الشخصية العربية في المفهوم الغربي الدرامي
ضحى عبدالرؤوف المل _ طرابلس _ لبنان
تمتلك الدراما الغربية مفهومًا متحررًا من الأخلاقيات التي ترتبط ببناء الشخصية العربية في الأعمال السينمائية، حيث تركز على الصورة العربية بأوجه مختلفة. يظهر العربي إما كبدوي مستهتر سلوكياً أو كراعي لصحراء يسير فيها أو كإرهابي يقتل الملايين، دون مراعاة العمق الحقيقي للشخصية العربية بمختلف توجهاتها. كما يتم تصويره ببعد نفسي تشويهي وبتدليس تفافي، دون الاهتمام بالقدرة على تجسيد ذلك الكيان البشري. ومع ذلك، لكل فرد خصوصية تميزه عن الآخر، بغض النظر عن كينونته الإنسانية أو الفروقات الجغرافية والبيئية المتأثرة بنظرة الغرب الاستعلائية على العرب. بل ومحاولة رمي الخطيئة الغربية على عربي يجول في صحراء مصر كمرشد سياحي يحاول قتل عالم آثار أراد سرقة حجر الكوديك في فيلم "يوم المومياء". يستعرض الفيلم نباهة الغرب الحداثية أمام العربي الأحمق الذي ظن أنه سيستطيع الانتصار عليهم. في هذا، قمة الاحتيال على العقل الغربي نفسه قبل العربي، لأنه يشير إلى عدم فهمهم الإنسان العربي بالمطلق، بل بسطحية تميل إلى خلق التعالي عبر الدراما البصرية، دون الاهتمام بالمضمون الجوهري الذي يجب أن يُبنى بحيادية درامية. فهل الشخصية العربية في المفهوم الغربي نموذج سيئ متخلف يمكن الانتصار عليه بمشهد أو بفيلم لا يحمل إلا المفاهيم المغلوطة بنسبة عالية؟
لم تتبلور الشخصية العربية بمعناها الإنساني في المفاهيم الدرامية الغربية من القدم حتى الآن. فتوظيف الفعل الدرامي المؤثر على الفكر الغربي لإدخال فكرة الأفضلية عبر دوافع الخير والشر ونظرة العربي إلى الغربي، وكأنه في الغالب ابن الصحراء المكبوت نفسياً، وغير قادر على التماسك، والملاحق للنساء وما إلى ذلك من غرائز تُخصص لغرزها في العقل الغربي نحو العربي من خلال الدراما، وما تحمله من قيم لا تتوازى فيها الحقوق الإنسانية كما ينادى بها في العالم، وليس في الغرب نفسه. فهل من دراما عربية تحمل الحقيقة للعوالم باختلافها، ودون دس السموم في الدسم كما هي الحال في الدراما الغربية؟ وهل من إيديولوجية للدراما العربية كي تقاوم فيروسات الغرب الدرامية التي تصيب الحواس بالاستفزاز في غالبها، ونادراً ما نرى العكس؟ لأنه إن تم ذلك فعبر التحرر المرفوض فكرياً وأخلاقياً، عبر الخروج عن مفاهيم العائلة العربية التي فشل الغرب في الحفاظ عليها. فأين التوازن الدرامي بين العرب والغرب ضمن الفكر الإنساني أولاً، بعيداً عن الدسائس البصرية التي يتم طرحها عبر الأفلام مثل فيلم "الخطوة العالية" الذي يعالج فكرة مدرسة إيرانية تعلم فن الرقص لطلاب الجامعة في أميركا، حيث شن الأسقف هجوماً عليها لمجرد رآها تدربهم على أصول الفن الشرقي في التعبير عن الحركة الداخلية. فالفيلم، برغم أنه أخذ منحى الدفاع عن التعصب الأميركي، إلا أنه أيضاً انتزع من المرأة الشرقية صفة الالتزام العائلي والفكري ومسايرة الغرب في تطلعاته نحو المرأة. فهو كالمرآة، ما نراه من خلالها هو انعكاس للمفهوم الغربي على الشخصية العربية بحد ذاتها، بل وبتعصب أعمى في الغالب.
