أبجدية "جبر علوان" التشكيلية
ضحى عبدالرؤوف المل
تداعب المرأة مخيلة اللون في فرشاة الفنان "جبر علوان"، فتتناقض معها الألوان تبعًا للرؤية التي يجسدها ببانورامية شديدة الانسجام الحسي بين التفاصيل المدموجة بواقعية انطباعية، يمنحها من أحاسيسه المبطنَة ما يترك اللوحة مفتوحة على عدة تأويلات مرئية تنسجم مع المخيلة المتأثرة بما يطرحه "جبر علوان" استثنائيًّا للمرأة. فهل يحاول الفنان علوان إدراك سر كينونة المرأة من خلال اللون؟ أم أن أحاسيسه تفرض نفسها على واقعية الخطوط التي يستقرأها الرائي تبعًا لمرئيات يتلاعب بموازينها الحركية والساكنة؟
ترتبط الألوان في أعمال الفنان "جبر علوان" بالمعنى النفسي الغارق بالأسلوب الشغوف بالحركة، والتضاد، والسكون في ثلاثية تجسد هواجسه الحياتية التي يفتقد من خلالها للوطن وللمرأة، وفق معادلة فنية تمنح لوحاته علامات تعجب متعددة مرهونة بالتماثل ومفاهيم الغموض الحسي، المرتبط فنِّيًّا بخصائص نفسية ذات مدلولات تختلف أسسها وفضاءاتها السيمائية المرتهنة لزمكانية متحررة من ارتباطات الحركة، المتمثلة بخطوط اللون شدته وخفوته، وبلاغة المعنى التشكيلي المؤطر بأسلوبه وحبكته الموضوعية والسينوغرافية، المقروءة عبر الكثافة والشفافية. إذ يبلغ التضاد ذروته عند الفنان "جبر علوان" بتلقائية ترتكز على المخزون الفكري في وجدانيته الغنية بالحس المرهف، والعقلانية ضمن ازدواجية الرؤية وأبعادها الرومانسية ذات البساطة والتعقيد. فالسهل الممتنع التي تتمتع بها فرشاة علوان هي العمق المرئي الذي يحقق التوازن بين الشكل واللون، والضوء، والظل، والتفتيح المعتمد على مقدرة البصر في استقراء الحركة والسكون، والتلاعب بهما في أجواء شعورية شبه مسرحية مركبة مشهديًّا بحيث تصبح قادرة على خلق حوارات داخلية تحقق بمدلولاتها إثارة الدهشة عند المتلقي.
معايير متوازية ومصطلحات تشكيلية تنسجم مع رؤيته المؤدية إلى خلق معاني إيحائية توحي بالعديد من التحليلات المتعلقة برموز اللون وتضاده، وبترميز يستجيب لعموميات المعاني التي يتركها كشيفرات بصرية تؤدي دورها في خلق التساؤلات الفنية التي يستخلصها من الحدث الموحي للوحة، وبنظام منهجي داخلي دقيق في مساراته المعقدة أحيانًا من حيث المنظور المتلائم مع المحاور الوهمية التي يبني عليها "جبر علوان" لوحاته ولغتها السردية ذات الإيجاز اللوني الدقيق في رمزيته الحسية، المبطنة في رؤاها المتصلة بالمعنى المزدوج للمفردة التشكيلية، المتمسك بها جبر والمضغوطة انعكاسيًّا. إذ تبدو التعبيرات المرسومة من خلال شخوصه مرسومة بتمثيل فني دقيق في إظهار الانفعالات ببلاغة فنية، يضلل من خلالها العين، ويمنحها تحليلات بصرية خاصة ينجذب نحوها بغموض يرتبط بالمخيلة وشدة تأثيرها على المعنى الفني.
مؤثرات ضوئية تتضح بين زوايا الظل والألوان الداكنة، لينتقد مفاهيم المجرد والمحسوس من جهة، ويتآخى معها من جهة أخرى. فما بين المفاهيم التشكيلية يمزج "جبر علوان" ألوانه الخاضعة لمزاجه ذات الإلهام الانفعالي، والإيقاعي، موظفًا دلالاته المستبطنة في إثارة وجدانيات الرائي، بمهارة تتطابق تعبيرًا مع الواقع، وبكلاسيكية حاذقة في تعاطيها مع اللون وفق مفهوم معاصر في تطلعاته الفنية. إن أبجدية "جبر علوان" التشكيلية تتماهي مع تلاشي اللون ومدلولاته البصرية، والأفلاطونية في رؤيتها الدالة على ميزة يستخلصها من الوجود اللوني ومستوياته التعبيرية، المتوازنة مع معاني اللون وقوة انسجامه مع الآخر أو التضاد الذي يرمز له من خلال المرأة وقوة حضورها في لوحاته المشهدية القلقة داخليًّا، والمختزلة شعوريًّا لتحافظ على وجدانية اللون وقوة تأثيره من حيث فضاءات اللوحة، وقوة البناء الحسي الذي يتركنا في حالة تذوق حيوي يدفعنا إلى المزيد من الاستكشاف للخطوط المقروءة وغير المقروءة وبعمق يتعلق بميزة كل منهما ودلالاته.
