ثورة التانغو للمخرج "إيلي كمال" في افتتاح مهرجان طرابلس للأفلام 2015

ضحى عبدالرؤوف المل

تؤلف الموسيقى المشاهد بمخيلة يتأثر بها الحس الإنساني، لأنها تعتمد على النغمة المؤداة والقادرة سمعيًا على خلق تخيلات بصرية تجذبنا نحو بؤرة الحدث تبعًا للمشاعر الداخلية وللنبع الوجداني المتأثر بالمشاهد الحياتية من حوله. وهذا ما لمسناه في فيلم "ثورة التانغو" ("Revolt Tango") من خلال الموسيقى التصويرية والتأليف المتوائم مع مجريات الأحداث السياسية التي تأثرت بها المجتمعات، وتختلف تعبيراتها من فرد إلى فرد. لكن أن تؤلف الموسيقى كسيناريو استطاعت خلق قوة سمعية لعبت دورها بصريًا في خلق تناقضات بين علو النغمة وانخفاضها، وقدرتها على التأثير الحسي الذي نقلته الفنانة "جاهدة وهبي" بابتكار إبداعي لافت للانتباه، وبقدرة فنية ضبطت المشهد الحركي لرقصة هي رفض واستنكار للأحداث التي تمر بها البلاد العربية. حيث ترك المخرج "إيلي كمال" لنهاية الفيلم سخرية تجعلنا نتساءل: أين تضعنا السياسات التي تخلق ثورات يذهب ضحيتها شعب يبحث عن السلام؟

قوة الموسيقى التصويرية وكاميرا تتحرك برمزية سريالية تكمل المشهد بعناصر بسيطة محيطة بالمشهد، وكأنها ضمن ذكريات زمن يتجدد بين بيت عتيق وراقص حافي القدمين. وهذا ما فتح المشهد على ملامسة وجدانية تحيط بالمشاعر من حيث قدرة الراقص "مازن كيوان" على إظهار حركة الأصابع في ملامسة الأرض الصلبة مع ليونة القدم الحافية وقوتها الباطنية المتكاملة مع التعبيرات الأخرى. والزجاج الذي تكسر على الأرض دون خوف من عواقب الأمور قد تؤدي إلى أخطار، وضعها المخرج ضمن علامات تعجب تصويرية تتيح للمشاهد خلق أسئلة متعددة وتساؤلات سريالية من رفض وحب وعنفوان وتمسك بالعائلة وتأثيرات الأخبار على المواطن الذي يبحث عن لحظة عائلية دافئة لا شرارة فيها لأي ثورة هي من صنع الإنسان. وكأنها رقصة تستنكر الأحداث، فهل استطاع المخرج "إيلي كمال" مجاراة الرقص المحترف والموسيقى القوية أم أن الكاميرا قد تعجز عن مواكبة تعبيرات "التانغو" وموسيقى "جاهدة وهبي"؟

يقول المخرج إيلي كمال: "موسيقى الفيلم تم تأليفها على السيناريو، أي قبل تصوير الفيلم. عادةً التأليف الموسيقي يتم بعد تصوير الفيلم ليؤلف الموسيقي المشهد السمعي بما يتناسب بصريًا، وقد أعطيت السيناريو للفنانة 'جاهدة وهبي' وعملنا سويًا في التأليف العام. والفن والموسيقى لغة عالمية، ففنان صيني لا يستطيع الكلام مع فنان عربي، لكن موسيقي صيني يستطيع العزف مع موسيقي شرقي بسهولة. وأنا راضٍ عن العمل ليس مئة بالمئة، إنما سعيد جدًا بفيلم 'ثورة تانغو' وراضٍ عن النتيجة. وأنا بالأساس مدير تصوير وما زلت مدير تصوير في أفلام أخرى، وتجاربي السينمائية كثيرة وهذا ثالث فيلم قصير أقوم به، وأحضر حاليًا لأول فيلم طويل."

ما بين "مازن كيوان" و"ندى أبو فرحات"، رقصة تعتمد على الحس المرهف والانفعالات المرتبطة بالحركة وتوازنها مع الشريك الآخر ضمن تعبيرات قادها الراقص "مازن كيوان" ببراعة تسربت إلى المشاهد الرافض والمؤيد لتأثيرات الداخل والخارج من خلال النظر من النافذة، ومتابعة شاشة التلفزيون والاهتمام بالأسرة، وإخراج الاحتقان الباطني برقصة تحاكي الواقع بصريًا، حتى ضمن عقارب الساعة والسمكة التي خرجت من الماء قسراً برمزية تصويرية استخدمها المخرج "إيلي كمال" للتعبير بشكل فني وغليان تزداد وتيرته وجرأته كلما ازداد العمق البصري توغلاً في مضمون ذي مفهوم يرى أن الإنسان يستطيع "مواجهة الاضطرابات السياسية الواضحة في الشوارع وعلى الأخبار"، وتحدي خوف مثقل بالقلق مما يؤثر على قوة الخطوات وخطورتها. وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية حيث ينتقل الغضب من الشارع إلى أفراد المجتمع الرازح تحت عبء سياسات لا تستطيع تأمين راحة البال. فهل نجح فيلم "ثورة تانغو" في محاكاة ذلك؟

