تعدد الألوان والأشكال المكسوة بلغة الفنان "جان مارك نحاس" الخاصة
ضحى عبدالرؤوف المل
يثير اللون الحبر في معرضه الممتلئ بالحركة والحوارات المفتوحة على لغة تميز بها فنياً، من حيث الخصائص الفنية التي تتشكل تبعاً للذاكرة، وللرموز التي يتركها للبصر ضمن مجموعات متداخلة في مفاهيمها المتمثلة برسومات عبثية، يروي من خلالها قصصه الواقعية المتخيلة ضمن الفضاءات الرؤيوية بدلالتها الحركية ذات الخطوط العشوائية في اتجاهاتها. لتتكون رسوماته الساخرة والعميقة من سلسلة تاريخية تحكي للإنسانية تفاصيل حضاراتها الشرسة، والأجواء الشعورية المرافقة لمعرضه هذا الذي فصل فيه رسوماته، وتركها ضمن لوحات تحت عنوان "Chaos"، لتظهر بنية الشكل بجمالية ذات مستويات تكوينية مختلفة مع الحفاظ على الأبعاد، ومرونة الشكل والمتغيرات التي طرأت على الوجه في لوحة خاصة لعب فيها مع الألوان على الوجه الإنساني، بمنطق تعدد الألوان والأشكال المكسوة بلغة الفنان "جان مارك نحاس" الخاصة.
لم يتخل "جان مارك نحاس" عن بانورامية الأشكال المرسومة، إنما ترك انطباعاته الهادئة عبر الخلفية التي تعكس قيمة الأشكال المحاكية للخيال، بواقع ينساق مع الأفعال المرئية بديناميكية الحبر الذي يستفز به شخوصه، كنماذج كرتونية دقيقة في ملامحها الفنتازية التي تتماشى مع مخزونه النفسي، المتمثل بالهيمنة المجازية على التعابير المشحونة بالانفعالات التي يصورها بسيمائية كاريكاتورية ذات منحى تشكيلي يحتضن المعاني، كشريط ذكريات يمر بصرياً أمام الرائي، بحس فني يدفع إلى فهم المغزى الذي يريد إيصال "جان" إلى الذهن عبر الحركة، والأبعاد وبطمس مَبطن لمعالم الحياة التي يشكلها كيفما شاء في رسوماته الغارقة بمصطلحات تجردت من التواريخ، وتركت للأمكنة والأزمنة مداراتها المستقلة عن اللوحة.
هزليات تشكيلية صنفها كاريكاتورياً وفق أفكاره التي تراود الحبر في خلق شخوص تفارق الزمن، وتتشكل إيحائياً مع المعنى التعبيري، المحصور تمثيلياً بالحركة والوجوه، واختزانه كثافة الحبر واللون المضاف إلى الأجناس التشكيلية التي يتلاعب بها وفق افتتانه بمادة الحبر، وبالخطوط العريضة والرفيعة دون التقيد بالمقاييس والمعايير الأكاديمية، إنما بخبرة بصرية تتساوى في ملاءمتها الحدث النابع من الواقع، كالذئاب والخنجر والوجوه المتنوعة في فرحها وترحها، ورؤيتها للغة القتل التي يصورها من فعل الإنسانية بشكل عام.
لحظات تاريخية محسوسة تعيدنا إلى زمن الملوك والفرسان، والحكايا الشعبية المتنافرة في معطياتها الفنية التي تحقق في وظائفها الرؤية الحياتية التي نستخلص منها العبرة، وبمزاجية تتجاوز بمقارباتها المقولات الكلاسيكية التي تعلمناها من كلاسيكية العصور القديمة، التي نراها تتشكل أمامنا في الحياة وفق الأحداث الدموية المتأثر بها "جان مارك نحاس" بحس تراجيدي أو ملحمي، ولغة تصويرية يتقاسم معها أحاسيسه العميقة بمعاني ازدواجية في تصوراته التشكيلية المعكوسة تخيلياً على الواقع، ليصقلها فنياً مع ائتلاف الصور بتوازن فني كخيال يرسم صورة ذهنية ببلاغة الحبر والأسلوب الشديد الارتباط مع معنى العنف وحقوق الإنسان، والحضارات الإنسانية وتاريخها الأسود المرتبط بالتصوير القصصي عبر رسومات تؤرخ لحكايا الإنسان من خلال الدراما التصويرية التي يقدمها "جان مارك نحاس" في لوحاته التي تمنح الرائي جوهر الحقيقة الإنسانية بمعاني الخير والشر، والجمال والقبح، والسلوكيات التي لا معنى لها في الحياة.
