فيلم "تانغو" للمخرج كارلوس ساورا
ضحى عبدالرؤوف المل
يتعمق راقص التانغو بالفعل وردة الفعل. ما معنى الرقص إن لم يبدأ من الداخل حين ندرك المعنى الحقيقي للحياة؟ خلاصة يستدرجنا إليها كاتب فيلم "تانغو"، لأن كل بداية قد تكون من النهاية، والإنسان لا يدرك أخطاء الزمن إلا بعد فوات الأوان. فهل نحتاج للآخر روحياً كي نمضي في إيقاع حياة مغاير نعيد من خلاله برمجة أنفسنا على تقبّل الخسارة والربح في الحياة؟ دراما إيقاعية مبنية على دلالات ذات وزن حركي بصري متوازن، تعتمد على التناغم مع الذات بموضوعية، وعلى الآخر بذاتية تتناقض مع الخطوات المعاكسة. وهذه جمالية العرض المسرحي الراقص، فهو تعبير إيقاعي بلغة الرقص التي يشترط فيها المخرج موسيقى التانغو لما تحمله من غموض في طبقات الإيقاع والحركة المتفاوتة بين القوة والضعف، والتنافس بين ثنائي يشكل كل منهما اكتمالاً للآخر حيث يتعمق راقص التانغو بالفعل وردة الفعل، والتفاعل المعقد القائم على حدة الإيقاع وتراخيه. إذ تبدو قوانين الرقص جازمة إيقاعياً على الحركة والتعبير. هذا ما نجح فيه مخرج فيلم "تانغو" في تقديمه إلى جانب الموضوع الإنساني الموجوع لامرأة متنازع عليها، ورجل تخطى الأربعين من العمر وبدأ يلمس تقهقر الجسد أمام المنافسات النفسية الراكدة تحت تأثير حادث يؤدي إلى فقدان راقص التانغو رجله، التي هي بمثابة الأداة الأساسية للرقص. لكنها ليست الأداة الحقيقية للحب، فهل يخسر الإنسان علاقاته الاجتماعية أو حبيبته عند فقدان القوة التي جذبتها نحو الآخر؟
الأفلام السينمائية الحقيقية بجوهرها الفني تؤثر على الماضي وعلى المستقبل، وما من محو له في الحاضر إلا ويستكمله الماضي مع المستقبل. فثلاثية الزمن الماضي والحاضر والمستقبل تكمل بعضها البعض، وما يستطيعه الرقص من ترجمة للمشاعر أو حتى لرواية الماضي بسرد إيقاعي لحروب تمت في الماضي، وبصمت يعتمد على حاستين: حاسة السمع والبصر. لهذا اعتمد "كارلوس ساورا" على المؤثرات من إضاءة وسينوغرافيا شديدة المهارة، وخطوات إيقاعية تجذب البصر بقوتها، تاركاً للمشاهد تحليلات التجاذب الفكري بينه وبين ما يتعارض مع فرقة الرقص. لأن الأفلام السينمائية الحقيقية بجوهرها الفني لا تعتمد على ما هو ربحي أو ما يغرر بالجمهور. لأن الفيلم يعالج أحداث الماضي بخطوات رقص درامية مفهومة بتحدياتها وتحاببها، ونظرتها العامة للمواقف السلبية والإيجابية على سواء. لأن الفكرة الأساسية لأي فيلم، إن لم تعالج برؤية دراماتيكية، تبقى ضمن ذاتها ولا تتخطى بموضوعيتها الفكرة المكررة في أكثر من عمل فني نراه. إلا أن الرؤية الإيقاعية هنا هي التي أسبغت على الفيلم جمالية متخيلة ذات طبيعة واقعية تجسد رقصة التانغو، وما تعنيه في كل مشهد راقص تمت إحالته بالموسيقى والضوء واللباس، والمؤثرات ما بين ظل وعتمة وضوء، ليكتمل المشهد مسرحياً بعدها وضمن رؤية سينمائية تجمع الأسلوب المسرحي مع الأسلوب السينمائي في قصة هي لرجل فقد ركناً من أركان الرقص، ولكنه برغم الأوجاع والمعاناة استكمل ما بدأ به دون الاهتمام إلا بيقينه هو وما يراه متناسباً مع إخراجه ورؤيته الفنية. فهل نجح في ذلك ساورا أم إنه منح العمل الفني مصداقية ازدواجية لفنان اندمج مع المخرج في لحظات تركت المشاهد بجمع بين المخرج في القصة والمخرج الفعلي لفيلم "تانغو"؟
فعل محبوك درامياً بموسيقى يستتبعها بلغة رقص لها زمنيتها. حب وهجران، ونسيان وتسامح وغضب ومعاناة، وآلام اختلطت تعابيرها عند الخطوات ومعانيها، وما تترجمه من فعل محبوك درامياً بموسيقى يستتبعها بلغة رقص لها زمنيتها التراثية ومعناها الشعبي الواسع ضمن المشهد الواحد المبني على قوة الحياة ومعناها، وتخطي الأحقاد في الوقت المناسب لتنجو راقصته من الموت المحتوم في أقل من ثانية ينسى فيها أنه أعرج، ولا يستطيع الهرولة نحوها لأن الحب أقوى من أي مشاعر أخرى تتناقض مع جوهر الإنسان الحقيقي في لحظة يشعر فيها أنه يخسر الآخر نهائياً، فيهرول محاولاً استعادته بكافة الطرق، وإن بنسيان لحظتين. ترك المشاهد أمام مسرح الحياة الكبير ومعناه الخافق بالحقائق الإنسانية المركبة من أفعالنا: من حب وقتل وخيانة ووفاء وشك ويقين، وتضاد نكتشف من خلاله مصداقية مشاعرنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين. وفي هذا انسجام كلي بين فريق العمل من ممثلين وموسيقين ومصورين وإخراج، وبين مخرج اعتمد على لوحات فنية راقصة تسرد برقصين متمرسين رواية الحروب ومآسيها ولغة القتل التي تتعادل مع لغة الحب. إلا أن الأخير يتفوق على القتل ويمنح العمل ذكريات كثيرة من "روميو وجولييت" وصولاً إلى فيلم "تانغو".
