واقع زمني أطل فوتوغرافيا بعناوين جمالية مزدانة بقيمة الإنسان
ضحى عبد الرؤوف المل
تفتح الفنانة "سابين ويس" عين عدستها على الوضع الإنساني فوتوغرافياً لأنها تبحث عن المشهد النابض بالحياة، وبالحدث الحقيقي مع الحفاظ على الميزة العفوية والبساطة في الرؤية الفوتوغرافية، مراعيةً المسافات الضوئية الفاصلة بين الموضوع التصويري الهادف لإبراز الإنسان والعدسة التي تقتنص الحركة. لزمن توقف في أماكن تراها كإطار جمالي يزيد من بساطة الصورة وعفويتها، والمفردات الضوئية بعناصرها المؤسسة للصورة عبر الواقعية التعبيرية، البصرية بسيميائية تؤرشف انطباعاتها بمعالمها الضوئية المتسارعة والمتباطئة، المترعة بتفاصيل تصويرية تلتقط من خلالها سرعة التأثر والتأثير أثناء فتح العدسة وإغلاقها، بالتزامن مع لحظية الحدث وزمنيته الساكنة عبر مشهد الصورة وجمالياتها الموضوعية البارزة بمعانيها الاجتماعية والجمالية، المختلطة مع رؤيتها الخاصة للعالم المتصل بالواقع مبتعدةً عن الخيال أو التركيب الفوتوغرافي المصطنع. إذ تقتطف من الدوافع الإنسانية النسبة المعينة من الضوء الملازم لإبراز الموضوع بأسلوب ذي معايير فوتوغرافية ناشطة في خلق انعكاسات واعية لارتباطها بالعناصر المؤلفة للصورة المحفزة بصرياً للمؤثرات الساكنة. لتؤثر على الانفعالات بعقلانية تحتفظ بسيمترية بصرية عند الرائي بالاعتماد على معادلات الفتح والإغلاق والاتساع خلال الالتقاط لصورة فوتوغرافية ذات أهداف إنسانية.
التنوع والقيمة اللحظية المقتطعة من الماضي
تثير الفنانة الفوتوغرافية "سابين ويس" عناصر الالتقاط المباغتة لعدسة متمكنة زمنياً من التقاط اللحظة المناسبة ومن إيجاد التناغم والتآلف والتنوع والقيمة الجمالية المقتطعة معنوياً من الماضي وبمضمون اجتماعي. لتضفي على الصورة صفة المعاناة الإنسانية ومراحل الإنسان النفسية، تميل إلى احتضان لحظاته الخالدة المتشابهة زمنياً عبر التاريخ الإنساني، وبمعانٍ متعددة بصفاتها الفنية دون أن تخفي الجزئيات الأساسية لموضوعها ومفاهيمه المضمونية والأسلوبية لرؤية الواقع الإنساني بحقيقته المخففة من مرارة العيش وبؤس الحال عند أناس يمارسون ميولهم الطفولية ببراءة عشوائية ذات تفاصيل حياتية واقعية ضمن فوتوغرافيات أفراد مجتمعية بسطاء يميلون نحو اللعب وقد استفزوا عدستها على الالتقاط بعاطفة متزنة تتضاد وتتوافق مع المعنى للحفاظ على اكتمال المشهد الفوتوغرافي المؤدي إلى البحث عن القيمة الضوئية في التصوير الفوتوغرافي المؤدي إلى عدم التكرار في التفاصيل والابتعاد عن الحشو البصري وكأنها تصطاد عبر عدستها المواضيع المختلفة من كل مكان في العالم. إذ لا تكتفي "سابين ويس" باللقطة اللحظية بل تعتمد على إشباع اللقطة بالحركة المعاكسة، والتناقض الخطوطي والاهتمام بالأطر الفراغية المشحونة رياضياً بالأبعاد السيمترية، وضمن مواصفات تصويرية متقنة في الأداء والإخراج المترقب. لحالة من الحالات التي تريد الاحتفاظ بها في أرشيفها الفوتوغرافي الذي استطاعت من خلاله رسم جمالية ضوئية خاصة بها بعيداً عن الحقائق المصطنعة أو المركبة. لأنها من قلب الشوارع والأحياء الفقيرة المكتظة بالمواضيع الإنسانية التي تلاحقها عدسة "سابين ويس"، الفنانة الفوتوغرافية السويسرية.
