قوة الحوار بين شكلين ولونين ضمن عناصر فنية عديدة...
ضحى عبدالرؤوف المل
تثير تصويرات الفنانة "بياتريس بيديكوني" (Beatrice Pediconi) الغموض والدهشة الضوئية التي تدفع إلى المزيد من التأمل البصري المشدود إلى معاني اللون الغامض أو الثقوب والكتل والتموجات، والتكسرات مع الحفاظ على التخيلات التي تتسبب في رسم تشكلات إيحائية ذهنية، وبشكل جزئي ينسجم مع رؤية العدسة غير المتحكمة في الشكل. إنما ممسكة بالموضوع وهو التلاشي أو قوة الحوار بين شكلين ولونين ضمن عناصر فنية عديدة تمنح الصورة لذة الاكتشاف، لهشاشة وقوة التفاعلات العضوية أمام عدسة تلتقط إيقاعات الجزء. ليكون الكل ضمن صورة ضوئية تهدف إلى إبراز الأداء الكيميائي وإيقاعاته الفنية أمام عدسة تمنح الاتساع والدقة في الالتقاط التفاعلي بالإضافة إلى روحانية المواد العضوية أو بالأحرى الحركة النابضة بالحياة بين الجماد. لتصبح المساحة الداخلية أوسع من المساحات الخارجية المنظورة، لأن مساحة الشكل اللانهائية تحتفظ بجوهر التمدد والتلاشي والانكماش بين الفراغات المتخيلة المحسوسة والملموسة، وبتسارع تكويني عميق بصريًا وضمن مستويات الارتفاع والانخفاض والتغيرات الفيزيولوجية على الشكل عند النظر إليه في كل مرة من زوايا مختلفة.
كيمياء بصرية بعدسة تصويرية تحفظ الإيقاع والحركة أثناء الالتقاط الحركي، وبسكون ضوئي مهيب تعبيري عن لحظة تفاعلات تثير الحس الموسيقي بصريًا وضمن الأبعاد الفراغية، والمساحات اللامتناهية بأسلوب سهل ممتنع، تمنح الحس وجدانية جمالية كونية ذات تأملات فلسفية في فيزيولوجية الأشياء وتأثيراتها الكيميائية على بعضها البعض، خصوصًا في الانسجام والتناغم والتوافق، والتضاد الضوئي الدقيق من حيث تناسب تسليط الضوء الخارجي المتوافق والمتنافر مع ضوء العدسة وقياس فتحتها وسرعتها، ومفهومي القريب والبعيد والارتفاع والانخفاض والواسع والضيق والضوء الرياضي ومرونته المترائية على ظلال وهمية تنعكس على الأبيض كغيوم محملة بالأمطار ذات شحنة سلبية ضئيلة. فهل استطاعت عدسة "بياتريس بيديكوني" التحكم بتفاعلات العدسة مع كل هذه المفاهيم التصويرية المختزنة في مخيلتها قبل الصورة الفوتوغرافية؟
حرفية فوتوغرافية تثير الانتباه بيولوجيًا. إذ يبلغ مستوى إيقاع اللون أقصاه، لينخفض اللون الآخر بتوازن يتماثل معه بل ويتماهي في علة المفاهيم السلبية والإيجابية، وبوميض ضوئي ساكن بين طيات اللون الأسود الذي يختزن وبشفافية انعكاسات اللون الأبيض، وبوعي كيميائي أي تفاعلي الحركة والإيقاع، ليمنحه المساحة ضمن موضوعية الشكل البناء المتحول إلى أشكال ذهنية متعددة. لكل منها إيحاء ذاتي عند الرائي، يتضمن تأويلات بصريّة عبثية ونظامية، وبازدواجية النظرة من زاوية العين، والعدسة باتساعها الاختزالي لتشكلات الحركة للمادة العضوية المؤطرة بفراغات جمالية ذات ميزة جوهرية فوتوغرافية هي قيمة الأبعاد الضوئية الفاصلة بين العدسة والعين والموضوع الفوتوغرافي التأليفي إن صح الأمر.
