إن سعادة النصر تبرق في عينيه كالنساء.
فيلم "السائح" (The Tourist)
ضحى عبد الرؤوف المل _ بيروت _ لبنان
الحب هو الحب في كل زمان ومكان، إنما ما يميّزه هو الثقة الكبيرة التي يمنحها القلب لمن نحبه، لكن بعقلانية، نشد أزرها بالعاطفة الحقيقية النابعة من حقيقة الفعل الذي نقوم به من خلال الدور الحياتي المنوط بنا، دون نسيان الهدف الذي يقود الإنسان نحو واجبه المهني المرتبط بالأمن الوطني أو بالمهمة التحقيقّية في الجرائم أو السرقات أو حتى عمليات الصراع الإنساني المدفوع بمحبة المال أو محبة الأشخاص الذين يجعلوننا نسعى إليهم. وهذا ما بدا من خلال دور "أنجلينا جولي" في فيلم "السائح"، معتمدًا المخرج بذلك على قوة الحدث وتفاعل الأبطال وفاعلية المشهد وجماليته في آنٍ واحد.
دراما رومانسية تثير بأحداثها الهادئة التي تنعكس على أدوار الممثلين، حيث أن الممثلة "أنجلينا جولي" البارعة في خلق ديناميكية تمثيلية خاصة بها وبحيوية عفوية استطاعت من خلالها إظهار ثقة المرأة في الاختيار وحنكتها في معرفة الحدس الداخلي الممغنط نحو شخص تحبه، وتبحث عنه مع محققين فدراليين يسعون إلى القبض عليه معها دون أن يدرك حبيبها أنها مع الأمن الفيدرالي الذي يراقبها كي يستطيع القبض على (ألكسندر) أو الممثل "جوني ديب" الذي انتحل اسم (فرانك) ليبحث عنها بعد أن لجأ إلى عمليات تجميل لتغيير الشكل. ليعيش كشخص آخر هو معلم رياضيات يزور إيطاليا كسائح، ويزور مدينة البندقية ويتعرف عليها في القطار، فتختاره دون علم منها أنه هو. وهذا ما طلبه منها "ألكسندر". تقوم الممثلة أنجلينا جولي بدور "إلسا" التي تمنح حبيبها ثقتها مرة أخرى بعد مراقبتها الشديدة من الانتربول الدولي، وتقرر اللقاء بـ "ألكسندر" فتحرق رسالته وتحولها إلى رماد في صحن من زجاج حملته الشرطة فيما بعد لتعيد الرسالة وتدرك أنها ستلتقيه بعد طلبه منها أن تلتقي بشخص يشبهه، لكنها تبتعد عن الفكرة وتصاحب فرانك، معلم الرياضيات، وتأخذه معها إلى الفندق دون معرفة منها أنه هو "ألكسندر" فعلاً.
استطاع "جون سييل" تصوير الأماكن السياحية في الفيلم بعدسة حافظت على طبيعية المشهد، خصوصًا في شوارع فرنسا التاريخية وفي فينيسيا وعبر المراكب الصغيرة التي تنقلت بها أنجلينا جولي من مكان لآخر تبعًا للحدث المشحون برقة صوتها النغمي المتآلف مع الموسيقى التي لعبت دورها التكاملي والإيحائي لمشهد سمعي تتماثل فيه الأحاسيس مع الرؤية من خلال الموسيقى "جيمس نيوتن هاوارد" الذي استطاع خلق الأدوار الموسيقية الحسية من خلال الموسيقى التصويرية المتناغمة مع الحركة والأصوات والأماكن في الفيلم بتناسق بين البطيء والسريع، في القطار أو البحر أو حتى من خلال تنقلاتها في الاحتفالات. لتنمو علاقة حب أخرى بينها وبين حبيبها القديم دون معرفة منها أنه هو الشخص نفسه الذي يبحث عنه الانتربول. وبقوة، حافظت على الحبكة الرومانسية في الفيلم الذي يهدف إلى إظهار جمالية البلاد التي تم فيها التصوير من ناحية، ومن ناحية أخرى قوة الإنسان المؤمن بأفعاله حين يتحدى الصعاب. ولكن من المؤكد أن الغاية لا تبرر الوسيلة، والغنى المالي لا يحتاج لسرقات تنتهي التحقيقات فيها بموت العصابة كما حدث في الفيلم، موت العصابة وتحرر السارق مع المحققة من تبعيات الحدث الذي دفعه إلى انتحال شخصية أخرى.
