التجريد العشوائي الذي يرتكز على مبدأ البداية والنهاية ودورة الحياة

ضحى عبدالرؤوف المل

تعج حبيبات اللون بمنظور يعكس قيمة الظل والضوء ضمن الفوضيات التجريدية التي تحاكي بصريًا كريات اللون المختلفة، كنقاط حركية تتميز بصمت ظل وضوء يتناغم كل منهما مع الآخر، وبحيثيات تتدرج منها الألوان الداكنة والفاتحة التي تفصلها أحيانًا الفنانة "سارة خياط" بلون يتضاد مع المنظور اللوني الذي تتلاعب به من خلال الكريات اللونية أو النقاط التي تتركب منها اللوحة الإيقاعية المتناغمة مع مفاهيم التماثل والتناظر والتكرار المبني على اختلاف الأحجام والأشكال، والتجريد العشوائي الذي يرتكز على مبدأ البداية والنهاية ودورة الحياة التي نجهل مكنونها الذاتي. إنما تتغلغل في أعماقنا من خلال انعكاسات الألوان التي تؤثر بصريًا على حواسنا، وبفيض جمالي تتكون منه الألوان عبر إشراقات الضوء والظلال بصياغة تستمد جمالياتها من كونية المعاني النابعة من تمازج الألوان في فرشاة تختزن ألوانها وفق الأبعاد المتآلفة والمتنافرة مع الكريات التي تشحنها بتدرجات اللون الواحد، والمزج مع الألوان الأخرى وفق معايير انفعالية في تشكيلاتها البعيدة والقريبة والصغيرة والكبيرة، وكأنها تزخرف قماش اللوحة بما تراه حواسها الفنية.

مؤثرات لونية ذات لغة تجريدية تفيض بتربة غنية بالأفكار والمفاهيم التشكيلية التي تضعها الفنانة "سارة خياط" أمام المتلقي ببساطة استثنائية، وببصمة فنية تنهل من النقطة أسسها. لتحافظ على إيقاع اللوحة وانعكاساتها الضوئية بين المساحات والفراغات، والاشتقاقات اللونية المختلفة جماليًا من حيث نسب توزيعها بين الخطوط الوهمية المتعرجة بليونة منحنيات اللون المركب والأساسي، المشغول بحرفنة دأبت على إظهار الكثافة والشفافية والتوازن بينهما، ولجم الواقعية والتعبير من الظهور برغم من التجريد الناطق بكينونة الوجود، واللون الناشط بزهو تحاوره ريشة الفنانة "سارة خياط"، حيث تمد حضاراتها التشكيلية كأرض تحاصر ألوانها فراغات الضوء الانعكاسية بأنماطها المنهجية في موسيقاها العامرة بالحياة التي تتمثل بالألوان الزهري والبني والأخضر، بمختلف فروقاتهم، وكأن مرجانية كل نقطة أو كرة بلورية هي خلية حياة تتفجر منها الألوان بدهشة تؤسس لانفعالات بصرية عند المتلقي.

تتسع فواتح الألوان لتبدو ككرات بلورية تشع بالجرأة والفرح والرقص والإيقاع والتناغم، والطاقة الإيجابية ذات الحيوية العميقة بدلالاتها الواعية، العامرة بجزئيات الألوان وماهية الخطوط الخفية، المتعرجة في إيحاءاتها البصرية المتشكلة كتضاريس جغرافية لأمكنة كونية بكر، تكونت على سطح ضوئي شفاف مزخرف بتطريز لوني يثير الفرح في النفس، وكان اللوحة دعوة إلى الحياة لنحياها بنشوة جمالية تتشكل في داخلنا كتشكل كريات الدم الحمراء والبيضاء في جسد اللوحة الناطقة بقوة اللون، وقدرته على خلق تشكيلات ذات دلالات تتشكل من خلالها المفردات الفنية من تكرار وإيقاع وتناظر وتضاد وتنافر وضوء وظل لتؤلف الفنانة "سارة خياط" من اللون موسيقاها الشاعرية والممتلئة بالحس الفني وبنشوة الوجود.

