مُستقبل ذكرياتنا القادمة
فيلم المعطي (The Giver)
ضحى عبدالرؤوف المل - بيروت، لبنان
بعد الفناء، بدأنا من جديد. أنشأنا مجتمعًا جديدًا، مجتمعًا صحيًّا مدعومًا ببنايات صحية، نعلم الأطفال ما هو جديد، نعلمهم لغة متقنة. المواطن هنا لا يكذب قط. جملة يبدأ التعريف بها في فيلم فلسفي ذو رؤية علمية خيالية تبناها المخرج "فيليب نويس" (Phillip Noyce) بعمق فكري هادف إلى إظهار قيمة الحياة من حيث أضدادها لا مثاليتها المزيفة الباحثة عن مفردات مختلفة كالقتل واستبدالها بالرحلة الأخيرة أو أنه من المفقودين. فذكريات الماضي في تاريخنا تعلمنا أن الصراع الإنساني نشأ من أساطير تحمل في طياتها حقيقة الإنسان وماهيته المبنية على التناقضات بين الخير والشر. إلا أنها تختلف نسبيًّا من إنسان إلى إنسان تبعًا لميوله وأفكاره والأخلاق التي بنى عليها في بيئته الحاضنة له. لأنه في كينونته كتلة من المشاعر التي يصعب السيطرة عليها، وإن من خلال العقاقير والأدوية، ولمتابعة جيل تم إبعاده عن كافة وسائل الماضي لبناء مجتمع مثالي فشلت في تكوينه الرئيسة "ألدر" أو الممثلة "ميريل ستريب"، لأنها علميًّا لا تستطيع الاستغناء عن الذاكرة. وبالتالي لا بد من ترك إنسان ناشط ذهنيًّا يؤرخ للمراحل الحياتية المتتابعة عبر الأجيال. وهنا تبدأ المفارقات عندما يقرر المانح وهب المعلومات التاريخية إلى شاب هو مُستقبل معلومات الحاضر، ليكون جزءًا من تاريخ يمكن الاعتماد عليه. وهذا يحتاج إلى قوة إرادة ومتابعة منه. إلا أن المانح خطط ليعيد الحياة كما هي للإنسان بكافة تناقضاته، حروبه، خيره وشره، وألوانه الكاملة بعيدًا عن المثالية غير الممكن تطبيقها على الأرض. لأن الإنسان في تكوينه يمتلك الخير والشر، وهذا يتناقض مع المجتمع المبرمج على القوانين الصارمة لتأمين المجتمع الأفضل، وبسلبه نعمة الحب والأجواء العائلية الكاملة من أم وأب حقيقيين. فهل استطاع المؤلف التوأمة مع المخرج "فيليب نويس" في إظهار المكنون الفلسفي بصريًّا، أو بالأحرى سينمائيًّا؟
لن تتغير ماهيتنا؛ هذا الاستنتاج هو الحقيقي لمفهوم البناء المجتمعي الذي يسلب صفة الإنسان المبنية على التضاد النوعي والحسي للرجل والمرأة. فالمجتمع الأفضل في الفيلم عبارة عن تغيير المفاهيم وانتقال تعابيرها من القساوة إلى الرقة حيث يتم اختيار المهنة للشاب أو الصبية تبعًا لحاجة المجتمع، وبنظام تقليدي يمنع أيًّا من الشباب اختيار ما يريد، ولكن ضمن النظام المجتمعي الذي أنشأته الرئيسة العامة. لتتجنب الحروب الإنسانية وعنفها العنصري الذي استطاع رؤيته المانح، ليتخطى الحواجز المانعة من الوصول إلى المجتمع الحياتي الحقيقي. فالرواية المكتوبة تحمل الاسم نفسه، وهي للروائي "لويس لوري" الذي عالجها دراميًّا "مايكل ميتنيك وروبرت ب. وادي" لتحافظ على معناها الاجتماعي وضمن مفاهيم الخيال العلمي الذي يحاول اصطناع مفاهيمه تبعًا للعلم وتقنينه، بعيدًا عن الإنسان وجوهره كمخلوق بشري تواجد منذ آلاف السنين وعبر التاريخ في هذا الكون.