تقول ندى أبو فرحات: "العرب أول من اخترع الرقص وهم أكثر الشعوب التي تتكلم من خلال الموسيقى. والرقص لغة مثل الحوار تمامًا، لكنه يحتاج لجهد أكبر لأن الجسد يحتاج لتهيئته أكثر لهذه اللغة، والمخرج استطاع إيصال هذا المفهوم. الراقص عليه التعبير والمخرج عليه إيصال المضمون من خلال رسالته وصورته، وأنا سعيدة جدًا بالقيام بالرقص في هذا الفيلم 'ثورة التانغو'. وإذا استمعنا إلى الموسيقى فقط نفهم موضوع الفيلم، وأنا شخصيًا عندما سمعت الموسيقى بكيت، و'جاهدة وهبي' قامت بعمل موسيقى رائعة وهذا نوع معين بالفن. وأقول أنا شخصيًا مؤمنة جدًا بقوة الموسيقى والرقص، بالنسبة لي هذه لغة عالمية، ومهرجان طرابلس هو مقاومة ثقافية، وهذه المقاومة الثقافية تفتح ذهن كل من يحاربنا ومن يحاول إعادة لبنان إلى الوراء. ونحن هنا في طرابلس لمحاربة ذلك ثقافيًا."

برؤية أخرى فيلم "ثورة التانغو" للمخرج إيلي كمال يقدم تجربة فنية غنية ومؤثرة. الفيلم يتناول قضايا اجتماعية وسياسية عميقة من خلال عناصر فنية متنوعة، ويمزج بين الإيقاع الراقص والموسيقى التصويرية لخلق تجربة بصرية وسمعية متكاملة. يستعرض الفيلم التناقضات الاجتماعية والسياسية عبر لغة الرقص والتصوير، مما يعزز من تأثيره العاطفي على المشاهد.

يركز الفيلم على تأثير الأزمات السياسية والاجتماعية على الأفراد والمجتمع. يعكس "ثورة التانغو" الصراع الداخلي والخارجي من خلال تفاعلات الشخصيات مع الأحداث المحيطة. تُستخدم الرقصة والتصوير لنقل رسالة حول القضايا السياسية والاجتماعية، مع التركيز على التناقض بين الهدوء الداخلي والاضطرابات الخارجية.

يعكس الفيلم الصراع الداخلي للمجتمع والأفراد في مواجهة الأزمات. الرقص هنا ليس مجرد حركة جسدية، بل تعبير عن مشاعر الإحباط والغضب والأمل. التوتر بين الأجزاء المختلفة من الرقصة يمكن أن يُفهم كرمز للتوترات النفسية التي يواجهها الأفراد في ظل الأزمات. التفاعل بين الرقص والموسيقى يخلق تجربة نفسية معقدة تعكس تقلبات المشاعر.

يتميز الفيلم باستخدامه المتقن للموسيقى التصويرية والرقص لخلق تجارب متعددة الحواس. يتميز التأليف الموسيقي بالتكامل مع السيناريو، حيث تم تأليفه قبل تصوير الفيلم. هذا التوقيت غير التقليدي يعزز من فعالية الموسيقى في تعزيز الرسائل البصرية والفكرية للفيلم. الأداء الموسيقي لجاهدة وهبي يضيف عمقًا وشعورًا للأحداث التي تُعرض.

يبرز الفيلم من خلال استخدامه للتباين بين الألوان والإضاءة، مما يعزز من الأجواء التي يحاول نقلها. المشهد الذي يتضمن الرقصة مع الزجاج المكسور والسمكة التي خرجت من الماء يُستخدم بشكل رمزي لتمثيل الاضطرابات الداخلية والخارجية. الألوان المائلة والأضواء الدافئة تجعل المشاهد يشعر بعمق التجربة الجمالية التي يمر بها الشخصيات.

الفيلم يُظهر الإبداع في تجسيد الأحاسيس والمشاعر من خلال الرقص والموسيقى. الرقصة تعبر عن رفض واستنكار للأحداث، بينما الموسيقى تعزز من هذا التعبير وتضيف طبقة إضافية من الفهم للمشاهد. التفاعل بين الرقصة والموسيقى يعكس تجربة إنسانية معقدة تتراوح بين الرفض والغضب والأمل.

من منظور حركي، يتميز الفيلم بإيقاع رقصة قوي ومتوازن. الحركة في الرقص تعكس التوتر والصراع، بينما التوازن بين الأجزاء المختلفة من الرقصة يعكس التوازن بين المشاعر والأحداث. حركة الأصابع والقدمين، والرقص على الزجاج المكسور، تخلق تأثيرًا حركيًا يعزز من فهم المشاهد للصراع والتوتر.

يعتمد الفيلم على رمزية سريالية لخلق تأثير بصري يتماشى مع الرسالة العاطفية للفيلم. الكاميرا تتحرك بسلاسة لتكمل التباين بين النغمة العالية والمنخفضة في الموسيقى. التكوين البصري للمشاهد يعزز من الفهم الشعوري والتعبيري للرقصة والأحداث، ويضيف عمقًا للتجربة البصرية.

فيلم "ثورة التانغو" يُعتبر تجربة فنية متكاملة تجمع بين الإيقاع الراقص والموسيقى التصويرية والتصوير السينمائي بطريقة تعزز من الرسالة الموضوعية والنفسية. من خلال التباين بين الألوان والحركة، يعكس الفيلم الأزمات الاجتماعية والسياسية بطريقة تعبر عن تجربة إنسانية معقدة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com