اللحظة المتوقفة في المشهد الملتقط
تختزل المصورة الفوتوغرافية "سابين ويس" بؤرة الضوء برؤية محورية حركية تنبع من التعاطف والانفعالات الجمالية، المتعلقة بمواضيع اجتماعية، إنسانية بعفوية الزمن والمكان والإنسان المحتاج للمحبة، وفي صورة احتفظت بأزمانتها من خلال اللحظة المتوقفة في المشهد الملتقط بحسية لا متناهية، وغير محدودة فراغياً بالمعنى المرتبط بالشكل. بل ومستقلة بأركانها الجمالية غير المتساوية بين صورة وصورة، حتى من خلال المعايير التصويرية وفروقاتها الفوتوغرافية، والتناغم الضوئي بين الأسلوب والمضمون، والتخيل الذاتي للوضع الإنساني أو لموازين الحياة عند مجتمعات نامية أو لعامة الناس في مجتمعات مشابهة، وبفطرة اللحظة الفجائية المحسوسة في تصويرات "سابين ويس" الضوئية محتفظة بخاصية اللحظة ضمن الصورة ومكانها وتفاصيلها التعبيرية. لتبقى مؤرشفة بأسلوب واقعي لا يمكن التكرار فيه. لأنها تستولي على المشهد الفوتوغرافي بثوانٍ زمنية اقتنصتها من الفعل التصويري بأقل من ثانية. استطاعت من خلالها "سابين ويس" ترجمة الوضع الإنساني بكل أبعاده الذي تريد من خلاله ترك بصمة فوتوغرافية كتحقيق بصري مقروء حسياً، أو كنص ضوئي يختصر ألف كلمة قد يعجز عنها القلم، لما تحمله الصورة من براءة في موضوعها الذاتي الهادف إلى إبراز مفارقات الحياة بكل بساطتها دون الاعتماد على اصطناع اللحظة. بل بعفوية في كل جزء منها، وهذا المحسوس في تصوير فوتوغرافي استطاع إبراز وجه العدسة المتسعة في رؤاها، ومنحها قيمة بصرية مكتظة بتفاصيل العوالم التي تلاحقها عدسة "سابين ويس" باتزان مفاهيمي وسلوكي، وبجمالية ضوئية ذات مقاييس عالمية استطاعت من خلالها إيصال الرؤية بأقل التفاصيل، وبتنوع سينوغرافي مدروس جمالياً من كل النواحي المشهد الفوتوغرافي وأبعاد التصويرية، المقترنة مع الأبعاد الإنسانية ومفاهيم الحياة الطبيعية قدرتها على الحفاظ المباشر للإنسان ومفاهيمه بشكل عام.
الاختلاف في ذهنية الرائي عبر الزمن
صورة فوتوغرافية ذات بداية موضوعية زمنية تتكرر ملامحها عند الإنسان. لأنها توقفت ضمن عناصر اللحظة المناسبة مع العدسة داخل المكان وبجمالية أشخاص تتماثل في معالمهم بنية المجتمع الذي تروي قصصه برؤى مختلفة من حيث الاختلاف في الموضوعات المطروحة، ومن منظور إنساني جمالي فوتوغرافي مبني على حيوية الضوء واللحظة والتناسق الحركي، وسكونها ضمن الأطر الضوئية المتماثلة للسمو بالمعنى عبر صورة كشفت عن الواقع غير المرئي بالنسبة لرؤاها المغمورة بالضوء والظل والعتمة، وبنظرة تلامس الواقع الحياتي، برغبة إلى معالجة الظروف الاجتماعية المختلفة التي تلقي الضوء عليها بمحاكاة عدسة ضوئية ذات جرأة تصويرية مستمدة من المجتمعات المنفتحة بحرية البؤساء التي لا يمكن تخيلها واقعياً. لأنها ظاهرة حياتية تعيد نفسها في كل زمان ومكان وعبر أحياء لا قوانين لها وخالية من المتابعات الإنسانية، ومن إعادة بناء الإنسان، وبتواضع ضوئي تعبيري مؤكدة بذلك على قيمة المضمون وتساويه مع الشكل، وبتوازن رؤيوي لا قيود فيه إلا ضمن مقاييس الصورة واتزانها البنائي الخاص بجمالية الفوتوغراف، المعتمد على اختيار ما هو أسلوبي ومضموني، فهي اعتمدت على الحركة وتفاصيلها مع الاهتمام بالمعنى الإنساني.
قيمة التكافؤ بين الجمال والقبح
ما بين الجمال والقبح في التصوير الضوئي تبرز قيمة التكافؤ بين الجمال والقبح من خلال المعنى الإنساني، والتقمص الوجداني المتوحد مع الشخوص، خصوصاً في الصورة التي تحمل سعادة أطفال الشوارع بثيابهم الممزقة وأوضاعهم الاجتماعية المؤلمة، رغم ذلك هم يعيشون لحظاتهم بفرح ووئام دون تنافر أو تضاد في السلوك السلبي الذي يمكن اكتشافه أحياناً في صور أخرى تحمل في بواطنها رؤية حسية توحدت معها العدسة ما بين التعاطف والالتقاط السريع، وبأبعاد إنسانية بحتة مكتفية بعفوية اللحظة في تشكيل الصورة، ومنحها مصداقية واقع زمني أطل فوتوغرافياً بعناوين جمالية مزدانة بقيمة الإنسان ومعاناته الاجتماعية مع الاحتفاظ بالصفات المشتركة بين العدسة والمصور والشخوص في صورة فوتوغرافية تركت بصمتها عبر الزمن.