جوناس لم يتقبل خلو الإنسان من المشاعر، ولا التخلي عن المستقبل البعيد. فهو أراد الحفاظ على ذاكرة التاريخ التي أراد المانح منحه إياها، ولكن ضمن عزلة فكرية ترفض أناقة المنازل المصممة بتقنية عصرية تواكب النظم الاجتماعية التي يرفضها بحذر، لأن الألوان هي أساس الحياة، والأخضرار في لون الشجر هو الحياة بحساسيتها الجمالية المؤثرة على المشاعر الإنسانية. حيث للألم متعته الخاصة لأنه يجعلنا نشعر بانعكاساته في أنفسنا لنتذوق طعم البديل المعاكس للألم بفهم ذي فكرة تمنحنا قيمة الحياة. والتفاعل مع الآخر ضمن المعنى الإنساني الذي استطاع نقله الممثل "جيف بريدجز". ولا ننسى الموسيقى التصويرية المختلفة في إيقاعها ضمن المشاهد المعاصرة زمنيًّا، لنشعر أننا في المستقبل المجهول الذي نراه مع الثلوج والجبال والصحاري والطائرات الحديثة بأصواتها المميزة لاستكمال المشهد ومنطقيته بعيدًا عن المبالغة أو الإحساس بالبعد عن التفاعل بين المشاهد والفيلم أو عناصره الفنية بأكملها من قصة خيالية مستوحاة من تطور العلم عبر المستقبل. فالعناصر الفنية من إخراج وتمثيل وصوت وصورة نجحت نوعًا ما في الإقناع والتأثير. إلا أن الفيلم رفض الخيال العلمي وقرر العودة إلى منابع الحياة الحقيقية في النهاية، حيث عادت إليها الألوان بأكملها، لتتضح التصورات الإخراجية بتطابق مع النص الروائي وصعوبته سينمائيًّا. فقد حملت المشاهد ثغرات تعبيرية على وجوه الممثلين كالحقد والكراهية والقتل في مجتمع بدا مثاليًّا في أول الفيلم، ومن ثم أدركنا أن الإنسان هو الإنسان مهما حاول البعض السيطرة على أهدافه وميوله وغرائزه. لأنه مبني كما الطبيعة بكافة الألوان والتأثيرات والانفعالات التي تكثفت في المشاهد الأخيرة عند المانح والفتاة والطفلة الصغيرة التي كانت تسمع جوناس وهو يحاكي الطفل المستقبلي لحفظ الذكريات، صاحب العلامة الفارقة المشابهة لجوناس وللمانح الذي جعله يرى طريقة فصله عن أخيه التوأم الذي تم ترحيله بأسلوب إنساني ميال للشر، ولكن بمفهوم المجتمع المثالي الذي يحاول دس مفرداته في فكر يؤثر عليه بالأدوية والعقاقير.
استطاع المصور "رووس إيمري" التركيز على الخدع البصرية وعلى الأبعاد المبنية على تكسرات الضوء. إلا أن المشاهد بين الثلوج ابتعدت عن المنطق من حيث الاستعداد لطفل يحمل القدرة على مكابدة مشقة تخطي الحدود لإلغاء هذا المجتمع الذي فشل في منح الإنسان الحب ولذة البقاء النوعي مع أمومة حقيقية أو أبوة قادرة على الرعاية والاهتمام، وأبناء تتفاعل مشاعرهم بصدق مع كافة أفراد العائلة بدون اختيارات مفروضة من الخارج. فقد امتزجت الموسيقى التصويرية مع الأصوات الطبيعية التي اصطنعها النظام المجتمعي ليلغي الإثارة السمعية من شعبه الذي يحيا بعيدًا عن المشاعر بسبب العقاقير والأدوية، ونفي كل وسائل الموسيقى من آلات كالبِيانو الذي احتفظ به المانح في صومعته الخاصة.
برؤية أخرى فيلم "المعطي" (The Giver)، المستند إلى رواية لويس لوري، يقدم رؤية فلسفية ودراسية لأسئلة عميقة حول طبيعة الإنسان والمجتمع. من خلال تنقلاته الدرامية ورؤيته الفنية والإخراجية، يستكشف الفيلم التناقضات بين عالم المثالية والواقع الإنساني، مستندًا إلى فلسفة متقدمة حول الذاكرة والحريات الفردية.
يتمحور الفيلم حول عالم يُحكم بقوانين صارمة تهدف إلى تحقيق السلام والمثالية على حساب القيم الإنسانية الأساسية. هذا الصراع الدرامي بين المجتمع المنظم والمنعزل، من جهة، واحتياجات الإنسان الفطرية للتجربة والتناقض، من جهة أخرى، يخلق توترًا دراميًّا محوريًّا.