دسائس هوليودية توحي للفكر الغربي نفسه بالشخصية العربية الميالة إلى القتل والخراب والفساد، أو إلى الانقياد والتبعية، أو إلى النظرة المعجبة بالغرب وتقليده لتكون ببغائية في تعاطيها وتنتمي إلى ما يسمونه التقدم ومجابهة التخلف العربي. يقول جاك شاهين: "القوة التي تصور بها بعض «الآخرون» غرباء وخطرين بالفطرة وباعتبارهم مخلوقات كريهة لا تتشابه مع الباقين، هي قوة مدمرة مثلها مثل الأسلحة الفتاكة". والصور المنحازة تحدث نوعاً من العمى وسط الأمريكيين الآخرين، أولئك الذين يستهلكون دون عمد هذه البروباجندا منذ أجيال أثناء عملية الترفيه عن أنفسهم. فهل من دراما عربية تخاطب الغرب من خلال توجيه الحقيقة إلى مسارها الصحيح عبر الإتقان في التأليف الدرامي والإخراجي وتقديم صورة تحمل حقيقة الإنسان في كل مكان من العالم، ومن مبدأ الإيمان بسواسية البشر وتأرجحهم بين الشر والخير دون التخصيص لغربي أو لعربي بإساءة تردد مع الصورة؟ فالدراما البصرية هي الفن الذي يجب أن يحافظ على جوهر الإنسان لتبني الأمم بشكل سليم. فمتى تصبح الشخصية العربية في المفاهيم الغربية مصححة من الشوائب؟ وهل من دراما عربية تواجه الفكر الغربي بسلاسة ومنطق وعمق؟
خبايا المفاهيم الغربية في أفلام مشفرة بنبذة يصعب اكتشافها عند المشاهد العادي، إلا أنها تترسخ في ذهنه لتصبح كفيروس ناشط يصعب مكافحته. لأنها ضوئية الزمن وبصرية الرؤية، وتعيد مشهدية الصورة إلى الذهن كلما تراءت شخصية عربية أمامه. ما تحمله خبايا فيلم "مملكة السماء" يؤكد أن التوجيه الدرامي الغربي مبني على فكرة العربي الذي يأكل حقوق الآخرين، بل ويستبيح القتل لاسترداد ما ليس له، في تلميح يسيء إلى القائد صلاح الدين وملكية القدس، ولكن بأسلوب درامي سينمائي بإنتاج ضخم يمتلك ما يكفي من مؤثرات سمعية وبصرية، ليملأ فؤاد المشاهد عبر مخيلة درامية مبطنة تحمل الجمال في ظاهرها وتبطن مخاطبة الفكر. لتدس صورة العربي الأعرابي بشخصية قاتلة مسرفة أو مستسلمة خاضعة، وحتى عبر التاريخ. فهل من دراما عربية تعيد مجد العرب بصرياً، وعبر السينما التي باتت جزءاً أساسياً في التأثير على العقول وبرمجتها وفق الرؤية السياسية التي تخدم الغرب لتصوير العرب بشتى الطرق السلبية؟ ولم تسلم من هذا حتى الأفلام الوثائقية مثل فيلم "مقتل إمام". فالانتاج الدرامي الهوليودي الغزير والمتعصب بمفاهيمه السوداء ينتج هذه الأفلام، وبدراسة مكتملة الجوانب لتكون بمثابة محاكاة مستمرة حتى ضمن الشخصية الكرتونية الموجهة للأطفال، وبرمزية يتعاطى معها الطفل لاحقاً عندما يتم ربط الشخصيات بالشخصيات التاريخية مثل المومياء السحرية وغيرها، والشبيهة بجوهرها الدرامي بالفيلم السينمائي المومياء.
لا بد للشخصية العربية أن تكافح في مواجهة تشويهها، لتدخل مجدداً بإشراقتها للمفهوم الغربي من خلال النصوص الدرامية البناءة أولاً، والبعيدة عن التعصب، بل بفكر إيماني يبني مجد الإنسان، لنستطيع تخطي مساوئ الزمن الهوليودي بكل عتمته التي تتوهج في عيون البعض ممن تغريهم الصورة، وتبعدهم عن الفكرة، بل عن التفكر الموضوعي بحيث تصبح الشخصية الغربية قدوة يحتذى بها، لتتراجع الشخصية العربية إلى الحد الأدنى. وهذا من شأنه التأثير على الأجيال المتعاقبة التي تضع أمامها مبادئ التحرر من منظور الانزلاق في الأهواء والملذات، كتلك التي نراها في الأفلام السينمائية الغربية. فهل يمكن مواجهة قرون الزمن الهوليودي واقتلاعها درامياً، لنبني شخصية الإنسان عالمياً دون الفروقات التافهة التي يضعها الغرب في الحد الأدنى من الأخلاق عبر مفاهيمه المدسوسة سينمائيًا؟
برؤية أخرى تُعَدّ الدراما أحد أبرز وسائل التعبير الفني التي تؤثر في تشكيل التصورات الاجتماعية والثقافية للأفراد والمجتمعات. وعلى الرغم من تطور الدراما الغربية وتنوعها، فإن الصورة النمطية للشخصية العربية في هذه الدراما تظل محبوسة في دوائر ضيقة من التحيز والتشويه. وفي هذا السياق، يمكننا تقديم رؤية تحليلية اجتماعية بموضوعية وانطباعية لفهم كيف تُبنى هذه الصورة وما هي تداعياتها على المجتمعات العربية والغربية على حد سواء.
