لا أحد يموت فـي باريس
لا أحد يموت في باريس.. جملة ترجمها أسامة منزلجي بتقنية احترافية في رواية متمردة لغوياً، قذرة سلوكياً، عميقة فكريا، فهي تمثل وعياً ذا قدرة تخترق المكنون الذاتي للقراءة، لترتسم التعابير الحركية على وجه الرواية التي جعلتني أرسم تعابيري الظاهرة من تأثر في قراءة مزعجة، لكنها تظهر حقيقة مجتمع نخاف الاقتراب منه، وكأنه يتنبأ بظهور يأجوج ومأجوج، وحركة صهيونية خفية تهدف إلى سلب المجتمعات عفة الأدب في الاقتراب من أدب معاكس، يظهر التناقض القائم بين الفكر والحياة من خلال جملة كتبها هنري ميللر بيده في روايته "مدار السرطان" تشبه الصفر العربي، فهي نقطة ارتكاز في تحولات كثيرة "إنه ليس صفرا كالذي سلط عليه فان نوردن ضوءه الكاشف، ليس الشق الفراغ للإنسان المحيط قبل الأوان، بل هو أقرب إلى الصفر العربي".
ظلمة في تناغمات سردية تشمئز منها، فتشعر بغضب داخلي سعى ميللر من خلاله إلى تحويل الأنظار إلى بيئة تعيش ظلمة مجتمع غربي يعاني من فيروس، بأسلوب أدبي يظهر فساد الأخلاق، وتصوير سينمائي اجتماعي في أبعاد رمزية تجعلنا نرى أعماق الفكر البشري في طرح مضاد، دامجا كل العناصر التقنية المؤثرة في تعبير ذاتي، وضمير مخاطبة في نظرة تبرز البعد الاجتماعي و فلسفة فنية مجنونة، لإبراز واقع الجسد الاجتماعي في سلسلة أحداث درامية ظلامية، وصور بذيئة اتسمت بالواقعية، وكأنه يفصل بين الفن والحياة، ليجعل الفن حلما مستحيلا "يستحيل الحلم حتى حين لا تكون الموسيقى نفسها إلا حلما، لن يفيد بشيء في مكافحة هذا الفيروس الذي يسمم العالم برمته، أميركا هي تجسيد للهلال نفسه، وسوف تجر العالم كله إلى لجة لا قرار لها."
يقول إمرسون:" تتألف الحياة مما يفكر به الإنسان طوال يومه." فهل يمكننا أن نكتب كل ما نفكر به من نوازع نفسية تعترينا في كل مرحلة حياتية نمر بها؟ وهل نستطيع فصل الأدب عن الحياة الاجتماعية؟ أم أن الخلق الفني يحتاج إلى فعل يلغي جمال الكلمة؟ " كل ما حدث هو أن الإنسان قد خُدع في ما يسميه أفضل جزء من طبيعته، إنني ميت روحيا فقط أما جسديا فأنا حي، وأما أخلاقيا فأنا حر".
إن العمل الأدبي هو إدراك حقيقي للحياة بموضوعية ذات أنواع مختلفة، في كينونة مميزة، ووجود إنساني يجيد تصوير الواقع بخيال بناء، ومحاكاة ذهنية استقرائية مؤثرة في فهم دقيق لاتجاهات العمل الأدبي، وهذا ما أشار إليه ميللر نفسه في قوله: " فعلى الكتاب أن يكون أصيلا تماما في موضوعه، كاملا كل الكمال" فهل استطاع هذا هنري ميللر؟ أم أنه أراد أن يكون مختلفا كما يقول، فيحقق كتابه قوة مبيع، وليصبح رمزا لحرية جنسية تعب منها في اعترافاته "لا أقول إني أريد أن أكون أفضل منهم، ولكن أريد أن أكون مختلفاً".
يقول ألفرد كازن:"إن الهدف كان حرية التفكير بلا حدود، واتحاد الراديكالية الحرة مع الحداثة" فحرية التفكير بلا حدود، والحرية لا تلغي احترام حقوق المرأة، فالابتذال في تحقير المرأة وتعنيفها جنسياً في الرواية ربما يؤكد قول القديس أكيناس:" إن المرأة لديها خلل، وجديرة بالازدراء، لأنها نتاج بذرة معطوبة" فأي عادات اجتماعية لأي شعب لا تحدده قوانين إنما تحدده مكتسبات حياتية نتجت عن مفاهيم انفعالية واقعية، وعادات لفئة معينة من المجتمع يصعب تسليط الضوء عليها، فهنري ميللر ليس مجرد كاتب عادي، هو انتفاضة اجتماعية غاضبة في ظاهرة أدبية تلتزم واقعا جريئا يرتبط بالحياة ارتباطا وثيقا" "تناول مشحذ الموس، وأخذ يضربها به ضربا مبرحا، وأعجبها هذا، تلك العاهرة، وتوسلت إليه: "اضربني أيضا، وركعت على ركبتيها، وتشبثت بكلتا ذراعيها، لكن جيمي كان قد اكتفى، وقال لها: "ما أنت إلا خنزيرة عجوز قذرة، انفعالات ممزوجة باستغراب مقرون بالدهشة تخرجك من غموض يحيط بالظاهرة التي تكلم عنها هو في بناء فكري يخيفه "البناء الفوقي كذبة والأساس خوف هائل مزلزل" فهل يحاول هنري خلق سلالة جديدة من الكتاب تجتاح العالم؟ وهل وصف المرأة بالعاهرة والإنقاص من شأنها يصيبه بالنشوة؟ أم أنه كان مصمما على خلق عمل أدبي سفلي يجعلك تشعر بالظلمة الحالكة، وأنت تقرأ مدار السرطان ليكون مختلفاً؟.
إنه صراع بين الفكر والحياة الواقعية التي غضب منها في نزق وتمزق ولغة شوارع أميركا الفقيرة التي تضج بالفساد، لنعيش الصراع النفسي معه في أسلوب توحدنا معه فكريا، ونبذناه جنسياً، فهذه الشرارة تولدت في اللاوعي عند المتلقي، لأننا أحسسنا بدقة الواقع الاجتماعي والحياتي وصوت الأنا المعذبة في كل مراحل الرواية، لنلجأ إلى جيش الخلاص كما لجأ هو "طبعا لم يكن لدى جيش الخلاص ما يسعفنا به" فخط الواقع يفصلنا عن الموت والحياة في حركة استفزازية، وطريقة سرد نتابعها زمنيا وجغرافيا، لنعيد ربط المشاهد في ذاكرة كادت تتوقف بحثا عن ضوء للخروج من عالم "هنري ميللر" السفلي يقول ميلان كونديرا:"إن الرواية التي لا تكتشف جزءا من الوجود ما يزال مجهولا هي رواية لا أخلاقية، إن المعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة ". فهل استطاع ميللر اكتشاف جزء من الوجود يصعب علينا الدخول إليه، وهل برزت المعرفة في أعماق روايته؟
Doha Al Mol