الشخصيات، بما في ذلك "جوناس" و"المانح"، تتطور عبر رحلة ذات أبعاد نفسية عميقة. جوناس، كشخصية رئيسة، يتعرض لعملية تطور درامي مكثفة، حيث يكتشف تدريجيًّا تعقيدات العالم من حوله والتناقضات التي يشملها. تُمثل هذه الشخصية بوضوح الصراع بين الفضيلة المفروضة والحرية الفردية، وتؤدي رحلة اكتشاف الذات هذه إلى تنامي وعيه وتوسيع نطاق إدراكه للوجود.
أُخرج فيلم "المعطي" بإشراف "فيليب نويس"، الذي استطاع إضفاء لمسة إخراجية مميزة على العمل. تتميز السينما المستخدمة بالتباين بين الألوان الرمادية في المجتمع المثالي والألوان الزاهية التي تعكس عالم الذكريات. هذا التباين البصري يساهم في إبراز الفجوة بين الواقع المهيمن والذكريات المحفوظة، مما يعزز الرسالة الفلسفية للفيلم.
الإخراج يجمع بين التكنيكات البصرية مثل الخدع الضوئية والتصوير الدقيق، مما يعكس الوضع الداخلي لشخصيات الفيلم. كما أن استخدام الموسيقى التصويرية، والتي تميزت بتنوعها وإيقاعها، يساهم في بناء الجو الدرامي وإضفاء عمق عاطفي على المشاهد.
يستعرض الفيلم فكرة المجتمع المثالي من خلال نظرة نقدية، مبرزًا كيف أن هذا المجتمع، على الرغم من تنظيمه المثالي، يفتقر إلى الإنسانية الجوهرية. الصراع بين المثالية والواقعية يتجلى من خلال الأبعاد الاجتماعية للفيلم، حيث يُظهر كيف أن القوانين الصارمة والتقييدية يمكن أن تؤدي إلى قمع المشاعر والاحتياجات الإنسانية الأساسية.
الفيلم يدعو إلى التفكير في أهمية التباين والتجربة الفردية كجزء أساسي من التجربة الإنسانية. من خلال هذا العرض، يقدم الفيلم نقدًا اجتماعيًّا للفكرة القائلة بأن التوحيد والضغط الاجتماعي يمكن أن يحققوا السلام دون المساس بجوهر الإنسان.
تُبرز تعبيرات الشخصيات وتجاربهم الداخلية التأثيرات النفسية للفيلم. تصوير المشاعر الداخلية والتجارب العاطفية يتم بعمق من خلال الأداء المميز للممثلين مثل "جيف بريدجز" و"ميريل ستريب"، اللذين ينقلان بوضوح المعاناة والصراع الداخلي لشخصياتهم.
التحليل التعبيري للفيلم يظهر كيف أن المشاعر الإنسانية، سواء كانت فرحًا أو ألمًا، تشكل جزءًا لا يتجزأ من تجربة الحياة، حتى في إطار مجتمع مثالي يسعى إلى إلغائها. الفيلم يبرز كيف أن التفاعلات العاطفية والتجارب الحياتية تصنع جوهر الإنسان، مما يجعلها ضرورية لفهم الذات والعالم من حولنا.
يسأل الفيلم أسئلة عميقة حول طبيعة الذاكرة والحرية والإنسانية. يسعى الفيلم إلى استكشاف العلاقة بين الذاكرة الفردية والتجربة الإنسانية، موضحًا كيف أن الذاكرة لا تقتصر على مجرد معلومات، بل هي جوهر التجربة الإنسانية التي تعطي معنى للحياة. كما أن فكرة الفيلم تدور حول أن الإنسانية تكمن في القدرة على تجربة كل من الخير والشر، السعادة والحزن، كجزء من رحلة الحياة. من خلال تعارضات الفيلم، يظهر كيف أن محاولة تحقيق المثالية على حساب المشاعر والتجارب الإنسانية يمكن أن تؤدي إلى مجتمع غير مكتمل.
فيلم "المعطي" هو عمل سينمائي غني من حيث الدراما والفن والمجتمع والتعبير. من خلال النظر في الجوانب الإخراجية والفلسفية، يقدم الفيلم رؤية عميقة حول قيمة الإنسانية والذكريات في سياق المجتمع المثالي. بفضل تنوع العناصر الفنية والتعبيرية، يظل الفيلم تجربة مثيرة للتفكير والتأمل في جوهر الإنسان ومكانته في العالم.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
الفيلم من بطولة: جيف بريدجز، وميريل ستريب، وبرينتون ثويتس، وألكسندر سكارسجارد، وأوديا راش، وكاميرون موناغان، وكيتي هولمز، وتايلور سويفت.