صياغة درامية ذات تدرجات ضوئية تصل إلى الذروة فوتوغرافياً...

ضحى عبدالرؤوف المل

يترك إروين أولاف (Erwin Olaf) للضوء منافذه الخاصة بحدس تصويري ذي فراغ متزن يحتفظ من خلاله بالتأثيرات البصرية، متلاعباً بموازين الضوء عبر العدسة والعين الرياضية، ومفهوم درامي تعبيري يوحي بمضمون جمالي يحاكي به الإنسان وبيئته الاجتماعية والطبيعة بنموذجيتها التصويرية وسينوغرافيتها المعاصرة التي تجسد تناقضات الحياة بمستوياتها الفوتوغرافية المتوازنة بصرياً، مخترقاً المشاعر الإنسانية بمفهوم مفاهيمي حسي ووجداني ذي رؤية مشهدية منظمة تصويرياً، وبعدسة تهدف إلى لمس الجمال في كل شيء بسيط حولنا وجذاب بمؤثراته الفنية الجاذبة لعدسة ضوئية مرنة تعتمد على التضاد الضوئي، المقترن بالمفهوم الدرامي للصورة التي تتشكل بالمخيلة قبل خروجها إلى الضوء بشكل فني، وبمقاييس فوتوغرافية سلسة وأبعاد ثلاثية ساكنة حسياً بظلالها، متحركة بلونها الأبيض المشع بالعوامل النفسية التي تطغى على أغلب مواضيع "إروين أولاف" الفوتوغرافية.

صياغة درامية ذات تدرجات ضوئية تصل إلى الذروة فوتوغرافياً، ليظهر بعدها ثغرات الضوء الانعكاسية في الصورة، وبأسلوب متميز فيزيائياً وضمن انفعالات تصويرية يتخذ منها مقاييس الأبعاد بوعي حركي يرصد من خلاله المشاعر المترائية في الصورة، وكأنه يسجل صدى الضوء في الفراغ، وبين الأشياء المتروكة ضمن مفهومي التحاور والتجاور التصويري، المثير لموجات الضوء وتناغمها ضمن القاعات المغلقة، وبثنائية السكون والحركة، وقوة التلاعب بهما ضمن السرد البصري المتين الذي يقدمه فكرياً، وبمونولوجات تحاكي بعضها البعض بواقعية لا تخلو من فكرة سريالية وهمية في معطياتها التصويرية، المختزلة العناصر وبجدلية لا تخلو من استغراب فكري. إلا أنه يتغلغل داخل النفس الإنسانية ليظهر هواجسها بفن يميل نحو الحوارات البصرية المفتوحة والجريئة في بعضها. إنما يهدف من خلاله إلى استقراء الإنسان والأشياء وكل شيء ينبض بالوجود أو كل ما يشارك الإنسان وجوده.

مواضيع حياتية تتعلق بالداخل والخارج الإنساني، والمرتبط بذاتية المشهد الدرامي الراقي بصرياً، الذي يندرج تحت صفة الانعكاس الحسي الثلاثي الأبعاد الذي يتماشى مع قوة المكان، والقدرة على صياغته وحبكة الضوء التي يربطها مع الأشياء والحواجز الانعكاسية عليه التي تخلق تضاداً بين العين والعدسة، وانسجاماً فكرياً بين المكان والضوء والعين، تاركاً لليد ترجمة الفكرة تحت سلطة العين أولاً، ولكن بميزة السرد البصري المتماسك بعناصره الفنية المستوحاة من أبسط الأشياء، وبمحور فوتوغرافي يعتمد على اللون الأبيض الصافي في تموجاته المتحررة من الأبعاد والصياغة المقيدة، تاركاً للضوء الترجمة الفوتوغرافية الفعلية في تحديد الصورة بموضوعية وعاطفة انفعالية واعية في تجسيد الفكرة. لتخرج بقياساتها القوية وتأثيراتها النابعة من النفس العاشقة للضوء وللون الأبيض تحديداً. إذ يحافظ على المفردات الحسية الظاهرة في صوره الفوتوغرافية من حزن، وألم، وهدوء، واستغراب، ومازوشية، ومخاوف، وقلق، وبربط جدلي بين مفاهيم السكون والحركة، والفاتح والغامق، والضوء والعتمة، وحتى العنف والسلام، والجمال والقبح، ضمن موازين الحياة التي نراها غالباً في مشاهد لا نراها عن قرب إنما تجمعها العدسة الفوتوغرافية ببراعة تصويرية تلتزم بالمقاييس الفيزيائية للضوء وانعكاساته.

