بارانويا الحبر الأسود على حائط الهوى
ضحى عبدالرؤوف المل
تبرز بارانويا الحبر الأسود على حائط الهوى بعقلانية. تصور الأحداث اليومية أو التاريخية أو الحياتية بفن واعٍ، وخلاق من خلال قدرة تقنية تحاكي الذاكرة، وتهرب من الواقع لتنطلق زمنيًا نحو الأبيض والأسود، كشريط ذكريات يروي الروايات ويسرد للتاريخ تكراره الزمني من خلال رسومات تجسد الذات، والآخر، والمجتمع، وربما تسخر من الحروب والاغتصابات، والانتهاكات، وتحقيق الذات والصراعات. وكل حدث يقع بسبب الأنانية والجشع والأطماع السياسية، وكل أمر يسبب إزالة الجمال من الحياة.
طفل يشاكس قلم الحبر الأسود كتعبير عن رفض اجتماعي لكل ما حدث تاريخيًا ويحدث الآن. يرمي باللون الأسود كما يرمي اللون الأبيض ليقف بحيادية رمادية تجعله متعاطفًا مع المرأة العربية أو الريفية بشكل خاص، لكنه فنان البصمة الخاصة. فالوجوه الكثيفة وبأعداد هائلة، بعضها ملكي أسطوري، وكأنه خرج من تراث روسي أو حكايات ألف ليلة وليلة، وبعضها خرج من قمقم الحروب خائفًا، كبربري تتري مغولي. ما زال يمسك بالخناجر والسكاكين، لكن في أعماله ميزة عين تلتقط بسرعة بصمة الوجوه. فلا تجد في أعماله تلك التفاصيل التي تجعلك تشعر بالشبه، وكأن شخوصه زمنية حاضرة من الماضي حتى المستقبل، بل هو يرسم دهشته من بشرية لا تهتم إلا بالتسلط والقوة، وتنسى الأبيض والتسامح والغفران واللون الآخر.
سرد، ثرثرة، حكاية، دينامية حبر أسود يتشكل كفيلم كرتوني. لو سحبناه بسرعة لرأينا الحركة المذهلة في رسوماته الجامدة شكلًا، والتعبيرية حركيًا، تاركًا نفسه كالحبر الأسود في عظمة تحقق الإبداع. فتراه في كل رسوماته يتقمص الأدوار المختلفة، والمتناقضة؛ تارة هو ذئب قد ينقض عليك، وقد يرضخ متأثرًا من مسحة فرشاة مغطسة بلون أبيض، وتارة هو الوجه الضاحك الساخر من كل حركة يستطيع فهمها بعمق نفسي يجعله يميل إلى العزلة أو يهرب لعالمه الذاتي الموجود فيه، لأنك تشعر أن "جان مارك نحاس" في داخل صوره وغير موجود في الحياة الخارجية، بل هو في الداخل دائمًا، وربما هو من يركب الزورق وينطلق صاروخيًا نحو المجهول في بحر المخاوف والجرأة وإثبات الذات.
تسير في معرضه بصريًا، فلا تشعر بوقع الخطى بل بصوت فرشاة تعزف سمفونية العتمة الواثقة من نفسها، وبحنين القلم لعزف يشبه حفيف طبيعة تنفث الهواء الرقراق على وجوه تتألم، تعبس، تضحك، تصحو، تغفو، تأكل، تموت، تحيا، تولد، وتنشط مع غراب متشائم أو كلب شرس بدون طوق يمسك به صاحبه، أو ذئب يكشر عن أنيابه ويمزق أجساد الأحياء. فالعيون بيضاء دائرية أحيانًا، والأنوف مثلثات فارغة تفتقد لحاسة من حواس إنسانية لا تشم رائحة الدماء، كوجوه لا ترى! لا تسمع! لا تتكلم! تسكت عن الحقوق الإنسانية، وتكمل الحياة بسلبية معتمة، فهو لا يريد للذكريات أن تفارقه ولا يتمنى الولادة من جديد، إنما يتمنى الرحيل بقارب بحري بسرعة ضوئية زمنية تشبه انطلاقته، انطلاقة صاروخ فضائي تركه في ثنايا خطوطه السميكة، وزركشاته المتعرجة وغرفته الفارغة الشبيهة بزنزانة ملأها بلون أزرق، وبكل ضوء يبعده عن العتمة. كرسي! طاولة! بساط من رسومات يعيش معها، ورسومات افترشها هي مشهد متراكم في ذاكرة تفتقد لحنان امرأة قروية كريمة المشاعر والعطاء.
"جان مارك نحاس" وجنون عظمة اقترنت ببارانويا حبر يضعنا أمام عناصر حياتية بسيطة ملونة أحيانًا خلفياتها بلون السماء أو لون الدماء، وهواجس نفسية وكاريكاتوريات تنشط حركيًا مع حركتك الذهنية، وتسكن مع سكونك الحركي، وكأن كل شيء في المعرض مرتبط بك داخليًا وخارجيًا، وبسطوة لون انفعالي يمتلك كل شحناتك السلبية ويترجمها إلى أفعال حركية تتغلغل في شخوص رسمها بدقة بصرية إيحائية. تكسر صمت الورق والجدران المغلقة، والفن التعبيري الشائك عن إنسانية تستحق الوجود، فالتنوع في رسوماته السريعة ما هو إلا همومه وهواجسه نحو إنسانية تدعو لحفظ حقوق الإنسان، وتحقيق السلام لامرأة هي وطن وأم، وأخت، وحبيبة، ونصف مجتمع مبني على العاطفة والمحبة، فلماذا الظلام واللون الأسود؟...