يدرك الذهن قيمة الرسومات التي يراها تباعاً حين تقوده المعاني إلى المغزى الفني الذي يوجهه الفنان من خلال اللوحة إلى العقل والوجدان. فتكتمل وظيفة الفن نسبياً عند التقاط الإشارات من رسومات تهدف بصرخات حبرها والألوان إلى رؤية الإنسان في تجسيده المتناقض، لسلوكيات همجية أو ذئبية، كما يرسمها "جان مارك نحاس" بعقائدية ساخرة من المجتمعات النامية تحديداً، ومن الإنسان المكبل بالمفاهيم التي تدفعه إلى الاقتتال سعياً وراء وجوده المتمثل بيقينيات يراها ساخرة مبنية على العلاقات المتشابكة وعلى العصور المتسلسلة، المترابطة مع كل زمن مجهول تركه بين شخوصه المرسومة في فضاءات لوحات، لو تأملناها لادركنا أن مجموعة الخطوط المتنافرة مع اللون هي خطوط حبر أفلت من الكبت نحو عشوائية اللغة الفنية، الباحثة عن رسالة إنسانية ترفض الحروب ولغة القتل.
برؤية أخرى الإيقاع البصري هو عنصر حيوي في أي عمل فني، يساهم في توجيه نظرة المتلقي ويعكس الحالة النفسية للشخصية الفنية. يتجلى الإيقاع البصري في استخدام الألوان، الأشكال، والخطوط، مما يؤدي إلى خلق تجربة حسية متعددة الأبعاد. إذ تتعدد الألوان في أعمال "جان مارك نحاس"، حيث تتراوح بين الألوان الجريئة والزاهية التي تثير الانفعال، إلى الألوان الداكنة التي تحمل طابعاً درامياً. هذا التنوع اللوني يعكس تناقضات الحياة، ويدعو المتلقي لاستكشاف عمق المشاعر التي تثيرها هذه الألوان. كل لون يحمل دلالات معينة، فاللون الأحمر قد يوحي بالعنف والشغف، بينما الأزرق قد يعكس الهدوء أو الوحدة.
تظهر الأشكال في أعمال نحاس بشكل غير تقليدي، حيث تتداخل وتتشابك في إيقاع ديناميكي. هذه الحركة تخلق شعوراً بالاندفاع والحيوية، مما يعكس تعبيرات إنسانية معقدة. الأشكال قد تبدو أحياناً مشوهة أو غير متجانسة، مما يبرز الصراع الداخلي الذي يعيشه الفرد في سياق الحياة المعاصرة. تستخدم الخطوط في لوحات نحاس لتحديد الإيقاع البصري. الخطوط العريضة تضفي طابعاً قوياً، بينما الخطوط الرفيعة تنقل دقة التفاصيل. هذا التباين يعكس المشاعر المتباينة، ويدعو المتلقي للتفاعل مع العمل الفني على مستويات مختلفة. الحركة غير المنتظمة للخطوط تشير إلى عدم الاستقرار، مما يعكس حالة نفسية معقدة. تحتوي أعمال "جان مارك نحاس" على رموز متعددة، تحمل دلالات عميقة. هذه الرموز تتطلب من المتلقي أن ينغمس في محاولة فهم المعاني الخفية، مما يؤدي إلى تجربة جمالية فريدة. الرموز تسلط الضوء على قضايا اجتماعية وإنسانية، مما يجعل الأعمال تتجاوز حدود الشكل إلى قضايا وجودية أعمق.
تتطلب اللوحات تفاعل المتلقي على مستوى نفسي، حيث تثير مشاعر الحزن، الأمل، أو حتى الغضب. يُحدث الإيقاع البصري حالة من الوعي الذاتي، مما يدفع المتلقي إلى التفكير في مشاعره وتجربته الشخصية. هذه الديناميكية تخلق رابطاً بين العمل الفني والجمهور، مما يعزز التجربة الجمالية.
إن أعمال "جان مارك نحاس" تمثل تجسيداً للفن التعبيري الذي يعكس الإيقاع البصري بعمق. من خلال الألوان، الأشكال، الخطوط، والرموز، يخلق نحاس تجربة بصرية مفعمة بالتوتر والانفعالات. هذا التداخل بين العناصر الفنية يعكس الصراعات الإنسانية ويعزز الفهم الجمالي للفن كوسيلة للتعبير عن الذات والحياة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com