الطاقة الإنسانية غير المؤهلة للعنف
الفيلم القصير "هذا لم يكن أنا" Aquel no era yo (That Wasn't Me)
بيروت - ضحى عبد الرؤوف المل
فتح المصور "أنجيل أموروز" عدسته التصويرية بشمولية المشهد القريب مع بعض المشاهد البعيدة التي تحمل في ديناميكيتها الحركية بعدًا قصصيًا. فالعين التصويرية عند "أنجيل أموروز" تأثرت بمشاهد العنف، فأطلق العنان للمؤثرات الوجدانية كي تلعب دورها في تصوير الفيلم القصير "هذا لم أكن أنا" Aquel no era yo (That Wasn't Me). فقد لعبت اللمسات الطبيعية دورها في بناء المشاهد وفق حيثيات صادقة زادت من جمالية التصوير والإخراج. إذ تلاعب "إيستيبان كريسبو" (Esteban Crespo) بالمؤثرات الطبيعية في المشاهد من حيث عفوية الأداء ومنح المشهد قدرة على التفاعل المتكامل مع التصوير والموسيقى والمعنى الداخلي للنص. إذ استطاع إبراز الأطفال وأساليب التجنيد في القتال اللا أخلاقي المؤدي إلى العنف وإلى اختراق أو انتهاك حقوق الطفل والإنسان معًا، حيث الأطفال الأفارقة الذين يتم تجنيدهم من قبل خلايا تشن حروبها على الإنسان، فتدمر البنية الإنسانية من الطفولة وصولًا إلى القتال غير المشروع مع الانتهاكات المتكررة التي تسيء للإنسانية.
تتشابك المفاهيم الإنسانية في الفيلم من حيث التعاطف مع الأطفال الذين تم تجنيدهم للقتل. إلا أن للذاكرة أمراضها من حيث الطاقة الإنسانية غير المؤهلة للعنف، إذ تترسخ الجرائم البشعة في النفس وتولد العديد من الصدمات والإحساس بالذنب. مما يجعل المتمرد المقاتل عرضة لهلوسة نفسية يصعب الشفاء منها بعد قيامه بأعمال الحرب في ساحات الاقتتال غير المشروع والمجبر عليها وهو طفل صغير. فالفيلم يعالج بمدته القصيرة العنف المزدوج ضد الطفل والإنسانية مع مراعاة أن الإنسان يولد على الفطرة محبًا للخير، وبذرة الإنسانية في النفس لا تموت. إلا أنها قد تغفو لأسباب اجتماعية قاهرة لكنها تستيقظ عند لحظة إنسانية غافلة تحرك العقل الإنساني والعاطفة المتعارضة مع الإجرام. مما يثير قضايا اجتماعية تهتم بحفظ الإنسان، والأهم الأطفال الأفارقة تحديدًا، وهذا يؤدي إلى المزيد من العنف في العالم.
أطفال أفارقة اعتادوا القتل ومفارقات حب البقاء والدفاع عن النفس التي أوجدت مفهومه في الفيلم المرأة الإسبانية أو "اليخاندرا لوربنت" مع الطفل الأفريقي الغارق بالحروب، باعتباره الجندي الذي يؤدي دوره دون اعتراض، حيث الانصياع الكامل لأوامر قادته. إلا أن ما يجمعه "ماريانو أدولتو نجيما" مع "اليخاندرا لوربنت" هو الإنسانية وفطرة الإنسان على السلام، حيث العودة للذات لتتطهر من الآثام التي ارتكبتها بحق ذاتها أولًا. فهل يمكن ذلك بعد تاريخ طويل من القتل والدمار ورؤية الدماء والآثار المتبقية في الذاكرة، والتي يصعب محوها عند المقاتل العادي بعد اشتراكه في الحروب لمدة زمنية طويلة؟ فكيف يمكن إزالتها من ذاكرة طفل نشأ على التشرد والانصياع للأوامر ولتنفيذ أجندات لا يفهمها، إنما ينفذها بحذافيرها بكل قسوة وانصياع؟
جيش من المتمردين يستعمل الأطفال الأفارقة لتنفيذ مآربه ولخلق عوالم شريرة لا يمكن التخلص منها في أماكن ربما لا نتوقع أنها موجودة أصلًا، حيث يحاكي الفيلم العنف الاجتماعي أولًا الممارس على الأطفال. مما يؤدي إلى تشردهم والتسبب بانضمامهم فيما يشبه المليشيات غير المنظمة، وهذه مشكلة عالمية مأساوية تتسبب فيها المجتمعات التي لا تهتم لهذا النوع من الجرائم من حيث الاحتواء لهذه الأزمة، أو بالأحرى الآفة الإنسانية المسببة إلى خلق عوالم جريمة مبررة. فهل من رؤية أو حلول قدمها هذا الفيلم الذي رُشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم قصير عام 2014؟
موسيقى تصويرية لم تخل من تناغم مع الأصوات الهادئة والمرتفعة، ولا من فراغات تركت للطبيعة فيها لغاتها ولصوت الرصاص والانفجارات محاكاتها، ومع العوامل الحسية المساعدة في انضباط المشهد وأركانه وتفاصيله، وقدرته على ترجمة الانفعالات المقيدة من الخوف والتعاطف في آن. لأن الطفل الحامل للسلاح لم يعرف نتيجة آثار تفاصيل فعلته إلا بعد فترة زمنية ساعدت من خلالها اليخاندرا في بلورة أصل الإنسان وجوهره المحب للحياة مهما طغت عليه ظروف العيش والبؤس والفقر والتشرد. إلا أن للأقدار انعكاساتها وللغفلة التي تم فيها التعرف على القتلة الصغار الذين برعوا في تأدية أدوارهم بتفاعل طبيعي مؤثر بالنسبة للمتلقي، فالتأليف الدرامي واكب المشاهد بحنكة احتاجت لحبكة درامية وتصويرية وموسيقية، وهذه الثلاثية اجتمعت في الفيلم واستطاعت الإضاءة على عالم الجريمة وانتهاكات حقوق الإنسان، وبالأخص ذاك الطفل الذي أراد أن يقول "هذا ليس أنا" ليعود إلى لحظة الذات أو لحظة الإنسان المولود بدون أحداث مؤثرة في حياته ليعيش في سلام.