مرح تعبيري مقصود، وحركة تتحرر من قيود اللون الأسود في الغرفة الفارغة، لتذكرك بكل قديم انتزعته الحداثة بألوانها، وتفاصيلها الأساسية المبنية زمانيًا على أحداث ما قبلها، فهل يعاني "جان مارك نحاس" من نقطة العودة إلى الذات، ويخاف من ذئب غافٍ ما زال يتواجد في رسوماته متمتعًا بقساوة؟ ربما هي ردة فعل خوف من كل ما حوله؟ أم هو القلم الأسود القادر على منح السلام بصريًا؟ أو عودة الحرب على حائط هوى ترك عليه الوجوه التي يفتقدها؟ أم هي أوهام تجعلنا نستمتع بتاريخ بشرية حافل بالحروب، والانتهاكات من أيام المماليك والتتر والمغول حتى الآن؟
يسيطر "جان مارك نحاس" على جنون الحبر الأسود، وعظمة جاذبيته المختلطة مع فراغات تحاكي الخيال بحركية يد لها سطوتها على سماكة الخط ورقته، وقوته القادرة على تشكيل وجوه زركشها بشتى التفاصيل القادرة على الانسجام مع المتلقي. فهو يخلق مرئيات تصويرية، كفيلم وثائقي يهدف من خلاله إلى عرض تاريخي يتمنى تصحيحه، كما يصحح أي خطأ يصدر عن يده حين تلامس عاطفة يصورها في وجه امرأة ربطت على رأسها منديلًا قديمًا، لهذا هو غالبًا يضعها ضمن كتلة كاملة لا تحتاج لأي شيء آخر معها، وكأنه يمسك بآلة تصوير فوتوغرافية قديمة جدًا ويلتقط صوره بسرعة تقنية ليخلق دهشة يراها في عيون المتلقي.
ينشئ "جان مارك نحاس" كائناته من واقع متخيل حر. يخرج من ذكريات حكائية كشف عنها ليتم تغييرها بعد أن رسم معالمها بالأسود الصارخ المجرد من الألوان غالبًا، كي يوائم بين الواقع والخيال، وبين الدهشة التي يريد التقاطها من الوجوه، ليؤثر تعبيريًا على المستوى السردي والنثري، والرؤيوي المتكرر ظاهريًا والمختلف باطنياً، لكنه يهدف لإثارة الغموض، وليمارس لعبة الاختباء على حائط الهوى.
برؤية أخرى تناولت تجربة الفنان "جان مارك نحاس" وعمله الفني الذي يجسد الصراعات الإنسانية، والذاكرة، والتاريخ. يتناول قضايا الحروب والاغتصابات والانتهاكات التي يتعرض لها المجتمع، مما يعكس واقعًا اجتماعيًا مؤلمًا. من خلال طفل يشاكس قلم الحبر الأسود، يظهر التحدي والمقاومة ضد ما هو سائد.
الإيقاع البصري في النص يتجلى من خلال استخدام الألوان، حيث يتنقل بين الأسود والأبيض، مما يعكس تباين المشاعر والصراعات الداخلية. الحبر الأسود يمثل الشقاء والمعاناة، بينما الأبيض يرمز إلى الأمل والتسامح. هذه الألوان تخلق إيقاعًا بصريًا يعبر عن الانفعالات المتناقضة في الأعمال الفنية.
النص يعتمد على أسلوب سردي يعكس تدفق الأفكار والمشاعر، مما يُشعر القارئ وكأنه يتجول في معرض فني. الصور البلاغية والكلمات القوية تساهم في نقل التجربة الفنية بشكل مكثف، حيث تشعر كأنك ترى الألوان وتسمع الأصوات. التعبير عن المشاعر الإنسانية من خلال الأشكال والوجوه يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الإنسان.
التعبير عن الصراعات النفسية واضح في تناقضات الشخصيات في الرسومات. يظهر القلق والخوف في الوجوه، وهو ما يتجلى في الملامح القاسية التي تتسم بها الشخصيات. تعكس هذه الشخصيات صراعات داخلية وتوترات نفسية، مما يعكس تأثير الظروف الاجتماعية والسياسية على النفس البشرية.
الجمال في أعمال "جان مارك نحاس" ليس جمالاً تقليديًا، بل هو جمال معقد يتطلب تأملًا عميقًا. التباين بين الأشكال والألوان، واستخدام الخطوط السميكة والرفيعة يخلق تناغمًا بصريًا يعكس الحياة نفسها. الجمال هنا يكمن في التعبير عن الألم والأمل في آن واحد، مما يجعل المشاهد يتفاعل بشكل قوي مع الأعمال.
العمل الفني لـ "جان مارك نحاس" يُعبر عن عمق الصراع الإنساني من خلال إيقاع بصري متنوع يجمع بين الألوان، الأشكال، والمشاعر. النص يعكس تجربة فنية جمالية تتجاوز الشكل الخارجي، لتتعمق في جوهر الإنسان وتاريخه. هذه الأعمال ليست مجرد رسومات، بل هي تأملات في الحياة، تحمل في طياتها دعوات للوعي والتغيير.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com