إيصال فكرة فنية قوية
قد يبلغ الإصرار فينا قوة العناد والصفات السلوكية المكتسبة. إلا أن المخرج أراد إيصال فكرة فنية قوية بمعناها، لأن أي عمل فني لا يعتمد على الموضوع أو على إيصال فكرة إنسانية هو عمل تجاري بحت، وهو يرفض هذا لأن عرضه المسرحي يجب أن يسرد من خلاله وقائع الماضي بتراث الحاضر وجمالية اللحظة التي تجعلنا نرى المستقبل مضيئاً إنسانياً، وعلى خشبة مسرحية مشغولة بدلالات مبنية على الواقع والخيال، وعلى الحاضر والتاريخ الحامل لأفعالنا في الماضي، والتناحر والتوافق ضمن المشهد الواحد الذي يمكن تشريحه خيالياً. لنضعه في رقصة يقدمها ساورا، تترك لتاريخية رقصة التانغو رمزيتها القوية في الفيلم، وألوانه الحارة المثيرة للحواس مع الحركة والإضاءة، والرؤية المسرحية في المشهد السينمائي الذي أراد له ساورا أن يكون بمثابة تحدٍ في فيلم استطاع التمسك بالتاريخ والتراث والتجدد الزمني.
برؤية أخرى فيلم "تانغو" للمخرج كارلوس ساورا هو عمل سينمائي يتجاوز مجرد كونه عرضًا للرقص، بل هو تجسيد فني معبر عن المشاعر الإنسانية المعقدة. يمتزج فيه الأداء الحركي مع السينوغرافيا والموسيقى، ليخلق تجربة جمالية غنية تتفاعل فيها عناصر متعددة.
يدور الفيلم حول العلاقات الإنسانية، الخسارة، والأمل. يتناول قصة رجل فقد جزءًا من جسده، وهو ما يرمز إلى فقدان الروح والحب. القصة تتناول صراعًا داخليًا يعكس معاناة الراقص، وكيف أن الرقص يصبح وسيلة للتعبير عن هذا الصراع. الدراما تتجلى في لحظات الضعف والقوة، حيث يعكس كل أداء حركي المشاعر الداخلية للشخصيات.
تتميز الجمالية في "تانغو" بتداخل الألوان والإضاءة مع الحركة. أزياء الراقصين، الغنية بالألوان، تلعب دورًا في تعزيز التعبير الجسدي، حيث تعكس انفعالاتهم وتبرز التوترات في العلاقات. الإضاءة تلعب دورًا رئيسيًا في إبراز المشاعر، حيث يتم استخدامها بشكل ذكي لتحديد المناطق الداكنة والإضاءات القوية، مما يعكس حالات الحزن والفرح.
من منظور راقص، الحركة في الفيلم ليست مجرد خطوات رقص، بل هي لغة تتحدث عن القلق، الشغف، والحنين. التناسق بين الراقصين يظهر كيف يتواصلون دون كلمات، وكيف يمكن لجسد أن يتحدث. كل حركة تحمل ثقلها العاطفي، وتخلق تفاعلًا بين القوة والضعف، مما يعكس الواقع النفسي للشخصيات.
تعتبر السينوغرافيا جزءًا لا يتجزأ من تجربة الفيلم. التصميمات الجمالية للأماكن والأضواء تساهم في خلق جو يعكس الحالة النفسية للشخصيات. المساحات المستخدمة في الرقص، سواء كانت ضيقة أو مفتوحة، تلعب دورًا في تحديد حركة الراقصين وتعكس حركتهم الداخلية. الأبعاد المتغيرة تضفي إحساسًا بالحرية والقيود في نفس الوقت، مما يعكس الصراع بين الرغبة والواقع
الفيلم يمزج بين الرقص والتعبير الوجهي. تعابير الراقصين تنقل مشاعر عميقة لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها. من خلال تعابيرهم، يمكن للمشاهد أن يشعر بالفراق، الأمل، والغضب. هذا التنوع في التعبير يجعل من تجربة المشاهدة أكثر عمقًا.
فيلم "تانغو" هو تجربة فنية شاملة تقدم رؤية فريدة من منظور راقص. إنه يبرز كيف يمكن للحركة، الأزياء، الموسيقى، والإضاءة أن تتحد لتخلق عملاً دراميًا يعكس عمق المشاعر الإنسانية. من خلال هذا الفيلم، يدعو ساورا المشاهدين إلى الغوص في أعماق النفس البشرية، مستخدمًا الرقص كوسيلة للتعبير عن التجارب المعقدة التي يعيشها الإنسان.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com