حضارة إنسانية توحي بميثولوجيا إنسانية غارقة بالبؤس،

ضحى عبدالرؤوف المل

تشتق الصورة الذهنية في أعمال الفنان "جاك فارتابيديان" (Jacques Vartabedian) من ملامح الوجوه الإنسانية التي يجمعها في معرضه كبورتريه متخيّل تشكيليًّا ومرسومًا بألوان قديمة، وكلوحة جامعة لحضارة إنسانية توحي بميثولوجيا إنسانية غارقة بالبؤس، وبالمعاني الفكرية الناتجة عن التفاوت الزمني عند الإنسان. لتتشكل الحركة وفق رؤية نمطية لها أبعادها ذات الصفات المخصوصة ضمن الوعي الفني، وانعكاس امتدادات اللون المغاير، لنبض الحياة وتجددها كتكوين يدمجه مع الأفكار المتنافرة تعبيرياً من وجوه شخوصه، والرؤى التي يرصدها تشكيليًّا من خلال الوجه وديناميكية الأشكال التي تتصف بثقافة الفن التشكيلي، ومؤثراته البصرية على الذهن، وبتباين تأثيري يساهم في خلق جمالية قديمة تجمع الإنسان عبر عصور متخيّلة في لوحة واحدة، كجدارية كهوفية تزدان بالخطوط والأشكال والأحجام والفراغات والفواصل الفنية.

تفاوت في معايير التباعد والتقارب، والتلاحم أيضًا والاندماج المرتبط بالنشاط التخيلي المنبعث من التصويرات التشكيلية، وتعبيراتها الداخلية الناقلة لأحاسيس الفنان "جاك فارتابيديان" الإنسانية بأسلوب. ربما ليس بالجديد، ولكن له بصمته الخاصة من حيث الانطباع النفسي الذي يتركه عند الرائي من اللحظة البصرية الأولى للوحة قبل استكشاف التفاصيل التشكيلية التي تؤدي إلى خلق توازنات ظاهرية تحمل في بواطنها أشكالًا تتراىء من جدلية الإنسان والوجود، وعبثية الوجوه الراحلة والقادمة عبر أزمنة تتشابك بين شخوصه الواقعية والمتخيّلة، والتعبيرات اللونية المشحونة بالخير والشر، وبما تحمله من رموز حضارات تتعاقب تبعًا للحركة القديمة والجديدة التي تتواءم في أعمال الفنان "جاك فارتابيديان" التشكيلية بشكل عام.

وعي ذاتي نابع من قوة التخييل الواقعي الذي يؤثر على التشكيلات بتصوراتها الذهنية، المبنية على تغاير الأشكال والتشابه أيضًا، لكن ضمن الإيحاءات من حيث دلالاتها ورمزيتها وقدرتها على خلق حوار بناء بين الرائي واللوحة والفنان. وتتصف بديناميكية تمتلكها البصر عند استكشاف الإنسان من خلال الإنسان فقط أو أي مخلوقات أخرى تشكلت في اللوحة، واستطاعت خلق محاكاة درامية، وربما ملحمية فنية يلعب الإيقاع الحركي فيها دورًا أساسيًّا والنغمة اللونية بتدرجاتها أسلوبًا نقشيا أو نحتيا، ولكن من خلال الرسم والتشكيل، وفق أبعاد الفكر الفلسفي المتسائل عن عبثية الوجود في الحضارات الإنسانية، وفي تعبيرات الوجوه المتميزة بما هو خفي في الخطوط الدقيقة التي يتركها كشعيرات خطوطية تتجه وفق انعكاسات الخطوط الأخرى.

قيم معنوية إنسانية شديدة الحساسية في تشكيلاتها وتحولاتها عبر اللوحة المحاكية للوجدان والعقل، بفاعليتها الحضارية المؤاخية للفكر الإنساني وجوهر الأزمنة المتعاقبة التي تستند على مكونات لغة فنية قديمة، كميثولوجيا حضارية تحتفظ بخلجات ريشة نقشت على وجوه الشخوص ميزة ذات صياغة فنية فاعلة ومتفاعلة صدر عنها أشكال إنسانية تتقاطع فيها المفاهيم التراجيدية، والملحمية، والفنتازية، والسمفونية، وحتى الحركية بخطوطها المقيدة والمتحررة ضمن الرسومات الأيديولوجية في معناها ومبناها ورؤاها، وحتى الدلالة التعبيرية التي أراد ظهورها في رسوماته الفنان "جاك فارتابيديان" التي تجمع القديم والجديد ضمن الماضي والحاضر، وحتى المستقبل، إضافة إلى المعنى الداخلي للإنسانية التي تظهر في معالم رسوماته الثرية بالحركة، وبالاستبطان الرؤيوي وإن بكلاسيكية ربما رأينا ما يشبهها مسبقًا. إلا أنها تتميز بالمعنى الداخلي المرتبط باللغة الإنسانية، وفلسفة الوجود التشكيلية ضمن الأسود وفراغاته، والتدرجات ذات التعتيق التدريجي للون، هو عبارة عن عتمة وظل وضوء تتراخى عنده حدود اللون التي تسيل بمعايير توحي بالتلاشي لتزداد قوة الإدراك الإنساني لحالة الحضارات التي تتصارع فيما بينها.

