجها من القارورة إلى العالم لتكون بطاقة سياحية مفتوحة لزيارة هذه المنطقة أو التطلع إليها ليرتقي شعبها كما ترتقي جبالها، وتسمو مع الضوء الذي سلطته الكاميرا من علو إلى انخفاض وبالعكس، وكان الروح تدب في أوصال هذه الجبال الشامخة.
فيلم "بعد غد" ليس فيلمًا سرديًا يروي فيه الراوي حكاية البدول ولا ذاتيًا، وإنما هو مزيج من عناصر الشكل التي حققت بتنوعها مؤثرات خاصة ومعرفة منسوجة ببنية النص بمعنى ما يقوله الراوي، وعدد المشاهد التي تتوافق مع انعكاس الحاضر الآن في البتراء، وعدد اللقطات ومدة المشاهدة، وما بين لقطة ضيقة لأشخاص يسردون بروح الفكاهة واقعهم الحياتي، ولقطة متسعة لجمال طبيعة البتراء، موسيقى تصويرية، ومؤثرات فنية، وقارورة من زجاج لرسم رملي تم ضغطه أمام سرعة الكاميرا التي اختصرت المسافات وأخذتنا معها في رحلة إلى البتراء ومنطقة البدول، تاركين للجبال في البتراء صمتها ومعجزاتها التي تمحو تقليدية البداية في الأفلام الوثائقية.
برؤية أخرى تحديثية كتابيا فيلم "بعد غد" هو عمل وثائقي يسلط الضوء على جمال وتنوع ثقافة وتاريخ البتراء، مما يجعله مثالًا رائعًا على الإخراج الوثائقي القوي. المخرجان توفيق بيهم وكارل غوغ نجحا في استخدام عدسة الكاميرا كوسيلة لفتح نافذة على حياة ومشاهد طبيعية غنية بالمعلومات واللون. التقنية المستخدمة في الإخراج تعكس قدرة المخرجين على مزج جماليات التصوير مع نقل الحقيقة بموضوعية، مما يمنح الفيلم عمقًا وجاذبية.
الاهتمام بالتفاصيل البصرية والصوتية يعزز من تأثير الفيلم على المشاهد. من خلال التركيز على الآلات الموسيقية التقليدية مثل الناي والمنجيرة والعود، يخلق الفيلم جسرًا بين الماضي والحاضر، ويظهر التقدير العميق للتراث الثقافي للمنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تكامل الصوت والصورة في الفيلم يساهم في بناء تجربة غامرة تعزز من تفاعل المشاهد مع محتوى الفيلم.
يتناول الفيلم موضوع السياحة في البتراء وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية. يقدم الفيلم صورة متوازنة عن السياحة، موضحًا كيف أن هذه الصناعة تؤثر على حياة السكان المحليين بشكل إيجابي وسلبي. يبرز الفيلم دور السياحة كمصدر رزق مهم لعائلات المنطقة، وفي الوقت نفسه يعرض التحديات التي يواجهونها نتيجة لهذه الصناعة.
الجوانب الاجتماعية والثقافية التي يتم استعراضها، مثل تقاليد عشيرة البدول والدمج بين الثقافات من خلال الزواج، تعزز من فهم المشاهد لعمق وتعقيد حياة سكان البتراء. كما أن تقديم تفاصيل دقيقة عن الأساليب الحياتية والأنشطة اليومية يساعد في تجسيد الصورة الحقيقية لهذه المنطقة بعيدًا عن الصور النمطية التي قد تكون مغلوطة.
يستخدم الفيلم عناصر السرد الوثائقي بشكل فعال لخلق قصة متماسكة تروي حياة الناس في البتراء. الشخصية الرئيسية في الفيلم ليست فردًا معينًا، بل هي حياة المجتمع بأسره، مما يساهم في تشكيل دراما غير تقليدية تركز على الواقع بدلاً من التخييل. الشخصية الدرامية هنا تتجسد في الحياة اليومية والروتين، حيث يُسرد الواقع بصدق وبأسلوب يعكس التحديات والانتصارات الصغيرة.
تتجلى الدراما من خلال القصص الشخصية والتفاعلات، مثل تلك التي تنطوي على الزواج من أجانب والتكيف مع الحياة في بيئة صحراوية. هذه القصص تعزز من القصة العامة للفيلم وتضفي عليها عمقًا إنسانيًّا يلامس المشاهد.
يتميز الفيلم بأسلوب تصويري يجمع بين الواقعية والجمالية. التكوين البصري للمشاهد، بما في ذلك المناظر الطبيعية الخلابة وتفاصيل الحياة اليومية، يعكس بوضوح الفهم العميق لجماليات المكان. استخدام الكاميرا للتنقل بين اللقطات الضيقة والواسعة يخلق توازنًا بين إظهار التفاصيل الدقيقة وإبراز الصورة الشاملة.
الموسيقى التصويرية، التي تشمل الآلات الموسيقية التقليدية والموسيقى الحديثة، تعزز من الطابع الثقافي للفيلم وتضيف بعدًا إضافيًا للتجربة البصرية. التوليف بين الأصوات والمشاهد يساهم في بناء جو من الانغماس والإثارة.
يتميز الفيلم بجماله الطبيعي والإنساني، حيث يقدم مشاهد تجمع بين روعة المناظر الطبيعية في البتراء وجمال الحياة اليومية لأهلها. التعبير الجمالي في الفيلم يتجسد في استخدام الألوان والضوء لتسليط الضوء على جمال الصخور والتفاصيل الدقيقة في الحياة الصحراوية.
التعبير عن الجماليات الثقافية من خلال الموسيقى والأزياء والأنشطة اليومية يعزز من التقدير الجمالي للتراث الثقافي. الأسلوب التعبيري للفيلم يعكس الاحترام العميق لتاريخ المنطقة ويشجع المشاهدين على التقدير والاهتمام بالتراث الثقافي والبشري. في الختام، فيلم "بعد غد" هو عمل وثائقي يتفوق في تقديم تجربة بصرية وصوتية ثرية ومؤثرة. يجمع بين الموضوعية والدراما والفن والجمال بطريقة تجعله تجربة متكاملة تثير التفكير وتقدير المشاهد للثقافة والتاريخ والتحديات التي تواجهها منطقة البتراء.
الفيلم للمخرجين توفيق بيهم وكارل غوغ وقد شارك في مهرجان طرابلس السينمائي للأفلام 2015.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com