المصورة الفوتوغرافية "سابين ويس" (Sabine Weiss) السويسرية
ضحى عبد الرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
"برؤية أخرى سابين ويس" تُظهر في أعمالها التزامًا عميقًا بفهم وإبراز الواقع الإنساني من خلال عدستها. تتسم أعمالها بالتركيز على اللحظات العفوية التي تلتقط الحياة كما هي، مزيّنةً إياها بلمسات تعبيرية وجمالية تجسد تفاعلات البشر ومشاعرهم في إطارهم الطبيعي. في كل صورة، هناك اهتمام واضح بإظهار القيم الإنسانية والأبعاد النفسية للشخصيات المصورة، مما يضفي على العمل طابعاً إنسانياً عميقاً.
تستخدم "سابين ويس" تقنيات تصويرية تتميز بالدقة والاحترافية، مع الحفاظ على إحساس طبيعي وعفوي. تركز على مسافات الضوء وحركة الأشخاص بشكل يعكس جمالية الصورة ويعزز من إحساس الحركة والعمق. تعتمد على التباين بين الضوء والظل لتقديم صورة متوازنة، مما يساهم في تعزيز الإحساس بالواقعية والتجسيد الحي للموضوعات.
تمتاز أعمال "سابين ويس" بالتنوع البصري، حيث تقدم مجموعة متنوعة من المشاهد التي تبرز معانٍ جمالية متعددة. من خلال التباين بين الألوان والتفاصيل الدقيقة، تنجح في إبراز الجمال في اللحظات اليومية العادية. تقدم كل صورة كقطعة فنية متكاملة تعكس التنوع والتفرد في كل لحظة تلتقطها، مما يعزز من قيمة كل صورة كعمل فني قائم بذاته.
تؤثر الصور التي تلتقطها "سابين ويس" عاطفياً على المتلقي من خلال تصوير اللحظات الإنسانية بحساسية ورقة. تلتقط الصور أبعاداً متعددة من العواطف البشرية، مما يسمح للمتلقي بالتفاعل والتواصل مع الصور على مستوى شخصي وعاطفي. كل صورة تتجاوز كونها مجرد عمل فوتوغرافي لتصبح تجربة عاطفية بصرية تعكس عمق التجربة الإنسانية.
تُظهر أعمال "سابين ويس" إبداعًا واضحًا في كيفية تعبيرها عن الموضوعات الإنسانية من خلال التصوير الفوتوغرافي. يتجلى الابتكار في اختيار الزوايا، والإضاءة، وتكوين الصورة، مما يضيف بعدًا فنيًا وابتكاريًا لكل عمل. تنجح في تحويل المشاهد البسيطة إلى أعمال فنية تحمل رسائل قوية وتعبر عن تجربة إنسانية متكاملة.
تعتبر أعمال "سابين ويس" مرآة للتنوع الثقافي والاجتماعي، حيث تلتقط صوراً تعكس التباين والتنوع في حياة الناس من مختلف الخلفيات الاجتماعية. من خلال تصوير تفاصيل الحياة اليومية، تقدم صورة واقعية وموضوعية تعكس الواقع الاجتماعي بطريقة فنية بصرية، مما يعزز من قدرتها على نقل رسائل اجتماعية وإنسانية مهمة.
تنغمس "سابين ويس" في تجسيد التوازن بين الجمال والقبح، مما يبرز الأبعاد الإنسانية في كل صورة. تمكنت من إيجاد جمال في الأوضاع الصعبة والمشاهد غير المثالية، مما يعكس قدرة التصوير الفوتوغرافي على تقديم منظور إيجابي ومعقد للواقع الإنساني.
تقدم "سابين ويس" من خلال أعمالها تجربة بصرية غنية تجمع بين الجمالية والتعبير الإنساني، وتنجح في خلق أعمال تصويرية تتسم بالواقعية والعفوية، بينما تعكس عمق التجربة الإنسانية. تبرهن أعمالها على قدرتها في التفاعل مع المشاهد من خلال أبعاد فنية وجمالية مبتكرة، مما يجعل كل صورة لها عملًا فنيًا منفردًا ومؤثرًا.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com