الدراما الغربية غالبًا ما تقدم صورة نمطية للعربية على أنها شخصية بدوية متخلفة، إما مستهترة أو إرهابية. هذه الصورة تقوم على اختزال معقد ومبسط لشخصيات وثقافات متعددة، مما يؤدي إلى تكوين انطباع أحادي الجانب لا يعكس الواقع المتنوع والثراء الثقافي للعالم العربي. من البديهي أن يكون هذا النمط من التصوير قد نشأ من قوالب نمطية قديمة وراسخة، تُستعمل لإثارة مشاعر معينة في الجمهور الغربي، مثل الخوف أو الاستهزاء.
يظهر العربي في هذه الدراما إما كراعي يقطع صحراء شاسعة بحذاء مزخرف أو كإرهابي يسعى لتدمير الحضارة الغربية. وفي كلتا الحالتين، تفتقر الصورة إلى التعقيد والتنوع، مما يجعلها تجسيدًا مشوهًا يعزز من نظرة الغرب الاستعلائية تجاه الشرق.
الدراما الغربية لا تتعامل مع الشخصية العربية ككيان مستقل ذي عمق إنساني، بل تستخدمها كوسيلة لتعزيز شعور التفوق الغربي. فالصورة التي تُعرض ليست مجرد انعكاس لثقافة أخرى، بل هي تعبير عن نظرة تفوقية تميل إلى تعزيز الفجوة بين الشرق والغرب. يُقدَّم الغربيون كرموز للحداثة والتقدم، بينما يُصور العرب كرموز للتخلف والتهديد. وهذا لا يعكس مجرد انحيازات فنية، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز الهيمنة الثقافية والسياسية.
في مواجهة هذا التشويه، تسعى الدراما العربية إلى تقديم صورة أكثر دقة وتنوعًا. لكن التحديات ليست بسيطة. فغالبًا ما تواجه هذه الأعمال صعوبة في اختراق السوق الغربية المهيمنة، كما تتعرض لانتقادات قد تكون أكثر شدة من تلك التي تواجهها الأعمال الغربية عندما تُعرض في العالم العربي. علاوة على ذلك، قد يتعرض المحتوى العربي لضغوط تتعلق بمدى توافقه مع القيم الغربية المهيمنة، مما يجعله عرضة للمساومة.
تحتاج الدراما العربية إلى تقديم سردية تعكس التعقيد والثراء الثقافي للعالم العربي، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية التي تضع الشخصية العربية في إطار من الاحترام والتفاهم المتبادل. كما يجب أن تكون هذه السرديات قادرة على تقديم العرب ليس كآخرين بعيدين، بل كأفراد يشتركون في التجارب الإنسانية الأساسية مع بقية العالم.
الانتقال من الصورة النمطية إلى التفاهم المتبادل يتطلب أكثر من مجرد إنتاج درامي محسن. يحتاج إلى جهود ثقافية وتعليمية تُعنى بتطوير الفهم والتقدير المتبادل بين الشعوب. يمكن للدراما أن تلعب دورًا مهمًا في هذا السياق، ولكن يجب أن تكون مبنية على أسس من الحوار والتفاهم، بدلاً من الاستغلال البسيط للصور النمطية القديمة.
في نهاية المطاف، إن تصحيح الصورة النمطية للعربية في الدراما الغربية ليس مجرد مسعى فني، بل هو خطوة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والثقافية. من خلال تقديم سرديات تتسم بالموضوعية والانفتاح، يمكن للدراما أن تسهم في بناء جسر للتفاهم بين الثقافات المختلفة، وتساعد في تجاوز الفجوات التي تقسم العالم اليوم.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com