فيلم قصير يهز الضمير الوجداني بمعناه وتصويره وإخراجه، إذ يجمع الموضوع مع العناصر ضمن رؤية مفاهيمية اجتماعية تعالج مأساوية قتال الأطفال والتأثيرات السلبية التي يتعرض لها الطفل في حال بقي على قيد الحياة وأراد العيش ضمن الطبيعية الإنسانية المؤهلة له. لأن ما نعيش تفاصيله يوميًا يترسخ في العقل الباطن ولا يمكن انتزاعه إلا أن تشاء المجتمعات الإنسانية محو هذه الآفة، خصوصًا في المناطق النائية والمتنازع عليها ضمن ما يسمى حرب مليشيات أو شوارع. الفيلم من تمثيل أليخاندرا لورينتي، بابو شام، أليتو رودجرز جونيور، جوستافو سالميرون، ماريانو نجيما، تصوير أنجيل أموروز، تأليف وإخراج إيستيبان كريسبو، موسيقى جوان دي ديوز مارفيل.
برؤية أخرى فيلم "هذا لم يكن أنا" يتناول موضوعًا إنسانيًا عميقًا يتعلق بتجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة. يعرض الفيلم بشجاعة العواقب الوخيمة لهذا التجنيد، ليس فقط على الأطفال، بل على الإنسانية جمعاء. الرسالة الأساسية التي يحملها الفيلم تتمثل في أهمية الإنسانية في وجه العنف، وضرورة إعادة الاعتبار للطفولة المفقودة.
استخدم المخرج أنجيل أموروز تقنيات تصويرية مبتكرة تعزز من تجربة المشاهدة. تميزت زوايا الكاميرا بالتنوع، حيث تتنقل بين المشاهد القريبة التي تُظهر الوجوه والإنفعالات، والمشاهد البعيدة التي تعكس سياق العنف. هذه الديناميكية في التصوير تعكس صراع الطفولة بين البراءة والواقع القاسي، مما يعمق إحساس المشاهد بالمعاناة.
إيستيبان كريسبو، كمخرج، نجح في توظيف الإخراج السينمائي ليُبرز المشاعر الصادقة. من خلال توجيه الممثلين، أظهر أداءً عفويًا وواقعيًا يُعبر عن الصراعات الداخلية للأطفال. استخدام المؤثرات البصرية والصوتية بمهارة ساعد في خلق جوٍ من التوتر والإحساس بالذنب الذي يلازم هؤلاء الأطفال.
الفيلم يدمج بين العناصر الجمالية والصوتية بطرق مؤثرة. الموسيقى التصويرية، التي تتراوح بين الهادئة والمكثفة، تدعم الحالة النفسية للشخصيات وتُعزز من تأثير المشاهد. الصوت يُستخدم أيضًا لتعزيز الإحساس بالواقع، مثل أصوات الانفجارات وصراخ الأطفال، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من الحدث.
5. الزاوية الإنسانية
تظهر الزاوية الإنسانية بشكل واضح في الفيلم، حيث يُسلط الضوء على البراءة المفقودة للأطفال الذين يُجبرون على تحمل أعباء الكبار. العلاقات الإنسانية، مثل العلاقة بين "اليخاندرا" والطفل، تُظهر كيف يمكن للعطف أن يكون قوة دافعة للشفاء والتعافي.
فيلم "هذا لم يكن أنا" هو عمل فني يتجاوز حدود السينما ليصبح تجربة إنسانية مؤثرة. التصوير الفني، الإخراج المتميز، والعناصر الجمالية تتضافر لخلق عمل يُحفز التفكير ويثير المشاعر. إنه دعوة لإعادة التفكير في الإنسانية والرحمة، ويعكس كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة للتغيير الاجتماعي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com