استعراض فني قتالي لمافيات القتل في فيلم "جون ويك"

ضحى عبدالرؤوف المل _ بيروت _ لبنان

هل يمتلك القاتل عناصر الرحمة والمحبة؟ سؤال لا بد أن تطرحه على نفسك بعد مشاهدة فيلم "جون ويك"، أو الرجل البعبع القاتل الذي وقع في حب امرأة تصاب بمرض خطير، وتموت تاركة له ذكرى منها، وهي كلب ليرافقه بعد موتها الذي أبكاه جداً. فهل يمكن هذا؟ وهل يمتلك القتلة قلوباً للحب؟ ما بين الاستعراض الراقص والاستعراض الحربي، فن يجمع كل منهما تحت راية الموضوع أو السيناريو الجيد القادر على منح المخرج رؤية فنية تتكامل فيها عناصر الفيلم مع الحفاظ على التناسب الموضوعي في المشاهد، من حيث قيمتها التصويرية والحركية الفعلية القادرة على اختراق حواس المشاهد من خلال المنطق الفني المقنع والمؤثر للأحداث المتتابعة، وفق قوة الحدث والانفعالات النفسية التي تصيب القاتل عند خسارة من يحبه. فهل للصداقة عنوان بين القتلة الذين فرقتهم الأقدار وجمعتهم الأهداف؟ لندرك أن عالم المافيات غريب في مفاهيمه العامة من خيانة ووفاء وإخلاص والتمسك بالحقوق والواجبات وعدم الإغراء بالمال للوقوف إلى جانب القوانين التي تمسك هذه المافيات أو بالأحرى البطاقة التعريفية للدخول إلى عالم الجريمة والقتل. وأهمية البطاقة التعريفية أيضاً للخروج من هذه الجماعات التي تتقيد بالقوانين الجماعية كدستور خاص لها يتم حفظه وجدانياً بين القتلة أنفسهم. إذ يمثل "لوسف" العنصر الخارج عن قانون الجماعة عندما استباح لنفسه قتل كلب "جون ويك" وسرقة سيارته التي ترمز له إلى المرأة التي أحبها بقوة ولهديتها التي تعلق بها بعد فقدانها. فهل استطاع صديق "جون ويك" الحفاظ على منهج المجموعة المرتبطة بعالم المافيات التي تشير إلى قوة الروس في تنظيم عالم القتل؟

فيلم استعراضي لفن قتالي يهدف إلى إبراز القوة وأهميتها في تحديد المصير، وبنظرة خاطئة إنسانياً، فالفيلم هدف فقط لإظهار قوة المافيات الروسية في التنظيم وكيفية وضع الثغرات التي تزيل المفاهيم الحياتية الهادفة إلى السلام. فمهما بلغت قوة شيء ما، لا بد من ثغرات تطيح بالرؤوس المتمكنة في العالم السفلي عالم المال والشر ونوازع النفس الشريرة. إلا أن فنياً استطاع المخرج إلقاء الضوء على الأداء القتالي المتمرس، فالنص الدرامي يهدف ببساطته إلى إظهار القوة مع ما يثير القاتل، في حين أنه يقتل بالآلاف، وبدم بارد دون التأثر بما يفعله أو لمنظر الدماء أو حتى لقتل صديقه القديم، لمجرد أن أحدهم تعرض له وجعله يفقد الكلب الذي هو عبارة عن هدية من زوجة محبوبة تفانى في حبها. فهل هذا تشويه في الرؤية الإنسانية للحفاظ على حقوق الحيوان وإظهار الرقة في قلب قاتل لا يرحم؟ أم أن الفيلم تجاري يعتمد على الأكشن أو قوة الإثارة مع تمكن مدير التصوير (Jonathan Sela) بإتقان الخدع التصويرية التي اعتمدت على التراكيب الضوئية، والمؤثرات مع الاهتمام بمؤثرات الصوت وانسجامها مع المشهد والحركة ليتكامل الفيلم فنياً؟ بينما النص الدرامي ما هو إلا قصة تعتمد على وفاة زوجة تترك هديتها لزوج أرادت أن تمنحه رفقة وفية تسببت بعودته إلى الماضي للانتقام من ابن صديقه الذي سرق السيارة وقتل الكلب.