برؤية أخرى الإيقاع البصري هو مفهوم يشير إلى تكرار وتنوع العناصر البصرية في العمل الفني، مما يخلق إحساسًا بالحركة والتوازن والتغيير. في أعمال "جبر علوان"، يتجلى الإيقاع البصري من خلال الاستخدام المبتكر للألوان والأشكال والخطوط. إذ يتميز عمل علوان بتكرار العناصر البصرية بشكل يعزز الإيقاع البصري، سواء من خلال الألوان أو الأشكال. هذا التكرار لا يقتصر على الظهور المتكرر للعناصر، بل يشمل أيضًا التباين بين الألوان والأنسجة، مما يخلق تناغمًا ديناميكيًّا بين الحركة والسكون.
يحقق علوان توازنًا بصريًّا دقيقًا بين العناصر المتضادة، مثل الضوء والظل، والحركة والسكون. هذا التوازن يسهم في خلق إيقاع بصري متناغم يجذب العين ويجعلها تتنقل بسلاسة عبر اللوحة.فمن الناحية الموضوعية، تعكس أعمال جبر علوان تجربة إنسانية عميقة تتعلق بالمرأة، والوجود، والحركة.
المرأة كمحور: المرأة تظل محورًا رئيسيًّا في أعمال علوان، حيث تسهم في استكشاف موضوعات مثل الجمال، والضعف، والقوة. من خلال التعامل مع المرأة كموضوع فني، يطرح علوان أسئلة حول كينونتها ووجودها من خلال اللون والحركة.
يستخدم علوان الألوان ليس فقط للتعبير عن الجمال البصري، ولكن أيضًا كأداة للتعبير عن المعاني النفسية والعاطفية. الألوان تتغير وتتداخل بشكل يعكس تنوع المشاعر والتجارب التي يمر بها الفنان.النفسية والرمزية في أعمال علوان تعكس تعقيدات الشعور والوجود.
تعكس الألوان والخطوط في أعمال علوان رموزًا نفسية تعبر عن الأحاسيس الداخلية والتجارب الشخصية. الرمزية في أعماله تتجاوز المظاهر السطحية لتغوص في أعماق النفس الإنسانية وتكشف عن هواجس الفنان وصراعاته الداخلية. يخلق علوان توترًا بصريًّا من خلال التباين بين الألوان والأنسجة، مما يعكس التوترات النفسية التي يختبرها. في الوقت نفسه، يسعى لتحقيق التوازن بين هذه التوترات، مما يعكس سعيه لتحقيق التناغم الداخلي.
علوان يتجنب التقاليد الفنية التقليدية ويستكشف أساليب جديدة للتعبير عن رؤيته. ابتكاره يتجلى في استخدام الألوان بطرق غير تقليدية، وتجريب تقنيات مختلفة لخلق تأثيرات بصرية غير متوقعة. الجمال في أعمال علوان ليس محصورًا في المظهر البصري فقط، بل يمتد ليشمل الأبعاد العاطفية والنفسية. الألوان والتفاصيل تتفاعل بشكل يخلق تجربة جمالية غنية ومعقدة.
التعبير البصري في أعمال علوان يظهر من خلال الطريقة التي يتعامل بها مع العناصر البصرية:
الحركة والتفاعل: الإيقاع البصري في أعماله يعكس حركة وتفاعل مستمر بين الألوان والخطوط. هذا التفاعل يخلق شعورًا بالحيوية والحركة، مما يجعل اللوحة تنبض بالحياة.
الإيقاع كوسيلة تعبير: الإيقاع البصري يستخدم كوسيلة للتعبير عن مشاعر وأفكار الفنان. من خلال التلاعب بالإيقاع، يتمكن علوان من نقل تجاربه الشخصية وعواطفه بشكل مؤثر وجمالي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com