برؤية أخرى إروين أولاف، بفنه الفوتوغرافي، يقدّم تجربة بصرية غنية تتميز بقدرتها على جذب المشاهدين من خلال تلاعبه الدقيق بالضوء والظل. يتجلى هذا التلاعب في الصور التي تعتمد على تقنيات درامية وتدرجات ضوئية تصل إلى الذروة، مما يبرز الإبداع الفوتوغرافي الذي يتجاوز تقنيات التصوير التقليدية.

يُعتبر الضوء عنصرًا محوريًا في أعمال أولاف. فهو لا يقتصر على كونه مصدرًا للإضاءة فقط، بل يصبح جزءًا من التكوين الفني نفسه. يعمد أولاف إلى استخدام الضوء كأداة لتشكيل المشهد، من خلال خلق تباين بين الضوء والظل، مما يضفي عمقًا وتجسيمًا على الصورة. هذه التدرجات الضوئية لا تُحسن فقط من مظهر الصورة، بل تعزز أيضًا التعبير الدرامي والوجداني فيها، مما يسمح للمشاهد بالاندماج العاطفي مع العمل الفني.

في أعمال إروين أولاف، يظهر التوازن بين السكون والحركة كعنصر أساسي في تقديم جمالية الصورة. تُظهر الصور تباينًا واضحًا بين الثابت والمتحرك، حيث تسهم هذه الثنائية في خلق تأثير بصري ديناميكي يثير الانتباه. هذا التوازن يتجلى في الطريقة التي يتم بها تجسيد الأشكال والألوان، مما يعزز من جاذبية الصورة ويجعلها تنبض بالحياة.

تعكس أعمال أولاف البعد النفسي والوجداني من خلال استخدامه للألوان والأضواء بطرق تجعل المشاهد يتفاعل بشكل عاطفي مع الصورة. من خلال استخدام اللون الأبيض بشكل بارز، يخلق أولاف تأثيرات نفسية تعكس حالات من الهدوء، الحزن، والتأمل، مما يسهم في تعميق التجربة البصرية وتوفير مساحة للتفكير العميق.

الصور الفوتوغرافية لإروين أولاف تتميز بتقنيات تصويرية متقدمة، مثل استخدام الأبعاد الثلاثية والتلاعب بالضوء لتقديم صور ذات طابع مميز. تُظهر الأعمال قدرة فنية فائقة في استخدام الإضاءة والتظليل لخلق تأثيرات بصرية تجعل الصورة تتجاوز مجرد كونها تمثيلًا بصريًا، لتصبح تجربة بصرية مفعمة بالتفاصيل الدقيقة والتقنيات المتقدمة.

يُبرز أولاف في أعماله التفاعل بين العين والعدسة كعنصر حاسم في إنشاء الصورة. من خلال هذا التفاعل، يتمكن من نقل رؤيته الفنية بشكل دقيق إلى المشاهد، مما يعزز من قدرة الصورة على التأثير والتفاعل مع الجمهور. هذا التفاعل يعزز من فعالية الصورة في نقل الرسائل الفنية والجمالية التي يهدف أولاف إلى التعبير عنها.

تتجلى في أعمال أولاف عناصر من السريالية والتعبير الفني، حيث يسعى لدمج واقع الحياة اليومية مع عناصر خيالية تجسد تجارب وجدانية معقدة. هذا الدمج يعكس قدرة أولاف على استكشاف الأبعاد العميقة للتجربة الإنسانية وتقديمها بطريقة بصرية مبتكرة وساحرة.

يظهر الانسجام بين المكان والضوء في أعمال أولاف كعنصر أساسي في تقديم الصور. يتم تحقيق هذا الانسجام من خلال استخدام الضوء بطريقة تسلط الضوء على التفاصيل الدقيقة في البيئة المحيطة، مما يعزز من جماليات الصورة ويجعل المشاهد يشعر بالاندماج في المشهد الفوتوغرافي.

في المجمل، يجسد عمل إروين أولاف إتقانًا فنيًا عاليًا في استخدام الضوء والظل والألوان لإيصال رسالة بصرية ووجدانية معقدة. تساهم تقنياته المبتكرة وتفاصيله الدقيقة في تقديم تجربة فوتوغرافية تتجاوز المظاهر السطحية لتصل إلى أعماق التجربة الإنسانية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com