فضاءات لونية تتناسل منها حبيبات الألوان وتتكاثر، لتحتل مساحات بصرية واسعة من اللوحة التجريدية ذات الدينامية الداخلية، العازفة على النقاط المرئية واللامرئية التي تنكفىء بصريًا عند التركيز عليها، وتتجدد في أماكن أخرى كأنها الغيوم المرسومة في مخيلة اللون الناتجة عن الحس الداخلي، المتكون في النفس وموسيقاها المنبعثة من وجودية الإنسان وحضاراته، وعوالمة التي تحتشد فيها المفاهيم الفيزيائية والكيميائية والرياضية ذات البعد الموضوعي في جزئياته التي نستلهم منها جمالية خاصة تتخذ من الكل منظورها ورؤاها الفلسفية، المتوائمة مع اللون وتغيراته الضوئية المجردة من خصوصية الواقع، والمعبرة عن تقنيات التجريد ضمن بلاغة اللون. فإن كانت لوحات الفنانة "سارة خياط" تشكل البداية لفن بصري ذي خاصية تأملية، فربما سنرى في انطلاقتها الأخرى تنوعًا فنيًا مختلفًا في مفرداته المعاصرة.

برؤية أخرى عند النظر إلى أعمال الفنانة "سارة خياط"، يتجلى انطباع أولي عن الفوضى الجميلة التي تخلقها الألوان. اللوحات تمتاز بحركة ديناميكية تنبض بالحياة، حيث تتناغم الألوان الزاهية مع الظلال بجرأة وجرعة من الفرح، مما ينقل شعورًا بالانطلاق والتجدد.

تدور الموضوعات حول التجريد العشوائي، حيث تتداخل الأشكال والألوان لتشكل عالماً من التنوع البصري. تستخدم الفنانة الكريات اللونية كنقاط مرجعية تعبر عن مراحل الحياة، مما يعكس فكرة البداية والنهاية. تشكل الألوان الدافئة والباردة توازنًا يبرز التباين ويجذب النظر.

تشير اللوحات إلى عمق نفسي يتجاوز السطح. تثير الألوان تفاعلات داخلية، حيث تشكل تجارب شخصية وتأملات وجودية. تكاد تشعر بالانفصال عن الواقع الملموس، مما يفتح المجال لتجارب عاطفية متباينة. إن الألوان الزاهية تنبض بالحياة، بينما الألوان الداكنة قد تعكس أبعادًا من الحزن أو التأمل.

تعتمد "سارة خياط" على تقنيات متعددة تعزز من التجربة البصرية، حيث تتداخل الأشكال وتتشابك الألوان في نسيج غني. تقنيات المزج بين الألوان الأساسية والثانوية تبرز توازنًا لونيًا مدروسًا. كما أن استخدام الخطوط الوهمية يعزز الإحساس بالعمق والحركة، مما يمنح اللوحات حيوية فريدة.

يتسم الأسلوب الفني بالجرأة، حيث تُستخدم الألوان لتعبير عن انفعالات عميقة. تعكس اللوحات حالة من التناغم الداخلي والخارجي، وتعبر عن رحلة الإنسان في مواجهة الحياة. تشكل الأشكال غير المنتظمة تجربة بصرية تعكس الفوضى والانسجام في ذات الوقت، مما يخلق شعورًا بالحرية والانطلاق.

يمثل الإيقاع البصري محورًا مركزيًا في الأعمال. تتنقل العين بين الأشكال والألوان، مما يخلق تدفقًا سلسًا. تعزز التكرارات والتناظرات من تجربة المشاهدة، مما يؤدي إلى توازن بصري يسهل استيعابه. كل لوحة تعبر عن إيقاع خاص بها، ينقل إحساسًا موسيقيًا متكاملًا، حيث تتحرك الألوان كما لو كانت تعزف لحنًا فنيًا.

تقدم أعمال "سارة خياط" تجربة غنية تجمع بين الجمال الفني والعواطف النفسية. من خلال التجريد العشوائي، تنجح في خلق فضاءات بصرية تعكس التوتر والانسجام، مما يجعل كل عمل فني حكاية فريدة تدعو المتلقي إلى التأمل والتفاعل. إن الإيقاع البصري المستخدم في هذه الأعمال يعزز من التفاعل العاطفي، مما يجعلها تجربة فريدة تتجاوز حدود الزمن والمكان.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com