نهاية الفيلم مغزاها أن الحيوان أكثر رفقاً من الإنسان، وهو الصديق الذي يخون والصديق المحافظ على روابط العيش دون التعرض لصاحبه بالأذى وقد يفديه بروحه، كما فعل صديق "جون ويك"، القناص الذي وقف قربه حتى النهاية، ومات بدون رحمة تحت تعذيب الصديق الذي امتلك المال وأراد الانتقام لابنه من "جون ويك"، لتتشابك الرؤية ضمن النص الدرامي أو التراجيدي القاسي في رؤياه الحياتية التي تضع عالم المافيات ضمن العوالم السفلية التي لا تنتمي إلى مفاهيم الحياة السليمة. فهل هذا الفيلم يخدم الرؤية الإنسانية بشكل عام؟ أم أنه اعتمد على تصوير المافيات الروسية بكل سلبياتها التي ينتصر عليها فرد توافقت مع رؤية إدارة الفندق التي تؤمن تغطية الأعمال الإجرامية بشكل دقيق وماهر؟ فهل يحاول المؤلف والمخرج تصوير مفاهيم شريعة الغاب والعودة إلى محاكمة الإنسان للإنسان وفساد المجتمعات الرأسمالية الكبرى؟

برؤية أخرى يعد فيلم "جون ويك" واحدًا من أبرز الأفلام التي تنتمي إلى فئة الأكشن، وقد اكتسب شهرة واسعة بفضل مشاهد القتال المذهلة والدراما المعقدة التي يقدمها. الفيلم من إخراج تشاد ستاهلسكي، وهو يتناول قصة شخصية قاتل محترف يُجسدها كيانو ريفز، حيث ينجرف في عالم من العنف والانتقام بعد مقتل كلبه، الذي كان آخر هدية من زوجته الراحلة.

تشاد ستاهلسكي، بفضل خلفيته في عالم الفنون القتالية، يجلب لمسة فريدة إلى الإخراج في "جون ويك". يبرز الفيلم من خلال تناغم مشاهد الأكشن مع السرد الدرامي، حيث يتم توظيف الحركات القتالية بشكل يتجاوز مجرد الاستعراض ليصبح جزءًا عضوياً من تطور الحبكة والشخصية. الأسلوب الإخراجي يعكس تقديراً عميقاً للفن القتالي، ويحرص على تقديم مشاهد قتال ذات تصميم مبتكر، مدعوماً بكادرات ديناميكية تلتقط الحركات بدقة، مما يخلق تجربة بصرية قوية وغامرة.

يقدم الفيلم سردًا قويًا يتناول موضوعات الانتقام، والخيانة، والتكفير عن الذنب. الشخصية الرئيسية، جون ويك، تتسم بالعمق والتعقيد؛ فهو قاتل محترف، لكنه في الوقت ذاته شخص يكتنفه الحزن والضعف بعد فقدان زوجته وحيوانه الأليف. الفيلم ينجح في تقديم تعاطف مع الشخصية، وذلك من خلال تسليط الضوء على إنسانيته في مواجهة القسوة والعنف الذي يتعرض له.

يتميز "جون ويك" بإخراج متقن ومهارة في توظيف العناصر السينمائية. الألوان والإضاءة تلعبان دورًا كبيرًا في خلق الأجواء الدرامية التي تميز الفيلم. التصوير السينمائي، بقيادة جوناثان سيلّا، يعزز من الانغماس في المشاهد من خلال تكوينات بصرية مثيرة وإيقاع سريع، مما يعكس التوتر والأدرينالين الذي يتدفق خلال مشاهد الأكشن.

الجماليات في "جون ويك" تتجسد في تنسيق الحركة والتصوير، حيث يتم التركيز على الجمال البصري للحركات القتالية وتصميم المواقع. البيئة الحضرية التي تدور فيها أحداث الفيلم تساهم في تعزيز الجمالية البصرية، حيث يتم الجمع بين مشاهد النيون والأضواء الساطعة لإنشاء عالم بصري غني ومعبر. المؤثرات البصرية والصوتية تدعم هذه الجمالية، مما يعزز من التجربة السينمائية.

تعبير الفيلم يتمثل في قدرته على نقل مشاعر الحزن والغضب من خلال لغة جسد الشخصية والتسلسل البصري. أداء كيانو ريفز يجسد الصراع الداخلي لجون ويك بفعالية، حيث يستخدم تعبيراته الجسدية وصوته لنقل عمق الألم الداخلي والتصميم القوي على الانتقام. الفيلم يعبر عن الصراع الإنساني من خلال مواجهة العنف بالمشاعر الإنسانية الأساسية مثل الحب والفقدان.

فيلم "جون ويك" هو تجربة سينمائية تتجاوز حدود الأكشن التقليدي، مقدماً سرداً درامياً قوياً، وتجربة بصرية مذهلة، وأداءً متميزاً. من خلال الإخراج المبدع والفني، ينجح الفيلم في تقديم تحليل معقد لعالم المافيات والانتقام، متجاوزاً الأبعاد السطحية ليعرض تعقيدات النفس البشرية في وجه الصراع والعنف.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com