نهاية كلاسيكية في فيلم بدأ بإثارة بصرية مشدودة نحو ممثلة أتقنت أدوارها باحترافية فنية، سواء من خلال تعبيرات الصوت والجسد أو من حيث الحركة المتناغمة ذات الليونة الأنثوية الغارقة بالمعنى الإنساني من حيث المحافظة على مشاعرها، التي ما زالت تجهل استمراريتها مع شخص غاب عنها لسنتين كاملتين. ولكن أيضًا هي مهمة بوليسية فوجئ بها المشاهد عندما ظهرت أنجلينا كمساعدة بوليسية تريد الكشف عن حبيب سرق مال رجل العصابة الذي يموت في النهاية، ولكي تكشف عنه للسلطات أيضًا كي تبقى مع (فرانك) بعد أن أحبته دون معرفة منها أن (ألكسندر) و(فرانك) هما شخص واحد.
وهنا تكمن جوهرية الحب في الفيلم من حيث معناه الفكري أولاً قبل التمثيلي الذي يجذب برومانسيته الدرامية المشاهد. إذ تمنح الكاميرا عدستها لأنجلينا جولي وجوني ديب معظم أوقات الفيلم. ليتجاوز المخرج "فلوريان دانرسماك" بذلك الأخطاء الثانوية في الفيلم من خلال العين المتابعة للبطلين فقط بإثارة سينمائية استطاعت التقاط المشاهد من البداية إلى النهاية، وكأن المؤلف وضع كل جهوده في المقدمة المخالفة للنهاية لدهشة أراد زرعها في الفيلم طيلة الفترة، دون معرفة المشاهد من هو (ألكسندر) إلا من خلال المعلومات التي تتناقلها الشرطة للقبض عليه، ليفاجئ المشاهد أن (فرانك) أو "جوني ديب" منذ البداية كل ما أراده هو كسب حب (إلسا) أو "أنجلينا جولي" بعد أن تغير وجهه. وهنا تظهر التحليلات النفسية أو سيكولوجية المرأة في الحب. إذ هي قادرة على الحب حتى في أقوى الظروف النفسية التي تخاف مواجهتها لرجل واحد استطاع منحها الرومانسية في التعاطي النفسي الهادئ والجميل في معانيه السلوكية القادرة على الاحتفاظ بالمشاعر العاطفية التي تتوج المرأة والرجل.
قصة بسيطة لحبكة متينة تم تأليفها من قبل لفيف من الكتاب مع المخرج "فلوريان دانرسماك" الذي قاد دفة الإخراج بتوازن بين المضمون والحبكة من حيث معانيها المختلفة. من حيث كتابتها أو اختيار الأبطال الذين نجحوا في تقمص الأدوار برؤية خبيرة في توازناتها التعبيرية التي تبدو من الملامح المتوافقة مع الصوت أو حتى الإخراج واللعب على الأحاسيس البصرية من خلال المشهد وأركانه التصويرية والموسيقية، والوضوح والانسياب في الاختزال السينمائي المتوازن مع مدة الفيلم، وعدد المشاهد وحتى الديكور والملابس وفخامة الأماكن السياحية التي تم تصويرها في فيلم نجح فيه الكادر الفني من الحفاظ على نسبة عالية من الإدراك الفني السينمائي الجميل في معانيه الجمالية.
الفيلم من بطولة: "أنجلينا جولي، جوني ديب، بول بيتاني، تيموثي دالتون، ستيف بيركوف، روفوس سيويل، كريستيان دي سيكا"، من تأليف وإخراج فلوريان دانرسماك.