برؤية أخرى من خلال النظر إلى أعمال "جاك فارتابيديان"، تبرز صورة فنية تُشعر الرائي بالانغماس في عالم مليء بالتعقيد العاطفي والفكري. يُمكن أن يُلاحظ الانطباع الأولي عن الأعمال بأنها مشحونة بقدر كبير من الأسى والظلمة، حيث تُبرز الوجوه البشرية تجاعيد الحياة وتجاربها المرهقة. يظهر الانطباع العام بأن الفنان يهدف إلى إظهار التباين بين الوجوه واللون، مما يخلق تأثيرًا بصريًّا يترك انطباعًا قويًّا على المتلقي.

تُركب أعمال فارتابيديان من عناصر تشكيلية تتداخل فيها الوجوه البشرية والألوان القديمة. يستخدم الفنان تقنية الزيتيّة والدرجات اللونية القديمة التي تسهم في بناء تجربة بصرية تُعبر عن التفاوت الزمني وحالة الإنسان عبر العصور. النمط التشكيلي الذي يتبعه فارتابيديان يعكس تأثره بالميثولوجيا والرموز التاريخية، ويستدعي تساؤلات حول عبثية الوجود وصراع الحضارات.

تستفز أعمال فارتابيديان مشاعر التأمل والحزن العميق لدى الرائي. الوجوه المعروضة تُظهر مشاعر وأحاسيس معقدة تعكس تجارب الإنسان وتحدياته النفسية. الألوان الداكنة والتباين في العمل يساهمان في خلق إحساس بالعمق والتعقيد العاطفي، مما يعكس حالة من الارتباك والتوتر النفسي. تتجلى الجوانب النفسية في كيفية تأثر المشاهد بما يراه، حيث يثير العمل التساؤلات حول الذات والوجود.

تُعد تقنيات فارتابيديان مزيجًا من الأساليب التقليدية والحديثة. تتسم أعماله باستخدام الألوان القديمة بطريقة تُعزز من جمالية القطع وتساعد في بناء التوتر البصري. الوجوه تُرسم بتفاصيل دقيقة، مما يجعلها تعبيرية وقوية من الناحية الفنية. يستخدم الفنان التباين بين الضوء والظلام لتعزيز العمق البصري والتشويق، مما يظهر مهارة فنية كبيرة في إتقان التكوين والتعبير.

جماليًّا، تخلق الأعمال الفنية لفارتابيديان تجربة بصرية فريدة من نوعها. الألوان الداكنة وتفاصيل الوجوه تساهم في تكوين جمالية قديمة تعكس التوتر والتعقيد العاطفي. التوازن بين الأشكال والألوان يساهم في خلق تناغم بصري، رغم أن العمل يحمل طابعًا من العبثية والبؤس. الجمالية هنا لا تأتي فقط من الألوان والتفاصيل بل من القصة التي ترويها اللوحات حول صراع الإنسانية والوجود.

بصريا نجد أن أعمال فارتابيديان تتسم بإيقاع غير منتظم يتخلله تباين درامي بين الألوان والتفاصيل. يُظهر العمل تداخلًا بين الأشكال التي تتحرك بشكل غير متساوٍ، مما يخلق تأثيرًا بصريًّا حيويًّا. التباين بين الخطوط والألوان يساهم في خلق إيقاع بصري يجذب الانتباه ويخلق توترًا ينعكس في المشاهد. الوجوه، رغم أنها تبدو ساكنة، إلا أن تكرار الأنماط والتفاصيل يُعزز من الشعور بالحركة والإيقاع في العمل، مما يضيف بعدًا إضافيًا إلى التجربة البصرية.

تُعد أعمال "جاك فارتابيديان" تجسيدًا متقنًا للمزيج بين الجماليات التعبيرية والتقنيات الفنية المتقدمة. من خلال الانطباع الشخصي، نجد أن العمل يثير مشاعر عميقة ويفتح أبوابًا للتفكير في قضايا الوجود والإنسانية. التقنية الفنية والتعبير الجمالي يندمجان لإنشاء تجربة بصرية تتسم بالإيقاع والعمق، مما يجعل العمل مميزًا في استكشاف القضايا الإنسانية بطرق فنية متفردة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com