من أجل الحظ الجيد في فيلم "كيناو" (Kenau)

ضحى عبدالرؤوف المل - بيروت - لبنان

"كيناو" هي امرأة لم تمحو الصلابة منها أنوثتها أو أمومتها التي تفيض بالحب، فهي التي ترمي بنفسها في البحر لتنقذ الشاب الذي وقع إثر ضربة على رأسه من رجل متعجرف هاجمته "كيناو" لتقف في وجه كل استبداد معلنةً أن "الثورة فكرة حمقاء". امرأة تعمل في صنع السفن، تعيش مع ابنتيها في مدينة "هارلم" خلال حرب الثمانين عامًا، أثناء الحصار الإسباني على المدينة التي ترفض بداية الحرب، ولكنها تقف في مواجهة الأخطار التي تتعرض لها المدينة مع "كيناو" وابنتيها مخافة أن تخسر وطنها وابنتها الثانية بعد موت ابنتها الكبرى بسبب قرارات الكنيسة التعسفية بحقها. فتؤلف جيشًا من النساء لصد الحصار الإسباني على مدينة "هارلم"، وتستطيع مجابهتهم بقوة. إلا أن المدينة الصغيرة تسقط بعد أشهر عديدة، لتترك "كيناو" المدينة بعد هرب ابنتها الصغرى مع الرجل الذي وافقت على علاقتهما لتأمين ابنتها وهي بحماية رجل أحبها، ولكنها لم تنس مقتل الكبرى في نهاية مفتوحة نحو الحب والتسامح. إذ رمى بها الأعداء في بحيرة تغوص فيها سابحةً نحو الأعماق. فالملحمة التاريخية التي قام بكتابتها كل من السيناريست "كارين هولست" و"مارني بلوك" بأسلوب حواري مقتبس عن كتاب (Plankenau) الذي يتحدث عن أسطورة ملحمية لامرأة تحارب الإسبان دون إيمان منها بالحرب. إلا أن حصار المدينة أجبرها على تأليف جيش من النساء لمساعدة الرجال في الدفاع عن "هارلم".

خيانة محافظ المدينة، وموت ابنتها الكبرى من الأسباب التي جعلتها تقف في وجه الإسبان لحماية المدينة، وهذا يُظهر قوة وشجاعة المرأة التي لا تنسى، وهي في أوج الحرب، مشاعر الأمومة أو مشاعر المحبة للعمال الذين يعملون معها في صناعة السفن، لتدافع عنهم بشراسة وكرامة حتى الموت بميزة امرأة تعكس شخصيتها الخارجية على من تتعامل معهم بقسوة. إلا أنها عاطفية من الداخل وتخفي مشاعرها لتقاوم قساوة الحياة التي فرضت نفسها أثناء الحرب، فتشكل جيشها من النساء وتتخذ قراراتها الناجعة من رفض الحرب رغم خوضها للدفاع عن كرامة شعب. فالحب بينها وبين ابنتها شبيه بالحب بينها وبين الوطن، لأنها تدرك أن هذه الأرض التي عاشت عليها لا يمكن أن تغادرها باستسلام، فتقرر المواجهة. إذ تبدأ التناقضات بين الحب، والحرب، والحزن، والفرح، والقتال، والاستسلام، وما إلى ذلك من معاني توازن معها الفيلم. كما استطاعت المشاهد إتقان غزل كل مشهد بجمالية جعلتنا نرى ملحمة الحرب الإسبانية.

فيلم من إخراج "مارتن ترونيت" (Maarten Treurniet) برؤية ذات تقنية معاصرة ومؤثرات حافظت على نكهة الزمن الذي يعود إلى عام 1572 والأجواء القديمة بلغة الإخراج المتقن، والتصوير المتعدد الزوايا بواقعية مبنية على جمع المشهد بأسلوب يحاكي بمؤثراته البصرية وجدانية المشاهد التي تكتمل مع اللباس، والديكور، والألوان المتوازنة مع زمنية الفيلم بتعتيق يضعنا داخل المشهد. لنعايش تفاصيله مع قدرات تمثيلية أتقنت "مونيك أندريكس" (Monic Hendrickx) تقمصه برغم صعوبة الدور على امرأة تضبط مشاعرها كقائدة تقود سفنها التي يتم تصنيعها وبيعها قبل بداية الحرب بصرامة تأثرت بها بناتها "بارري أستما" (Barry Atsma) و"ليزا سمت" (Lisa Smit) لنشهد على قدرات المرأة القادرة على تخطي الذات بموضوعية تدير بها مدينة مع جيشها، وهي تدرك في الصميم أن خسارة الحرب أمام جيش كبير لا بد منها، ولكنها أرادت تأخير الإسبان لمنعهم من الوصول إلى المدينة الكبرى، ريثما يتم تهريب خبير المتفجرات إلى المدينة الكبرى لتحضيرهم للحرب وقد نجحت في ذلك.