برؤية أخرى فيلم "السائح" يقدم قصة رومانسية تتداخل فيها عناصر الإثارة والجريمة، مما يجعله تجربة درامية مثيرة ومتشعبة. القصة تدور حول شخصية فرانك، الذي يقوم بدوره جوني ديب، والذي يتخفى تحت اسم مزيف للبحث عن حبيبته القديمة، إلسا، التي تؤدي دورها أنجلينا جولي. هذا البناء الدرامي يعزز عنصر التشويق حيث يكتشف الجمهور تدريجيًّا تطورات الحبكة عبر مشاهد مليئة بالتوتر والتشويق. تركز الحبكة على تعقيدات العلاقات الإنسانية، خاصةً في ظل الصراعات الداخلية والخارجية للشخصيات، مما يضيف عمقًا دراميًّا إلى الفيلم.
يتميز الفيلم بجماليات بصرية وموسيقية تعزز من تجربة المشاهدة. التصوير السينمائي، الذي قاده جون سييل، يبرز جمالية الأماكن السياحية التي تم تصويرها، مثل شوارع فرنسا التاريخية وفينيسيا. استخدام الكاميرا لتعزيز التباين بين المشاهد الرومانسية والمشاهد المشحونة بالإثارة يساهم في رفع مستوى التفاعل العاطفي مع الفيلم. أما الموسيقى التصويرية لجيمس نيوتن هاوارد، فتضفي طابعًا دراميًّا يتناغم مع إيقاع الأحداث ويعزز الأجواء المكانية للفيلم، مما يساهم في خلق تجربة سمعية وبصرية متكاملة.
الجمالية في "السائح" تتجلى في الطريقة التي يتم بها تصوير المشاهد وتنسيق الألوان والإضاءة. المناظر الطبيعية الخلابة والأماكن الفاخرة في فينيسيا تضيف طبقة من الجمال البصري للفيلم، مما يعزز من الشعور بالرفاهية والترف. استخدام الألوان الدافئة والضوء الطبيعي يساهم في خلق جو رومانسي يناسب طبيعة القصة. من ناحية أخرى، تم تصوير المشاهد المشحونة بالإثارة بألوان وظلال داكنة لتعزيز شعور التوتر والتهديد.
التمثيل في "السائح" يتسم بالكفاءة العالية، حيث يقدم جوني ديب وأنجلينا جولي أداءً متميزًا يعزز من صدقية الشخصيات. جوني ديب يبرع في تقديم شخصية فرانك بخفة دم وتوتر خفي، مما يضيف عمقًا إلى دوره كمجرم هارب. في المقابل، تقدم أنجلينا جولي دور إلسا بثقة وحنكة، مما يعكس القوة الداخلية للشخصية وحساسيتها العاطفية. التفاعل بين الشخصيتين المركزيتين يعزز من جاذبية الفيلم ويجعل القصة أكثر إقناعًا.
الإخراج تحت قيادة فلوريان دانرسماك يحقق توازنًا بين الجوانب الرومانسية والإثارة في الفيلم. يتميز الإخراج بالقدرة على إدارة تدفق الأحداث وتنظيم التسلسل الزمني بشكل محكم، مما يساعد في بناء التشويق تدريجيًّا. الكتابة تضيف بُعدًا دراميًّا للأحداث عبر حوار مؤثر وتفاصيل دقيقة تُسهم في تطور الحبكة وتعقيد الشخصيات. كما أن هناك توازنًا بين مشاهد الإثارة والتوتر، مما يحافظ على اهتمام الجمهور على مدار الفيلم.
"السائح" هو فيلم يجمع بين الجمال البصري، الدراما المشوقة، والأداء التمثيلي المتقن. يمكن اعتباره مثالًا جيدًا على كيفية تحقيق توازن بين مختلف العناصر الفنية لخلق تجربة سينمائية متكاملة. يبرز الفيلم من خلال استخدامه الفعال للأماكن، الموسيقى، وأداء الممثلين، مما يجعله تجربة مشاهدة تستحق التقدير والتحليل.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com