سكون منضبط لحركة تناظرية تفرض انضباط النظر لخلق إيحاءات بصرية واضحة موسيقيًا، وبشعور جمالي عاطفي يتيح الانسجام مع التموجات اللينة، وحتى التكسرات القاسية في صور أخرى. لتبرهن "بياتريس بيديكوني" على أهمية العدسة في رسم التفاعلات التي تعجز عنها الريشة أحيانًا، وببراهين بصرية مرئية وملموسة حسابيًا ما بين الاقتراب والابتعاد، ولحظة الالتقاط مع الحفاظ على حجم الضوء أو كميته التي تضفي على الموضوع قيمة معنوية وبصرية ذات شاعرية تشويقية تميل إلى الغموض والتجريد، والعودة إلى كونية الوجود وبمعايير فرضتها على العدسة. لتحتفظ بيديكوني بقوة الاكتشاف البيولوجي أو الكيميائي المحرض على الحركة أمام العدسة، لتترجم سيميائيًا ما هو غير واقعي عبر واقعية المواد وانفعالاتها أو قبل تفاعلاتها بلحظات بطيئة في البدء ومتسارعة في النهاية، وبأطر لونية غير مألوفة بصريًا لتؤلف المشهد التكويني وفق افتراضات الضوء ونسبية اللحظة ومقدرة العدسة لإخراج العالم الكوني من الأشياء المادية.
أعمال الفنانة الفوتوغرافية "بياتريس بيديكوني" (Beatrice Pediconi) ضمن مهرجان فوتوميد للصورة (2015 Photomedliban).
برؤية أخرى: في عالم التصوير الفوتوغرافي، يمكننا أن نرى كيف يجمع الفنان بين العناصر الفنية لخلق صورة تعبر عن رؤيته الخاصة وتثير مشاعر وتأملات متعددة. تناولنا في هذا التحليل أعمال الفنانة الفوتوغرافية "بياتريس بيديكوني"، التي تميزت باستخدامها للضوء واللون في تشكيل لوحات تصويرية تثير التأمل وتدعو للتفكر في عالم من التناقضات والتوازنات.
تتمتع أعمال "بياتريس بيديكوني" بجاذبية بصرية فريدة تجذب الانتباه منذ اللحظة الأولى. الصور التي تلتقطها تتسم بالغموض والدهشة الضوئية، حيث تعكس تفاعلات حساسة بين الألوان والأشكال التي تشكل تكويناتها. هذا الإحساس بالدهشة يولد من تباين قوي بين الألوان وتدرجات الضوء، مما يجعل المشاهد يتساءل عن عمق معاني الصورة وتأثيراتها البصرية.
الألوان في أعمال بيديكوني تتراوح بين الألوان الغامقة والفاتحة، مما يخلق تباينًا مثيرًا بين الضوء والظلال. استخدام الألوان بهذه الطريقة يساهم في إبراز عناصر الصورة وجعلها أكثر حيوية. الضوء، كعنصر رئيسي في التصوير، لا يُستخدم فقط لإضاءة الموضوع بل لتشكيل الظلال وتحديد التباين الذي يعزز من التعقيد البصري للصورة.
الصور تتميز بتكوينات تتضمن أشكالًا غير منتظمة وتفاصيل دقيقة، مما يعزز من إحساس الغموض والتشويق. تشكلات اللون والكتل والتكسرات تعكس حركات متدفقة وحالات من التغير المستمر، مما يخلق تأثيرات بصرية تشبه التموجات في الضوء والظل. هذه العناصر تتعاون لتشكيل مشهد بصري يتسم بالابتكار والتمرد على النمط التقليدي. إذ تستخدم التباين بين العناصر المختلفة في الصورة لإبراز التفاصيل الدقيقة وجعل الصورة أكثر عمقًا. هذا التباين يشمل الألوان والضوء والظلال، مما يعزز من الإحساس بالعمق ويجعل الصورة أكثر جذبًا وتفاعلاً. رغم أن الصور تحتوي على عناصر تجريدية، فإنها تنطوي أيضًا على أبعاد واقعية. هذا الجمع بين التجريد والواقعية يساهم في خلق توازن بين ما هو ملموس وما هو خيالي، مما يتيح للمشاهدين تجربة بصرية متعددة الأبعاد.
جماليات أعمال بيديكوني تنبع من قدرتها على خلق تجارب بصرية تعكس تعقيدات الحياة والوجود. الحركة، الضوء، واللون في صورها تتناغم لتقدم تجربة جمالية ترتكز على تناغم بين العناصر والتأثيرات البصرية. هذا الجمال يتميز بعمق فلسفي وفني يدعو للتفكير والتأمل. أعمال "بياتريس بيديكوني" تعكس براعة فنية في استخدام الضوء واللون لتقديم تجارب بصرية فريدة. من خلال تجسيد التفاعل بين العناصر وتجسيد الجماليات المتنوعة، تقدم بيديكوني أعمالًا تجذب الانتباه وتثير التأمل. هذا التحليل يبرز كيف يمكن للتصوير الفوتوغرافي أن يكون أداة قوية للتعبير الفني والإبداعي، حيث يجسد التفاصيل الدقيقة والتجريد بطريقة تتجاوز الأبعاد التقليدية للتصوير.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com