دراما ملحمية ذات بعد رومانسي وحرب قسرية تمثل التاريخ، لحرب فرضت نفسها في زمن لم يبحث فيه الإنسان إلا على العيش بسلام، فالرؤية التاريخية ساعدت على حبك الموضوع الدرامي بروحية عصر قرأنا عنه تاريخيًا، وشاهدناه بمنطق المخرج والمؤلف والكادر التمثيلي الذي نجح بدينامية تآلفت عناصرها الفنية مع بعضها، لنشعر كأنه فيلم حميم في قصته وتعاطفه مع المرأة وقوة رؤيتها حين تتحدى نفسها، وتهب للدفاع عن بناتها وأرضها ووطنها، بعد أن لمست الخيانة الوطنية من محافظ المدينة وحتى فيما بعد زوجته التي ساعدتها ومن ثم استسلمت لقائد الحرب الذي أرادت هزيمته مع "كيناو"، تلك المرأة الوجودية بقوتها المصطنعة ولكنها أيضًا القادرة على تحقيق ما تريد، لأنها لم تستطع أن تأخذ من الحياة ما تريد ضمن نطاق إنساني بحت.

يتميز فيلم "كيناو" بالبساطة رغم الإنتاج الضخم له. إلا أنه التزم بالأجواء البسيطة في اللباس والديكور معاكسةً فكرة ضخامة الأزياء التاريخية والحروب ومؤثراتها. فالمشهد مبني على تفاعلية الممثل مع النص وروحية المشهد والقدرة على خلق تعاطف صادق، مفعم بالتعبير الذي أتقن المخرج استخراجه من وجوه شخوص الفيلم، وحتى بالتصوير القريب والبعيد مع الحفاظ على بناء المشاهد وفق الأحداث وتطوراتها دون حشو أو اختزالات، بتوازن درامي مع القصة التاريخية ومستلزماتها التمثيلية، وبسرد دراماتيكي رصين في محاكاته الواقع المتخيل للزمن، وللقصة التاريخية التي تعتمد على حرب الإسبان، وشعلة الحروب الطويلة، وبتناغم مع الموسيقى التصويرية المساعدة على بث الأحاسيس المختلفة عند المشاهد من حيث الموازنة في الإمساك بخيوط المشهد السمعية، ومقاربتها مع التعبير التمثيلي أو الحركي بالأصح، بتآلف تلعب فيه مفاهيم الحرب والحب والوطنية والأجواء الأسرية خصوصيتها للسيطرة على مكونات المشاهد وتنوعه، مراعيًا المخرج بذلك تفاصيل الزمن المتناسب مع الموسيقى والطبيعة الشتائية التي خلقت انسجامًا خاصًا في فيلم "كيناو".

برؤية أخرى فيلم "كيناو" (Kenau) هو عمل درامي ملحمي يستند إلى أحداث تاريخية شهدتها مدينة "هارلم" خلال الحرب ضد الإسبان في القرن السادس عشر. يبرز الفيلم القوة والصلابة التي تمتلكها المرأة، ممثلةً في شخصية "كيناو"، التي تواجه التحديات بشجاعة وإصرار. يتناول العمل مواضيع الحب، التضحية، والوطنية، مما يجعله تجربة غنية على الصعيدين الدرامي والجمالي.

يمزج الفيلم بين التاريخ والخيال، مما يمنح القصة عمقًا إنسانيًا. تتجلى الشخصية الرئيسية كرمز للمرأة القوية التي تتحدى الظروف القاسية، حيث تضحى بنفسها من أجل حماية عائلتها ومدينتها. يمكن رؤية تجارب "كيناو" في سياق الحروب المعاصرة، مما يجعل الفيلم يتجاوز حدوده الزمنية ليعكس قضايا حديثة مثل حقوق المرأة وأهمية المقاومة.

يتبع الفيلم بنية سردية قوية حيث تتصاعد الأحداث من خلال تصاعد التوترات بين الشخصيات. تتمحور القصة حول صراع "كيناو" الداخلي بين دورها كأم وقائدة. يعكس التوتر بين الحب الأمومي وواجبها تجاه الوطن صراعًا دراميًا يمكن أن يتعاطف معه المشاهد. يتمتع السيناريو بأسلوب حواري قوي، مما يعزز العمق النفسي للشخصيات ويضيف بُعدًا إنسانيًا للتجربة.

أبدع "مارتن ترونيت" في توظيف تقنيات التصوير والتأثيرات البصرية لتعزيز الإحساس بالمكان والزمان. الصور المستخدمة تعكس أجواء القرن السادس عشر بواقعية، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من تلك الحقبة. استخدام الزوايا المتعددة والموسيقى التصويرية القوية يعزز من تجربة المشاهدة، حيث تكمل المؤثرات الصوتية والصور التوترات العاطفية في المشاهد.

يتجلى الجمال في الفيلم من خلال الأزياء والديكور، حيث تساهم التفاصيل الدقيقة في خلق جو يعكس الحياة اليومية في ذلك الزمن. الألوان المستخدمة تعكس المزاج العام للأحداث، حيث تتراوح بين الألوان القاتمة خلال المشاهد الحزينة والألوان الزاهية في لحظات الأمل. الأداء التمثيلي القوي من "مونيك أندريكس" ورفاقها يضفي عمقًا إضافيًا على الشخصيات، مما يتيح للمشاهدين الاتصال العاطفي مع القصة.

فيلم "كيناو" هو عمل فني يجمع بين القوة الدرامية والعمق الفكري، حيث يقدم رؤية جمالية للأحداث التاريخية عبر عيون شخصية نسائية قوية. يُعتبر الفيلم تجربة غنية تحفز التفكير وتثير المشاعر، مما يجعله يستحق المشاهدة والدراسة. من خلال استكشاف القضايا الإنسانية والاجتماعية، يترك الفيلم أثرًا عميقًا في نفوس المشاهدين، داعيًا إياهم للتفكير في التحديات التي تواجهها المرأة في مختلف الأزمنة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com